اجتماعيات

ضرورة الحداثة الدينية

الحداثة الدينية

مفهومنا للعالم مرتبط بالأفكار التي في عقولنا، التصميم الوجودي أو البيئة المحيطة بدولة معينة أو مجتمع محدد هي نتاج أفكارهم ورؤيتهم للعالم.

فهي معادلة بسيطة: حيث أن أفكار الأفراد هي التي تجسد الفراغ المحتكر من قبلهم، وبالمقابل ذاك الفراغ المجسّد يقوم بتجسيدهم كأفراد ويكون المنظومة التي كانت عبارة عن أفكار مبعثرة وغير منظمة، فالأفكار التي تم إنجازها على أرض الواقع هي ليست فقط إنجازات مادية أو معنوية بل بالمقابل هي حققت لهم الذات التي كانوا يطمحون للوصول إليها.

ولكن العالم دائم التغيير، والأفكار تغزو وتحارب بعضها بالنقد البناء والأدلة المنطقية، فهناك أفكار تنفي أفكاراً أخرى وهناك أفكار تتوحد لتكون جسماً واضحا لشيء ما كان غامضا أو خطأً. هكذا هو عالمنا، يتغير بإستمرار وسيبقى متعطّشا للتغيير. فلا يوجد هناك أفكار ثابتة نتمسّك بها.

الدين ليس كياناً مستقلا

في الوقت الراهن، المنتسبين للأديان يتعاملون مع دينهم على أنه كيان خارج نطاق النقد وحدود الفكر، ليس له علاقة بما يفعلونه أو بالسلوك الذي يتبعونه. ففي حين وقوع عمل إرهابي أو خروج أحد الشيوخ جريءً بجهله (كذاك الذي كسر قوانين الفيزياء وقال أن الأرض لا تدور) تلقائيا هم يتهمون أعمال المنتسبين للدين وليس الدين. في اعتقادهم أن الدين هو فقط جسماً من الآيات المقدسة التي لا تحتمل الشكّ فيها، هذا ما سبب الصورة الساذجة للدين الذي هو عليه الآن.

فقد تم زرع صورة نمطية في عقولهم بأن شئنا أو أبينا؛ الدين هو لكل زمان ومكان بغض النظر عن سلوكنا ومنظورنا للعالم. فلما نشك أو نسأل عن الدين ولما ننتقد؟ هنا قد خسّر الدين فلسفته وفقد أسلوب حياته ولم يعد لكل زمان ومكان. الدين هو جزء من هذا العالم المتغّير، يوّحد طوائف معينة من خلال اللغة والشعائر. الدين يعتبر وطننا لمنتسبيه (لمنّتسبيه وفقط، فإذا تخطّى هذا المفهوم يصبح ذاك الدين تطرفاً ووطنه ديكتاتوريّاً). فالوطن ليس بالكيان المسّقل بل هو المواطنين أنفسهم.

القداسة المفرطة منبع الجهل

الدين الأن بعيد كل البعد عن العالم المعاصر، فهو ثابت: ثابت بثبات جهلنا وقمّعنا للفكر الآخر وعدم تقبل النقد الموجه نحوه. منبع القداسة هو ضعف الجهل، جهلٌ نابع من محاولة إخفاء وكبت حقائق العالم التي قد نراها عدوانية وغير مريحة ونعتقد أنها تعارض ذاك الكيان البعيد الباهة. فهي أيضا معادلة بسيطة: إذا تراكم النقد على دين وهو ثابت غير قابل للتغيّر فسوف يتلاشى مع مرور الوقت، فقد كان ذاك مصير جميع الأديان التي قدّست بشكل مفرط عبر التاريخ.

قبل مرور الوقت

ما يجب على الدين فعله هو أن يتشارك مع الحقائق العلمية ويتعاصر مع العالم، الدين يجب أن يتبنى فلسفة معاصرة وحديثة ويكون أساسه العقل والمنطق. القداسة تحركها العواطف والدين ليس منظومة تشريعية وروحانية وحياتية فقط بل هو أيضاً طريقة فكر، وقوام الفكر هو العقل والمنطق وفقط! فلنقدس العقل ومنطقه وليس العواطف الهشة. فإذا حكم الدين شيءً غير العقل لن يستطع على مواجهته مع مرور الوقت.

النقد طبيعتنا

في قشرة الدماغ الخارجية أو القشرة المخية (cerebral cortex) لدينا، التي تطّورت منذ ملايين السنين في أسلافنا الرئيسيين، منطقة تحول المادة إلى وعيٍ، هي نقطة صعودنا وارتقائنا كبشر. تضم ثلثين من كتلة عقولنا، هي مملكة الحدس والتحليل النقدي. في هذه المنطقة نحن نبتكر الأفكار والإلهام ونقرأ ونكتب ونحل المعادلات الرياضية ونؤلف الألحان الموسيقية. هي التي تنظّم حياة الوعي لدى كل فرد منا، هي سبب تميّزنا عن باقي الكائنات، هي مقعد رئاسة إنسانيتنا. أعظم حضارات التاريخ البشري هي نتاج تلك القشرة.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

مقال من إعداد

mm

رائد عبد الكريم

ادرس المحاسبة في جامعة عمان الاهلية. اعشق الكتابة و القصص، انهيت اول كتابا لي ولكن مازلت ابحث عن دار نشر. استخدم الخيال فهو افضل وسيلة لشرح و تعليل الواقع المبعثر الذي نواجهه.

عدد القراءات: 493