اجتماعيات

ما الأسباب وراء الإيمان بالأديان والتعصب لها؟

التعصب
صورة: Eric Lobbecke

يعتبر الفيلسوف نيتشه أن الدين شكّل مرحلة عبور الإنسان نحو الحضارة، لكنه يقول لاحقاً أن ”الإله قد مات“، معتبراً أنه حان الوقت ليحل الفن والعلم والفلسفة مكان الدين. ومع ذلك لم يأتي الوقت الذي يستبدل فيه الإنسان الدين بالعلوم والفنون نهائياً، لهذا لابد أن ننظر إلى أبرز العوامل التي تدفع الإنسان لخلق الأديان وإتباعها والتعصب لها.

– الخوف من المجهول

قبل نشأة الأديان، كان الوعي يستيقظ في هذا الكون ليجد نفسه محاطاً بالعديد من التساؤلات حول طبيعة الوجود ومعنى الحياة والهدف من البقاء، ولكن بسبب قلة معرفته، وإرادته للسعادة، ورغبته في حماية عواطفه، وخوفه من الطبيعة التي تحيط به، ذهب إلى التصديق بحتمية وجود خالق وبأن الكون هذا يتمحور حول الإنسان وأن هناك عدالة في الطبيعة، واعتقد بأن ثنائية الخير والشر شيء فطري طبيعي، وأن الإنسان نهايته السعادة الأبدية، وهو بذلك يحارب المجهول عن طريق إتباع العواطف والغرائز لمحاولة حل المعضلات والألغاز، وهي الطريقة الوحيدة التي كانت موجودة أمام إنسان القبيلة.

– القلق من الموت

يقول هايدغر أن الانسان يرمى إلى الوجود ليموت، وأن الشيء الحقيقي الوحيد هو التوتر الناجم عن مواجهة الإنسان لفكرة الموت.

من الطبيعي جداً القول أن الموت هو ألد عدو للوعي، الذي يقوم بدوره في محاولة القضاء على الخوف الناتج عن الموت، إما بمحاولة فهم الموت، أو عن طريق اللجوء إلى الأديان.

إن المعتقدات الإبراهيمية جميعها ومعظم الأديان الباقية تعتقد بوجود الحياة ما بعد الموت، وهو الأمل الذي يضيء الإنسان فيه ظلمة الموت، ليذهب بعدها إلى إستكمال الحياة بشكل طبيعي. ولعل الذين يولدون في مجتمع ديني لا يواجهون القلق من الموت أبداً (إلا بحالات سيكولوجية خاصة) لتصديقهم بأن ما بعد الموت توجد الأبدية، ولهذا يمكن اعتبار القلق من الموت عاملا أدى إلى تشكل المعتقدات الدينية.

– البرمجة الإجتماعية

هي السبب الأبرز في عصرنا الحالي، لأن اليوم الإنسان أصبح مزوداً بالعلم الذي يكشف له الحقيقة والذي أثبت أنه منهجٌ ناجع لمحاربة المجهول والتحكم في الطبيعة حولنا، ولهذا فإن إستمرار الإيمان بالأديان لابد أن يكون بسبب خارج عن الإرادة؛ ألا وهو البرمجة الإجتماعية التي يقوم بها الأهل أولاً والتي كانوا هم ضحاياها في السابق.

البرمجة الاجتماعية

صورة: Persepolis Film/AFP

ولأن الطفل يرى بأن والديه هما المثال الأعلى، فهو يذهب إلى تصديق كل كلمة يقولونها من دون طلب الأدلة أو الشك، وهذا ما يسمى بالـ”تلقين“ التي يمكن وضعها تحت عنوان ”غسل الدماغ“، لأن الطفل يصبح راشداً فيما بعد وهو متشبث بمعتقداته بشكل آلي غير واعي، والذي سيزيد الأمر سوءاً هو حين يخرج داك الطفل إلى المجتمع ليرى أن كل الناس يتبعون ما قاله له أبواه، وبذلك يزداد تعصباً وتأكداً بأنه هو على الدين الصحيح.

– إرادة الحقيقة

نرى في كل العصور محاولة من الإنسان للوصول إلى الحقيقة، فالإنسان لديه إرادةٌ لمعرفة الحقيقة والبحث عنها، والدين هو إحدى المحاولات التي قام بها الإنسان لكشف الحقيقة، رغم أنها غير موضوعية حتى يقال عنها ناجحة؛ فالدين يزعم أنه يقدم الحقيقة الأسمى وبذلك ينهي معاناة الإنسان في محاولة معرفة الحكمة.

لهذا وقبل نشأة العلم رأى الإنسان أن الدين هو السبيل الأمثل للحقيقة وقام بإتباعه، وبالتالي إشباع إرادة الحقيقة عنده.

– التاريخ المفبرك

إذا نظر شخص إلى تاريخ الأنبياء والاديان عن طريق الكتب الدينية، سيرى أنه مليئ بالمعجزات وبالأحداث التي تصعق العقل، وسيدرك من خلال تلك تلكتب أن الشخصيات الدينية كيسوع ومحمد وغيرها كانت استثنائية وفيها من القوة والخير ما لا يقاس بمقياس، هذا ما يدفع الفرد إلى التقرب من الدين والتصديق به.

– التخيلات والأوهام

قد يحلم شخص ما في إحدى الأيام بأن الله قد زاره و تكلم معه، وربما يلجأ على أثر تلك الحادثة إلى التصديق بدين معين. وربما في حالة ثانية، قد يشفى فرد معين من مرض خطير بعد أن يتوسل إلى الله مما يدفعه إلى التشبث أكثر بالدين. وكل تلك الحوادث تعود إلى شخصية الفرد السيكولوجية، ويقدم لنا التحليل النفسي أبرز الشروحات بخصوص هذا الموضوع.

– الجهل

يمكننا ربط الجهل بمعظم الأسباب التي ذكرت في الأعلى، هذا لأن الإنسان الجاهل يخاف المجهول وهو غير ملم بالعلوم الإنسانية ويقوم بتصديق الأشياء من دون أدلة ملموسة أو إثباتات، كما أنه لا يتبع أي منهج في استنتاجته بخصوص الوجود و الحياة، ويبتعد عن المنطق والتحليل، وبالتالي ينتمي إلى الدين بشدة ويتعصب له.

في الأخير، إن العوامل التي ذكرت في الأعلى قد تكون متشابكة وناتجة عن بعضها البعض، ولكن قصد هذه المقالة هو تعداد الأسباب وراء الإيمان من وجهة نظر فلسفية لادينية غير سطحية. كما أنه قد يضاف إلى الأسباب التي ذكرت في الأعلى أسباب أخرى لكن قد تكون نادرة جداً، أو أنها تنتطوي تحت العناوين المذكورة.

عدد القراءات: 7٬030