اجتماعيات

ماذا كان نيتشه يعني عندما قال ”مات الإله“

نيتشه

منذ حوالي 134 سنة، تسبب نيتشه في صداع مزمن لدارسي الفلسفة، امتد منذ القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة عندما قال ”مات الإله“، تلك الجملة الأشهر في تاريخ الفلسفة حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يقرؤوا كتابه The Gay Science الذي وردت فيه. لكن هل نفهم حقا ما عناه نيتشه؟ والأهم من ذلك، ما الذي تعنيه لنا هذه الجملة؟

كان نيتشه ملحدا، ولم يكن يقصد أن هناك إله قد مات بالفعل، لكنه قصد الفكرة التي لدينا عن الإله. فبعد عصر التنوير أصبحت فكرة وجود قوانين فيزيائية تحكم الكون بدلا من إله أمر واقع، وقد أظهرت الفلسفة أن الحكومات لا تحتاج أن تنتظم حول فكرة قوانين إلهية تسمتد منها شرعيتها، لكنها تحكم بموافقة المحكومين بدلا من ذلك – النظريات الأخلاقية الكبيرة والمتسقة يمكن أن تتواجد دون الرجوع لإله. أوروبا مثلا لا تحتاج لإله كمصدر للأخلاق والقيم والنظام في الكون، فالعلم والفلسفة قادران على فعل هذا لنا. هذا التفكير العلماني المتزايد قاد الفلاسفة لإدراك أن الإله لم يمت، بل قتلناه برغبتنا الخالصة لفهم العالم بشكل أفضل.

موت الإله لم يكن موت الإله شيئا جيدا بشكل كامل بالنسبة لنيتشه، فبدون إله كان النظام الإيماني في غرب أوروبا في خطر محدق كما أوضح في The Twilight of Idols: ”عندما يتخلى الفرد عن الإيمان بالمسيحية، فإنه يسحب بساط الأخلاق المسيحية من تحت أقدامه… المسيحية نظام متكامل ينسج كل الأشياء في سياق متصل ببعضه، وبكسر أحد مفاهيمها الأساسية؛ الإيمان بإله، فإنها تنكسر بشكل كلي“. واعتقد نيتشه أن هذا الأمر سيكون جيدا للبعض أين قال: ”…عندما نسمع الخبر بأن الإله قد مات، فإننا نحن الفلاسفة و’الأرواح الحرة‘ نشعر بنور الفجر الجديد يضيؤنا“، فبذهاب النظام القديم لمعنى الأشياء يمكن خلق نظام جديد، لكن هذا الأمر تتخلله مخاطرة.

كان نيتشه يؤمن بأن إزالة ذلك النظام القديم سيعرض معظم الناس لخطر اليأس من اللامعنى، فما هدف الحياة دون وجود إله؟ حتى وإن كان هناك إله فإننا نعرف اليوم أنه لم يضعنا أبدا في مركز الكون، ومع اكتشافنا أيضا الأصل المتواضع الذي نشأ منه الإنسان أثناء تطوره؛ نتيقن أن الكون لم يصنع لأجلنا.

خاف نيتشه أن هذا الفهم للعالم سيؤدي للتشاؤم والرغبه في اللاشئ، وهو ما يتعارض مع فلسفة الحياة التي كان يدفع بها. خوفه من العدمية وردة فعلنا أوضحها في The Will of Power عندما كتب: ”ما أتعلق به هو تاريخ القرنين القادمين، أصف ما سيأتي والذي ليس بإمكاننا تغييره: ’ظهور العدمية‘ …لبعض الوقت كانت كل ثقافتنا الأوروبية تتجه نحو الكارثة“، لم يكن ليتفاجئ بالأحداث التي ضربت أوروبا خلال القرن العشرين، الشيوعية، النازية والقومية، والأفكار الأخرى التي شقت طريقها عبر القارة في صحوة الحرب العالمية الأولى، التي اعتقدوا أنها تزود الإنسان بالمعنى والقيمة كعامل أو آري أو شئ آخر بطريقة تشبه المسيحية التي زودت الإنسان بالمعني كطفل الإله، وتعطي للحياة قيمة بربطها في علاقة بالسماء، وبينما كان سيرفر هذه الأفكار بلا شك، إلا أنه كان سيفهم أنها كانت توفر المعنى.

وكما أوضح نيتشه رؤيته للمستقبل عرض طريق الخروج من خلال خلق قيمنا الخاصة كأفراد، وخلق معنى للحياة من خلال من يعيش فيها، والنموذج البدائي للشخص الذي سيفعل ذلك عرفه نيتشه بـ”الإنسان السوبر Übermensch“، لكنه رأي ذلك هدفا بعيدا للإنسان لن يقدر الكثيرون الوصول إليه، شعر بأنه لم يتواجد بعد على الأرض لكنه سيقدر على صنع هدف في الحياة بإرادته فقط، وسيفهم في النهاية أنه مسؤول عن اختياراته كما أوضح قائلا: ”من أجل لعبة الخلق إخواني، فإن التضحية مطلوبة: الروح الآن تصنع مشيئتها بنفسها“، هذا الإنسان الجرئ لن يحتاج لعقيدة أو رأي عام لأنه مقتنع بما يفعله.

وبناءا على الندرة والصعوبة في خلق الإنسان السوبر، اقترح بنفسه بديلا آخر كاستجابه ضد العدمية، والذي اعتقد أنه سيكون الأكثر اختيارا وهو ”الرجل الأخير“، ذلك الذي يعيش حياة هادئة نوعا ما دون التفكير في نمو الفردية أو الشخصية. ”لقد اكتشفنا السعادة، …يقول البشر الأخيرون ويغمزون بعيونهم“ أكثر خيبات ذرادشت الناطق بلسان نيتشه هم البشر الذين كان يبشرهم وترجوه للحصول على طريقة حياة الرجل الأخير، مما يوضح تشاؤمه من التعامل مع موت الاله.

لكنك قد تتساءل: إذا كان الإله قد مات منذ زمن بعيد، وأنه من المفروض أن نعاني جراء هذه المعرفة، فأين إذا كثرة الملحدين؟

الإجابه قدمها نتشه بنفسه: ”مات الإله لكنه أفسح الطريق للبشر، لكن ربما ستبقى بعض الكهوف التي يظهر فيها ظله لآلاف السنين“ فلربما نرى الآن تداعيات إعلان نتشه فقط.

الحقيقه أن أعداد الملحدين في تزايد ويقاربون الأغلبية في بعض الدول الأوروبية، وبدؤوا في التزايد في الولايات المتحدة أيضا، لكن على العكس مما حدث عندما تم إقحام الإلحاد بالقوة في دول الاتحاد السوفيتي، لا توجد ضرورة لوجود رؤية عالمية تغلف نقص الإله. ويرى الفيلسوف البريطاني برتراند راسل أن البلشفية كانت ديانه بداخلها؛ كانت قادرة بشكل كامل ولديها إمكانية توفير معنى وقيمة للمجتمعات بنفسها. لكن مصدر المعنى بلا إيمان؛ هذا قد ولى.

وكما يعرف الكثير من الملحدين، فإن عدم وجود إله لديهم دون بنية فلسفية توفر المعنى لهم يمكنها أن تتسبب في يأسهم من الوجود، فهل نحن في خطر أن نصبح مجتمعا يكافح مع عدم وجود المعنى؟ هل نحن كمجتمع في خطر العدمية؟ هل نحن أقل حصانة ضد الأفكار التي تعد بما كان يفعله الإله لنا وللمجتمع؟ بينما الأمريكيون في تشاؤم متزايد من المستقبل فإن غير المتدينين أقل تشاؤما من المتدينين، ويبدو أن نيتشه كان على خطأ حول قدرتنا على التعامل مع موت الإله على المدى الطويل.

وكما يقترح Alian de Botton عن قيمنا، يبدو أننا استطعنا التعامل مع فكرة موت الإله بشكل أفضل مما توقعه نيتشه، لسنا جميعا الرجل الأخير ولم نتداعى لموقف تكون فيه القيم نسبية كليا وبلا معنى، يبدو أننا استطعنا خلق عالم تكون فيه الحاجه لوجود إله أقل ما يمكن لبعض الأشخاص دون الوقوع في يأس جماعي أو فوضى.

هل نحن كأشخاص لدينا القدرة على خلق قيمنا الخاصة؟ قادرون على خلق معنى لحياتنا دون مساعدة إله أو عقيدة أو اختيار جماعي؟ ربما البعض منا كذلك، وإذا ما فهمنا تأثيرات موت الإله فستكون لدينا فرصة أفضل لفعل ذلك. اليأس الناتج عن موت الإله قد يعطينا طريقة للوصول لمعنى جديد لحياتنا كما اقترح جون بول سارتر: ”الحياة تبدأ على الجانب الآخر من اليأس“.

المصادر

عدد القراءات: 33٬720