اجتماعيات

هل تود استثمار مالك مقابل 100% من الأرباح شهريا؟ فاحذر.. أنت مستهدف

مخطط

من ذكريات الطفولة البعيدة أتذكر مشهداً حدث حين كنت في الثامنة من عمري؛ يومئذٍ كان صديق والدي مدعواً للغداء في منزلنا، وكان الحديث الأساسي عن تاجرٍ ”حربوق“ يتاجر بالبضائع المهربة ويحقق أرباحاً طائلة من تجارته تلك. في ذلك اليوم أخبرنا صديق والدي أنه استثمر مع هذا التاجر مبلغ 10.000 ليرة سورية (كان يساوي 200 دولار أمريكي) ليعود إليه بعد شهر واحد فقط 15.000 ليرة (ما كان 300 دولار أمريكي)؛ وبالطبع كان الموضوع مثيراً للاهتمام بشدة حيث لا يوجد وسيلة معروفة لتحقيق أرباح بهذه النسبة الضخمة بوقت قصير كهذا.

بعد بعض النقاش قرر والداي الاستثمار كذلك مع هذا التاجر، وبعد شهر عاد المبلغ مع الربح الموعود؛ وهنا تشجع والداي وأخبروا بعض أصدقاء العائلة عن هذا الاستثمار حيث قرر معظمهم استثمار بعض المال فيه، لكن هذه المرة بعد شهر لم يأت ربح ولم يعد المال حتى؛ بل اختفى ”التاجر الحربوق“ واختفت معه حسب الأحاديث بضعة ملايين من الليرات.

ثقب نقود

الذي أثار الاستغراب حينها هو مصدر الأرباح التي كان يدفعها هذا التاجر في الشهور السابقة، فمن أين يأتي بها خصوصاً عندما كشف أن المستودعات التي ادعى ملكيتها كانت تابعة لشركة لم تسمع به أصلاً. نسيت القصة لعدة أعوام حينها إلى أن قرأت صدفة عن ”مخطط بونزاي“ (Ponzi Scheme) وعرفت أن هذا ما حصل.

طريقة عمل المخطط:

من حيث المبدأ؛ هذه الخدعة بسيطة للغاية للمنفذ لكنها مخفية بشكل محكم بالنسبة للمتعرضين لعملية النصب.

في البداية فالمنفذ هنا يحتاج عملاً وهمياً لتغطية مصدر الربح المزعوم، من الممكن أن يكون العمل كما عمل من خدع عائلتي بائع بضائع مهربة أو مكتب تخليص جمركي أو شركة استيراد وتصدير أو غيرها من الأعمال التجارية. بعد ذلك فعلى المنفذ أن يجد مجموعة من الضحايا (أو كما يسميهم مستثمرين) ليستثمروا في تجارته المزعومة وذلك لا يتحقق دون أن يظهر بالشكل الذي يدعيه من حيث كونه ”يلعب بالمال لعباً“ وتبدو عليه علامات الجاه والترف. بعد أن يحصل على مجموعة من المستثمرين ويعدهم بأرباح هائلة مثل 1% كل يوم أو 100% بعد ثلاثة أشهر؛ يجب أن يجمع مجموعات أخرى على أوقات منتظمة بحيث لا تكون الاستثمارات مودعة أو يتوجب دفعها في نفس الوقت.

رجل غني

بعد أن يجمع عدة مجموعات من المستثمرين يحين موعد دفع أرباح استثمارات المجموعة الأولى، وهنا يقوم بدفع هذه الأرباح من أموال المجموعات التالية لها وهكذا يدفع أرباح كل مجموعة استثمارات من الاستثمار التالي لها. الربح الكبير من هذه المرتبة سيشجع المستثمرين إلى إعادة استثمار أموالهم وأرباحهم وغالباً مدخراتهم أيضاً للحصول على ربح أكبر، كما يخبرون عادة أصدقائهم وعائلاتهم ليستفيدوا من هذه الفرصة، وهكذا تتزايد كمية الاستثمارات المودعة لدى المشغل بمرور الزمن وتتراكم لديه الأموال حتى تتباطئ وتيرة تزايد الاستثمارات فيصبح أمام أحد خيارين: إما الفرار مع المال والاختفاء تماماً، أو أنه سيطلب منه دفع أموال وأرباح لا يستطيع دفعها فينهار المخطط بأكمله هنا.

هرم اوراق

على الرغم من أن هذه الخدعة تظهر أنها تستهدف عامة الناس من غير العارفين بالاقتصاد فقط لكن تاريخياً فقد نفذت العديد من نسخ هذا المخطط سواء على عامة الناس أو حتى على شركات استثمارية كبرى.

مخطط بونزاي في الأعمال المشروعة:

لا تبدأ جميع مخططات بونزاي بنية النصب واختلاس أموال المستثمرين عادة؛ ففي الكثير من الأحيان تبدأ كعمل مشروع مثل تجارة السيارات بحيث تقوم الشركة بدفع استثمارات المستثمرين بشكل دوري إلى أن تحدث مشكلة ما ولا تتمكن من تحقيق الربح المطلوب، وهنا في بعض الأحيان تختار الشركة أن تزور أوراقها بحيث تظهر أنها حققت الربح المطلوب، وتدفع للمستثمرين من استثمارات المستثمرين اللاحقين لهم. الهدف هنا يكون المحافظة على سمعة الشركة وجذب المزيد والمزيد من المستثمرين إلى أن تصل الفقاعة الاستثمارية حد الانفجار وتصبح الشركة ملزمة بدفع أرباح استثمارات غير قادرة على تغطيتها فيقوم منفذوا الخدعة بالاختفاء وبصحبتهم مال المستثمرين.

أمثلة تاريخية عن المخطط:

1- بونزاي (Ponzi)

بدأ المخطط في عام 1920 في بوسطن في الولايات المتحدة، حيث أقنع بونزاي المستثمرين أنه وجد فرصة ربح وفير عن طريق شراء بطاقات رد بريدي بسعر مخفض ثم بيعها في مكان آخر بسعر كامل؛ كما أنه وعدهم بأنه سيضاعف مبلغ الاستثمار خلال 90 يومٍ فقط.

في النهاية تمكن بونزاي من اختلاس $8.000.000 (ثمانية ملايين دولار أمريكي) من 30.000 مستثمر خلال مدة لم تتجاوز 7 أشهر. بعد انهيار الخدعة تم إلقاء القبض عليه وسجن لمدة 5 سنوات لاستخدامه البريد في عملية احتيال.

2- ميلر (Miller)

رغم تسمية المخطط باسم بونزاي، فهو لم يكن أول من قام بالخدعة؛ حيث في عام 1890 قام ”وليم ميلر“ بعرض ربحِ 10% أسبوعياً على المستثمرين (520% سنوياً) وبفضل إقبال المستثمرين الشديد فقد تمكن من سرقة مبلغ يزيد عن $1.000.000 (مليون دولار أمريكي) من المستثمرين، كنتيجة لذلك قبض عليه وسجن لمدة عشرة سنوات؛ كما أنه كان شاهداً أساسياً في القضية ضد بونزاي في عشرينيات القرن العشرين.

3- برانكا (Branca)

في البرتغال، وبين العامين 1970 و1984 تمكنت برانكا من المحافظة على مخطط كان يدفع أرباحاً شهرية 10%. عند انكشاف المخطط كانت قد تلقت ما يزيد عن €85.000.000 (خمسة وثمانون مليون يورو) أي ما كان يعادل تقريباً $120.000.000 (مائة وعشرون مليون دولار أمريكي).

حكمت برانكا بالسجن لمدة عشرة أعوام رغم أنها كانت تكرر أن ”كل ما فعلته كان لأجل الفقراء.“

4- شركة جي. ديفيد وشركاه (J. David & Company)

في سان دييغو، كاليفورنيا قامت هذه الشركة بفتح فرصة استثمارية تحت اسم مؤسسها في بداية ثمانينيات القرن الماضي. انكشفت الفرصة لاحقاً بكونها مخطط بونزاي. تمكن من الاستيلاء على حوالي $200.000.000 (مئتا مليون دولار أمريكي) كانت بشكل شبه حصري من شركات استثمارات ومستثمرين أغنياء شمال ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

5- شركة MMM

كانت هذه شركة روسية مطلع التسعينات (مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتحرر السوق الروسي) حيث قامت واحدة من أكبر مخططات بونزاي المعروفة، قدمت الشركة أرباحاً خيالية لمستثمريها كانت تصل إلى 1000% سنوياً جاذبة ما يتراوح بين 5 إلى 40 مليون مستثمر وجردة إياهم من $10.000.000.000 (عشرة بلايين دولار أمريكي).

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن

عدد القراءات: 4٬120