اجتماعيات

الرقص على العمود يزيد من قوة المرأة المصرية وثقتها بنفسها

الرقص على العمود

غالبا ما ينظر إلى الرقص على العمود Pole Dancing بنظرة ازدراء في مصر والمجتمع المصري بأغلب أطيافه، ومع ذلك فإن الطلب على هذا التمرين البهلواني أخذ يتزايد باستمرار من طرف النساء في دولة لم تكن، وليست، سباقة في إعطاء المرأة حقوقها.

تتحرك (منار المقدم) بطريقة بهلوانية على طول العمود، فتتسلق صعودا ثم تدور وتلف وتهبط مجددا، فتهبط على حذائها الزجاجي ذو الكعب العالي، تتسلق مدربة الصف ذلك العمود صعودا مجددا ثم تفتح ساقيها في الهواء، فيصفق الصف كله تهليلا لها.

بدأت (المقدم) تتدرب على الرقص على العمود منذ أكثر من سبع سنوات مضت، فما كان قد بدأ على شكل هواية أصبح عملا بدوام كامل عندما افتتحت أول نادي للرقص على العمود في مصر، بالضبط في القاهرة سنة 2013، وهي خطوة شجاعة تقوم بها هذه الشابة في مجتمع محافظ، ترى فيه الأغلبية هذه التمارين على أنها مشينة وجالبة للعار وجنسية أكثر من اللازم.

كانت (المقدم) قد افتتحت نادي الرقص على العمود الأول من نوعه في مصر الذي حمل اسم: Pole Fit Egypt في سنة 2013.

كانت (المقدم) قد افتتحت نادي الرقص على العمود الأول من نوعه في مصر الذي حمل اسم: Pole Fit Egypt في سنة 2013.

بالنسبة للـ(المقدم) فإن هذا الفن، وهذه التمارين هي تعبير عن الحرية، بل وأكثر من ذلك، فهي نوع من التمارين الذي بدأ يحوز على شعبية كبيرة في هذا البلد الواقع في شمال القارة الإفريقية، حتى ولو كان يمارس غالبا خلف أبواب مغلقة.

كسر التابو

تعتبر مصر، مع الأغلبية الساحقة من الـ92 مليون مواطن الذين يقطنوها، بلدا للتناقضات والمفارقات الشديدة، فتجد فيها الفقر المدقع بالموازاة مع الثراء الفاحش، والتحرر والتفتح مع التحفظ الشديد كذلك.

لطالما كان الرقص الشرقي بالخصر، الذي يعتبر على نفس القدر من الشهوانية والإثارة الجنسية كالرقص على العمود، جزءا من الثقافة المصرية على مر قرون عديدة، ومع ذلك ما زال العديدون ينظرون إليه بنظرة ازدراء وعبوس، لكن عروض راقصات الخصر تؤدى تقريبا بشكل دائم في مختلف احتفالات الأعراس المصرية في كامل أنحاء البلاد تقريبا، وفي نفس الوقت، يعلم الكثير من المصريين بوجود فن الرقص على العمود، الذي يتم ربطه دائما بالأضواء الحمراء، والدعارة، وهما الأمران اللذان يعتبران خطا أحمر لا يجوز حتى التلفظ بهما في التيار الفكري المحافظ السائد في مصر.

تعرف (المقدم) جيدا هذا المفهوم العام الذي يكونه المجتمع حول الرقص على العمود، لكن هذا لم يثن الشابة ذات الأربعة والعشرين عاما من الاستمرار في ممارسة التمارين التي اكتشفتها عندما كانت طالبة هندسة معمارية في بريطانيا.

افتتحت المقدم نادي Pole Fit Egypt، وهو استوديو للرقص على العمود خاص بالنساء، بعد أشهر فقط من عودتها إلى مصر بعد انتهاء سنوات دراستها في الخارج.

في بادئ الأمر شدت الذهول والصدمة والديها، فتقول في هذا: ”لقد أعرب والداي عن قلقهما من ما قد يقوله الناس“.

دربت (المقدم) أكثر من 2600 امرأة للرقص على العمود من مختلف شرائح المجتمع.

دربت (المقدم) أكثر من 2600 امرأة للرقص على العمود من مختلف شرائح المجتمع.

لعلمها بأنه لا أحد بإمكانه التملص من التحكم الاجتماعي في مدينة على نفس قدر كثافة السكان كالقاهرة، فإن (المقدم) تسهر على أنه فقط النساء الذين لديهم اشتراك في صفوفها التدريبية يعلمن ما يحدث فعلا في الاستوديو، الذي يقع في الطابق الثاني من بناء متكون من عدة شقق في حي (غاردن سيتي) في العاصمة المصرية (القاهرة)، حيث قالت: ”يعتقد معظم الناس أن الاستوديو خاص بتمارين اللياقة البدنية المعهودة“، وأضافت بأنها تحاول جاهدة أن لا تلفت الانتباه، كما تتجنب كثيرا عدم استفزاز أي كان.

لا تقوم النساء في استوديو (المقدم) بأداء تمارينهن على العلن، تقول المقدم: ”لدينا قواعد صارمة“ شارحة بأن هذه الشروط تنطبق كذلك على جميع المدربات الأخريات في الاستوديو، وما يثير الانتباه هو اكتظاظ صفوفها بالنساء الراغبات في تعلم هذه الرياضة.

تدرب ضمن جدران Pole Fit Egypt، الذي يقدم كذلك تمارينا في اللياقة البدنية، أكثر من 2600 امرأة من مختلف شرائح المجتمع في فن الرقص على العمود، ومن أجل مسايرة الطلب المتزايد عليه، افتتحت (المقدم) اثنين من الاستوديوهات آخرين من أجل النساء الراغبات في تعلم هذا الفن، اللواتي كان من بينهن: طالبات، وطبيبات، ومصممات، وربات منازل.

معظم زبوناتها مصريات الجنسية، اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و56 سنة، كما سمعت أغلبيتهن عن هذا النادي من خلال انتشار الحديث عنه فقط، فلم تقم المقدم بالترويج له بأي طريقة معروفة من إعلانات أو ما شابه ذلك.

يتم نزع الحجاب والنقاب داخل النادي أثناء أداء التمارين لأسباب تتعلق بالسلامة، حيث تقول المقدم: ”إنها الطريقة الوحيدة التي بإمكاننا من خلالها التشبث بالعمود دون التعرض للإنزلاق“.

طبيية أم راقصة؟

(ريهان سليمان) فتاة في 22 سنة من العمر طالبة في كلية الطب، تقول بأنها قد بدأت تأخذ دروسا وتمارينا في الرقص على العمود في Pole Fit Egypt منذ سنتين، يعلم والداها بشغفها حيال الأمر منذ ذلك الحين، حتى أنها قامت بتثبيت عمود للرقص في غرفتها في المنزل.

(ريهان سليمان)، التي تقول بأن الرقص على العمود جعلها تشعر بثقة أكبر في نفسها كما ساعدها على الانضباط.

(ريهان سليمان)، التي تقول بأن الرقص على العمود جعلها تشعر بثقة أكبر في نفسها كما ساعدها على الانضباط.

تقول (سليمان) أن ما لا يعرفه والداها بعد، هو أنها تفضل أن تكون راقصة على أن تكون طبيبة، كما تقول الشابة بأنها ستنهي دراستها وتتحصل على شهادتها من أجل والديها لا غير: ”لقد جعل مني الرقص على العمود شخصا يثق في نفسه بشكل أكبر، وشخصا منضبطا أكثر“، وتضيف بأنها قد اكتشفت قوة في نفسها لم تكن تعلم بوجودها من قبل، فذلك يجعلها تشعر كذلك بأنها ”مثيرة، تماما مثل نجمة روك“، وهو أمر لن يفهمه أو يتقبله والداها أبدا.

المجتمع المصري مجتمع محافظ جدا، حتى بعد ثورة سنة 2011 التي أطاحت بالدكتاتور حسني مبارك الذي حكم البلاد لفترة طويلة جدا، ففي تلك الأوقات خرجت النساء إلى الشوارع على أمل حصولهن على حقوق أكثر، والسماح لهن بالمشاركة بشكل أكبر في السياسة، وفوق كل شيء، الحصول على حرية أكبر.

بينما قد تكون النساء المصريات واثقات في أنفسن بشكل أكبر هذه الأيام، إلا أنه لم يتغير أي شيء آخر عدا ذلك، فما زالت تتم مناقشة حقوق المرأة من طرف الشعب، كما أن الجهود قائمة على قدم وساق من أجل ضمان عدم اختزال دور المرأة في زوجة، وأم، وربة منزل فقط، إلا أن جميعهن يعلم أن الطريق نحو المساواة بين الجنسين ما زال طويلا جدا.

لا تزال صورة المرأة ناقصة العقل وغير الكاملة التي هي أقل منزلة من الرجل راسخة في أذهان المجتمع المصري المحافظ، على الرغم من كون 90 نائبا في البرلمان المصري هن نساء، وهو عدد يعتبر الأكبر على الإطلاق في تاريخ البرلمان المصري، كما تشغل أربع نساء مناصب وزيرات لدى الحكومة المصرية، وكانت مصر قد عينت هذه السنة أول حاكم ”امرأة“ في تاريخها.

إلا أن الزواج القسري، وختان البنات، والتحرش الجنسي ما زالت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية التي تعيشها المرأة في مصر، غير أنه في بعض الأحيان، تتخلص النساء في مصر من القيود والأدوار التي يمليها عليها المجتمع، تماما مثلما قامت به (منار المقدم)، والكثير من النساء الأخريات اللواتي يلتففن، ويصعدن، وينزلن في حركات بهلوانية على العمود في استوديوهات الرقص على العمود في مصر.

المصادر

عدد القراءات: 1٬738