أقصوصة

خارج الصندوق

خارج الصندوق

يثير أعصابي هؤلاء المهرجون الذين يتظاهرون بالإنسانية، بأنهم يملكون ضميرا يقظا نحو الإخاء والمساواة، رحماء لدرجة الرثاء، لكنهم يتقززون أشد التقزز بمجرد أن يقترب أحد المتشردين منهم؛ إنها نزعة نرجسية. يصخبون طوال الوقت بحق الإنسان ثم يتحسرون لما آلّ إليه ذلك الإنسان من وعثاء الجوع أو وعكاء المرض؛ فقط يملكون رصيدا هائلا من الشفقة يفرغونها بشكل دوري أثناء مشاهدة صور الضحايا والمتشردين والجياع، سواء في أزمات الغذاء والدواء في إفريقيا أو من خلال آثار الحروب واللاجئين.

إنها ليست نيّة سليمة بقدر ما هو شعور مضمر بالارتياح! نعم، إنها حالة إدمان قصوى حتى تدرك مدى الأمان والشبع الذي تنعم بهما، بأنك لستَ مثل أولئك البائسين. إن الإعلام يلعب دورا كبيرا في توجيه هذه الأشياء، وأعتقد جازما أنك مجرد عبدٍ مُغلّل بجرعات مناسبة من البروباغاندا؛ وبالطبع ليس الأمر مجانيا.

حسن، ربما كنت حقيرا إن كنت أتفوه بمثل هذه التفاهات، لكن الحقيقة دائما ما تكون غير سارة. ثم إنك ستعترض بأن مسألة جياع إفريقيا وضحايا الحرب أمر واقع لا مناص منه سواء تغاضينا عنه أو سلطنا الضوء عليه. أستطيع أن أتفهمك، أتفهم حالتك التي يرثى لها من الإدمان؛ فمدمن السجائر يعلم أن التبغ سيؤدي بحياته عاجلا أم آجلا.

ضع نفسك أمام مرآة حالتك وسيتبدى كم تملك من عجرفة لتنكر أنك إنسان غير سوي! مهما كان عرقك أو هويتك فإن نزعة الشر بادية بمجرد أن تتملكك القوة والجبروت؛ ستتمنى أن تذيق ”العرق المنحط“ (كما سيتصور ذهنك من مبررات) أقصى آيات الألم أو النبذ، وفي بعض الحالات الهينة الاكتفاء بتشفٍ مجرد. ولو لم يتسنّ لك ممارسة السادية فبالتأكيد سيرتد عليك في حالة مازوشية تتعلق بالمزيد من جرعات البروباغاندا.

أمثلة التاريخ عديدة وذات أوجه كثيرة، لكن سأكتفي بهذا المثال: أوروبا، معقل الإنسانية، نفسها شهدت حربين عالميتين مدمرتين؛ دون إمبريالتها الاستعمارية. ستعترض أن الحكومات ليس هم الأفراد، وسأرد عليك بأنك واهم وليس في مقدوري مجادلتك أكثر من هذا، وسأعتبرك مصاب بداء عضال يدعى ”الإنسانية“!

كذلك تبرعاتك أو تطوعك في عمل إنساني لن يغير من الأمر شيئا، بل إن تصرفاتك الخرقاء هذه لا تعدو كونها نابعة عن ذلك الارتياح العارم بأنك لست مثلهم، أو بتعبير أكثر شرا: أنك تملك زمام سعادتهم وتعاستهم.

لست مُكلفًا بأن أقنعك هنا بقدر ما أحاول أن أجد فرصة للثرثرة، وهذه الحاجة إنما محاولة رثة لكسر الوحدة التي تملأ كل محيطي. ربما الوحدة هي التي سمحت لي أن أفهم ما يجري؛ لستُ داخل المعركة قاصر النظر ألمح عدوي فقط ولكن أُشرف عليها من عال بحيث أرى الميدان بأكمله. لن تشعر بالسعادة حتما إلا أن الراحة ستنتاب حياتك المنعزلة، فلا إزعاج ولا أصدقاء من المحتمل أن يغيروا خطة يومك لمجرد عبثهم الخاص.

تبا، أكاد أجزم أن خطأ البشرية الذي لا يُغتفر هو الانتقال إلى الحياة المدنية. جلبت هذه الأخيرة أعظم الشرور التي لم تخطر على أسلافنا قط؛ كانت صندوق باندورا الذي عجز الإنسان على غلقها مجددا وأبدا إلا بفناءه النهائي. تضخمت المدن أكثر من السابق وتكاثرت منذ ثلاث قرون الأخيرة بشكل متواتر، وظهرت جراءها أوبئة اجتماعية أكثر فتكا. سيتفاقم الوضع أكثر فأكثر وسيسعى الإنسان إلى إصباغها لُبُس القيم المائعة؛ الإنسانية، الديموقراطية، العالم الحر، الدين، المساواة، السلام، الحب، التعايش… وما إلى ذلك. وأراهن أنه سيكتشف قيم أخرى ليغطي الطفح المتأزم للغارغارينا الجماعية.

في الأخير هذه القيم تحمل نقطة ضعفها في جوهرها ذاته، ومن يكتشف ذلك مبكرا يستغلها لصالحه؛ عندئذ يكون قد وطأ ذلك الساذج الذي يتقيد بهذه القيم حرفيا.

أنتظر فقط أن ينفلت زمام الأمور، أما الآن فإنني أجلس في شرفة شقتي أحتسي القهوة أو الشاي، وفي بعض الأحيان نبيذا رخيصا، أشاهد الكائنات الهائمة والعابرين وأتساءل إن كان أحدهم يدرك أنه مجرد بقرة يتم تزويدها بالعلف يوميا واستحلاب طاقتها من أجل كيان ”المدينة“، والتي في الوقت عينه، تتصادم مع نفسها في ابتلاع ذاتي؛ الشيء الوحيد الذي يجد فيه معناه هو وسائل اللهو الخرقاء التي توفرها له المنظومة، وبذلك فهو يظل طائعًا مطواعًا.

عدد القراءات: 599