أقصوصة

ليلة ظهور العلامة

وأنا صغير كنت أؤثث جلستي للقراءة، لأني اعتبر القراءة طقساً مقدساً، آخذ كتابي وأذهب إلى غرفة المكتبة مصطحباً معي وجبة خفيفة لأن القراءة تفتح شهيتي للأكل، أختار كتاب من المكتبة التي كانت أغلب كتبها دينية شيعية، أجد صعوبة حتى أجد قصة أو رواية أو ديوان شعر.

يومها كنت أقرأ (جين آير – قصة يتيمة) بطبعة جميلة للناشئة، كانت عطلة نصف السنة وكنت متحمساً جداً للقراءة، دخلت على أمي وأخبرتني إننا ذاهبون إلى بيت خالتي لتناول العشاء هناك، رحبت بالأمر، أخذت كتابي وذهبت.

وصلنا بيت خالتي ولاحظت إن الوضع قلق وهناك شيئاً ما، سمعت أن معجزة حصلت وأنها علامة كبيرة من علامات ظهور المهدي، دبّ بي خوف كبير، حضنت كتابي بقوة وبقيت أتابع. خرجوا كلهم رؤية العلامة الكبرى بينما بقيت أنا خائفاً ومتردداً، إلى أن استجمعت قواي وأمرت نفسي بالخروج. رأيتهم جلهم متجمعين وينظرون إلى السماء ويتهامسون فيما بينهم.

هذا هو، انه واضح، سبحان الله، يا مهدي أدركنا، اللهم صل على محمد وآل محمد، الله عجل لوليك الفرج.

كان منظراً مرعباً بالنسبة لطفل مثلي في عمر الثالثة عشر، رفعت رأسي وفعلاً رأيت خيط نارٍ ممتداً مثل العمود، ازداد خوفي جداً، ولا اعرف ماذا افعل، أرى الكبار بعضهم خائف والبعض الآخر يتصنع الفرح.

عدنا إلى البيت بعد هذه الليلة الساخنة، ولم يزل عمود النار ظاهراً في السماء. واجهت صعوبة في النوم بل لم أنم ليلتها، لا اعرف ماذا افعل! سينتهي العالم ولم أر منه إلا القليل، ولم أكمل حتى الكتاب الذي بين يدي. جاء الصباح فنهضت متناسيًا الأمر وفتحت الكتاب وبدأت القراءة بسرعة قبل أن يظهر المهدي وينتهي العالم.

قبل الغداء طلبت مني أمي أن اجلب لها علبتي حمص من الدكان في آخر الشارع، كل من رأيتهم في الشارع كانوا يتكلمون عن العلامة، ظهرت العلامة وأقترب الظهور، وصلت المحل فوجدت صاحب المحل وحوله عدد من الرجال متجمعين بينما يقرأ لهم في كتاب صغير كان، يقرأ لهم بحماس ويعدُ معهم العلامات التي ظهرت حتى الآن، وأخبرهم بمكان بيع هذا الكتاب.

جاء المساء وجاءتنا خالتي وأولادها وكانت ابنتها الصغيرة تحمل كتاباً آخراً، غير الذي رأيت عند صاحب الدكان، عن علامات الظهور. كان لونه أحمر وصورة مؤلفه – الشيخ الأعور – على الغلاف الخلفي أخافتني كثيرًا، فتحتْ الكتاب على صفحة ما وقرأتْ لنا علامة “ظهور عمود نار في قلب السماء” وانبهر الجميع وصلوا على محمد وعجلوا فرج المهدي، ولاحظت نظرات الفخر بعيون بنت خالتي وكأنها اصطادت نجماً لامعاً، كرهتهم كلهم وقتها وانصرفت لقراءة كتابي.

وأنا في غرفة المكتبة سمعت لغطاً وأصوات ضحك، ذهبت إلى الصالة ورأيتهم البعض يضحك والبعض الأخر يشعر بالخذلان. سألتُ، فأجابني أخي بأن ”عمود النار الذي خبصونا فيه طلع شعلة مال حقل النفط“ طار بيّ الفرح، صار في الوقت متسع كي أكمل قراءة الكتاب، بينما بدت على وجه بنت خالتي علامات الخيبة.

عدد القراءات: 5٬059