أقصوصة

عن علاقتي المضطربة مع البرجر

في النصف الثاني من القرن العشرين، شهد العالم إحدى أهم الثورات في التاريخ البشري: الثورة الزراعية التي كان من أبرز نتائجها الإنتاج المهول لجميع أنواع الحبوب والانخفاض الكبير في أسعار المواد الغذائية في كل أنحاء العالم. وبدأ العالم منذ ذلك الوقت يودع عصر المجاعات (نسبياً على الأقل) وبدأت علاقة الناس بالطعام تتغير بشكل راديكالي.

البدانة على سبيل المثال، لم تكن مشكلة إلا لدى الأغنياء والشرائح الأكثر ثراءً في المجتمع سابقاً؛ بينما أصبحت في نهايات القرن العشرين ظاهرةً عابرةً للطبقات، وباتت الرشاقة معلما من معالم الثراء. وفي الألفية الثالثة، أصبح الناس في العديد من الدول يسافرون وينتظرون في صفوفٍ طويلة من أجل تجربة مطاعم جديدة بالتزامن مع انفجار موضة النوادي الرياضية (gyms) بين الشباب للتخلص مما كان يعتبر سابقا علامة من علامات اليسر المادي والغنى.

في العالم الغربي – أوروبا وأمريكا تحديداً، أدت ثورة الغذاء إلى انخفاض أسعار اللحوم، ليصبح الدجاج؛ بل اللحوم عامة وجبةً يوميةً لجميع شرائح المجتمع بدلاً من الخبز والحبوب المطبوخة. بدأت الظاهرة هذه هناك من السبعينيات، في حين كان على العالم الثاني والثالث أن ينتظر حتى أواخر الثمانينيات والتسعينيات ليألف اللحوم بوصفها وجبة غذائية رخيصة نسبيًا بمتناول الطبقات المتوسطة.

علاقتنا مع اللحم والدجاج بالتحديد اهتزت وهزت معها نظامًا قيميًا كاملًا (نوستالجيا القرية والفلاح) كان يربط كل ما هو مذبوح بالسلطة والفحش والغنى. آباؤنا وأجدادنا كانوا يقولون لنا أن الدجاجة لم تكن تُذبح إلا على الأعياد أو في المناسبات المهمة، بينما أصبح الدجاج في عصرنا وجبة للجميع. اللحم كان في السينما والأدب وفي الذاكرة الشعبية والمتخيل الجمعي رمزًا للسلطة وللترف والرفاهية التي لا ينالها إلا أصحاب البهو الرفيع. يا للهول كم أساء آباؤنا فهم اللحوم!

الشاورما تشبهنا… أما البرجر فهو دخيل علينا ونتيجة زرع الاستعمار – خسة

كان لانقلاب علاقتنا مع الطعام وقعٌ كبيرٌ على جيل كامل من المثقفين، خاصةً من ذوي الخلفيات اليسارية. فالعديد من مثقفي التسعينيات بدؤوا يردحون لمطاعم الوجبات السريعة، مصورين إياها بالهجمة الأمريكية لاختراقنا ثقافيًا وتدمير عاداتنا الاجتماعية. الغريب أن هذا النقد لم يطل مطاعم الشاورما التي كانت ابنة الثورة ذاتها، فقد قرر مثقفونا الأعزاء بلا وعي أن الشاورما بدهنها المنسال تشبهنا، أما الدجاج المقلي والبيرجر والبيتزا والكولا فقد جاءوا جميعا لقتلنا.

صحيح أننا قرأنا الكثير من هذه الترهات من تلاميذ مدرسة فرانكفورت والأمميات الشيوعية، والتي أرعبنتا من سطوة الإمبريالية والرأسمالية المتوحشة وغيرها من المصطلحات المخيفة (أي أننا استوردنا فكرة الرعب من الغرب نفسه)؛ إلا أننا نحن العرب لدينا أيضاً ما يكفي من النرجسية وجرح الذات لنتصور أن العالم لا ينام ليلته قبل أن يعد خطةً جديدةً ليفضح عرضنا وينتقم منا.

عموماً، كان علينا أن ننتظر مزيدًا من الوقت لكي ندرك أن الفلافل ليس بالضرورة أفضل من الدجاج، وأن أمريكا لا تعبأ أبداً إن كنا نتحلّق حول المائدة أو نأكل ساندويشاتنا ونحن نمشي بالطريق، وأنه وبكل الأحوال فإن مشاكلنا أعوص كثيرًا من كل هذه الخزعبلات.

حسناً، لماذا أكتب كل هذا؟ أنا لا أعرف في الحقيقة السبب. ولكنني قررت الليلة الماضية أني أحب البيرجر كثيرا وأني لا أخجل ولا أستعرّ منه، وأني سأسعى إليه إذا ما استطعت إليه سبيلا.

هذه الاقصوصة تعبر عن رأي الكاتب، وتتخللها بعض العبارات الساخرة.

عدد القراءات: 1٬908