أقصوصة

قصتي مع التأتأة والتلعثم في الكلام

لا أذكر تحديداً متى بدأت بالتلعثم، ربما منذ أن تعرضت للتنمر من معلمة اللغة العربية في الصف الثالث الابتدائي -ست هدى- وكيف سأنسى وجهها الشاحب المرسوم بملامح وتجاعيد حادة يجعلها تشبه التنانين، خاصة انها كانت امرأة خمسينية ترتدي الحجاب. لم أكن أستطيع تخيلها دون الحجاب، ولم أستطع تخيل أن لهذه المخلوقة شعراً أو أي صفات أنثوية.

على أي حال، كانت ست هدى أكثر امرأة شرسة قابلتها في حياتي، وكم كنت أتمنى موتها. وصراحة؛ لا زلت أتمنى أن تموت بطريقة بشعة جدا ببشاعة عصاها المليء بالمسامير الحديدية، ببشاعة الحانوت المظلم التي كانت تحبس الطلبة فيه لساعات طويلة.

أتذكر ظهيرة ذلك اليوم عندما كانت تصحح دفاتر الواجب البيتي، قدمت لها دفتري وأنا أرتجف، لم أعلم ما حصل حتى شعرت بصفعات متتالية تقطع خدي الأيمن، حيث قامت بجر أذني حتى كادت أن تنسلخ من مكانها، وبعدها تم نقلي لصف آخر هرباً من بطش هذه المعلمة الشريرة، إلى شعبة المعلمة الأخرى الطويلة الطيبة التي لا أذكر اسمها حتى، فنحن غالباً ما ننسى الأناس الطيبين اللذين مرّوا علينا ونتذكر الأشرار بكل تفاصيلهم.

استطعت الهروب أخيراً من جحيم تلك المعلمة المسنة، لكن بجروح وكدمات على قلبي الصغير سببت لي اعاقة لحياتي الاجتماعية القادمة. آه لو أنني أستطيع أن أشرح لك لحظات المعاناة التي كنت أعيشها لأبدأ بنطق كلمة حتى، فقد كان قلبي يصعد إلى حنجرتي قبل الكلام، فكيف أستطيع شرح دمدمة وضحك زملائي عندما كان المدرس يطلب مني أن أقوم لأشرح الدرس؟

المدرس نفسه كان يعلق بحقارة ويضحك على مأساتي، فهذا فخر الدين مدرس التربية الاسلامية التي لطالما كرهتها لم يوافق على طلبي بجعل امتحان حفظ الآيات تحريرياً وليس شفهياً، ومع أنني كنت قد أعدت مراجعة الآيات لعشرين مرة أثناء سؤاله للطلاب فراداً حتى وصل إلي ونادى باسمي، وقمت بنطق الكلمات الأولى بنجاح وكأنني عصفور قد نجح بالهروب من مخالب صقر، حتى قام الأخرق بمقاطعتي.

عصمت! (وهو اسم أبي) لماذا لم تبدأ بالبسملة؟ وعندما طلب مني الاستمرار ارتجفت وقمت بإعادة تلك السمفونية المؤلمة: ”ااااا أاااااا أأأ“، فما كان لذلك الذي يسمى بالرجل التربوي والذي يضرب به أمثال الرحمة والأبوة إلا ان يعلق ساخراً: ”لقد طلبت منك أن تكمل السورة وليس ان تشغل لي سيارة تركتور (محراث)“ وأتبع ذلك بضحكته المستفزة مع قهقهة الطلبة وكأنها صدى ودوي عيارات نارية تخترق صدري.

استمرت هذه المعاناة حتى الثانوية، كنت دائماً أفكر فيما كنت سأقوله، لو كان لدي لسان كلسانهم أو حنجرة كحناجرهم أو قلب كقلوبهم، لم أعلم الجزء المعطوب عندي، ولم أكن اعلم ما كسرته ”ست هدى“، إلا أن حالتي هذه أجبرتني أن أستمع بقدر أضعاف ما أقول، وبالتالي كنت متحدثا بليغا في أعماقي.

في أحد الأيام كنت قد كلفت كممثل لاتحاد طلبة تركمان في مدرستي بتحضير خطبة، وإيجاد من يلقيها في مهرجان الشعر والخطابة التركماني، حيث صاحبت طلبة المرحلة الأخيرة والذين كنت أصغرهم بمرحلتين، وعندما وصلنا إلى المهرجان ذهلنا بعدد الجمهور الضخم في القاعة، حتى أن الممشى ممتلئ لأن المقاعد مكتملة، عدة آلاف من طلبة الثانوية، وكاميرات قنوات تلفزيونية، والعديد من الشخصيات المهمة الذين حضروا للاستماع للمواهب الشابة.

بعد انخراطنا في حشد الجمهور في الممشى، أتى إلي مصطفى (الذي كان من المفترض أن يلقي القصيدة ممثلاً مدرستنا) وبيده ورقة النثر التي كتبتها وهي مطوية، وقال لي أنه لا يستطيع فعلها، أجبته: ”وماذا سنفعل الآن؟“ قام صديقه بالتدخل: ”محمد أنت الذي بحثت عن النص وبالتأكيد أنك ستكون خطيباً جيداً، يجب أن تصعد أنت للمنصة“.

بالطبع لم يكونوا يعرفون بأنني أتلعثم، لأنهم ليسوا في صفي بل أكبر مني؛ نظرت إلى المشاركين وهم يلقون قصائدهم بشكل مجرد من الإحساس وبأصوات بشعة، لكن الجمهور كان يصفق لهم بحرارة. قلت متحدثا لنفسي: ”ماذا تنتظر؟ هذه هي فرصتك الذهبية، بم يمتاز عنك هؤلاء الحمقى؟ هيا يا محمد فأنت تحلم بهذه اللحظة لسنوات! تستطيع فعلها!“

لا أعلم كيف حصل هذا، لكنني وافقت على أن أصعد إلى المنصة لألقي الخطبة بديلاً عن مصطفى، وقمت بمراجعة القصيدة مرتين فقط قبل أن تنادي عريفة المهرجان باسمي وباسم عنوان الخطبة لأمشي في أطول طريق في حياتي! صوت التصفيق كان يزلزل الأرض تحتي وأنا أمشي ضاغطاً بقدمي على الأرض حتى أشعر بأنني لا أخطوا على الهواء. كم كان الأمر صعباً وأنا أحارب حتى وصلت المنصة وأمسكت بجانبها الخشبي، وقمت بزفر النفس الذي شهقته حينما نادوا باسمي، كمن أمسك بطرف الزورق عندما كاد أن يغرق.

حاولت أن أخرج الورقة من جيب سترتي الداخلية، واستطعت فعل ذلك بصعوبة. أمسكت الميكروفون بقوة، وقرأت العنوان دون أن أتلعثم، وقمت بعدها بقراءة الخطبة بنفس واحد حتى وصلت لمنتصفها، لم أقف خلالها. كان شعوراً رائعاً، ولم أستطع تذكر آخر مرة تكلمت فيها بطلاقة هكذا. أحببت الأمر وقررت أن أرفع رأسي قليلا، وأخلق تواصلاً بصرياً مع الجمهور، رفعت رأسي لأرى جمهوراً صامتاً يأكلني بأعينه، بلعت لعابي وكانت يدي الحاملة للميكروفون ترتجف.

سيطرت على نفسي وأكملت الخطبة بسلام، ونزلت عن المنصة وكأنني طائر فوق الغيوم، في عيني بريق رضا عما فعلته، وصوت التصفيق والصفير استطاع إلى حد ما أن يعالج الكدمات التي سببتها قهقهة الشامتين على تأتأتي في الصف، ومع خروجنا من المهرجان كان نائب رئيس اتحاد الطلبة ومنظم الحفل آنذاك ينادينا، وأخبرنا بأننا فزنا بالمركز الثالث في المهرجان.

ومنذ ذلك الحين وانا لا أفكر أن أتوقف عن الكلام، لا في صف ولا قاعة ولا في منصة.

مقال من إعداد

محمد عصمت أوچي

عدد القراءات: 1٬265