اجتماعيات

هل هناك إعجاز علمي أو رقمي حول الحديد في القرآن؟

الحدادة
صورة: Jeff Kubina من فليكر

اعتدت بعد نشر كل مقال من سلسلتي التي تدرس الادعاءات العلمية للشيوخ والإعجازيين الإسلاميين أن يمطرني مناصرو الإعجاز القرآني بوابل لا ينتهي من الأمثلة على ”الإعجاز العلمي“ المزعوم في القرآن، ولعل أكثرها استخدامًا في وجهي هو الإعجاز المزعوم في الآية ٢٥ من سورة الحديد القائلة:

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز.}

لهذا، قررت اليوم أن أتناول موضوع هذه الآية كثيرة التكرار في الأوساط الإعجازية الإسلامية لأرى على مقرئكم مدى صحة ما يرد عنها من إعجاز. أهدي هذا المقال لجميع أعزائي الناقدين المسلمين.

يرد هذا الادعاء في الكثير من المنصات الإعجازية الإسلامية، بما فيها الإعجازي المعتاد عبد الدائم كحيل. سأقتبس اليوم نسخة كحيل لهذا الادعاء لأنها الأكثر تفصيلًا، كما أنه يضيف إليها ادعاءً بإعجاز قرآني رقمي كذلك. يمكن تلخيص ما يرد في ادعائه كالآتي:

الإعجاز العلمي، وهو جزءين:

  • 1. ”ثبت علميًا أن الحديد الموجود في الأرض نزل نزولًا من السماء“ – {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ}.
  • 2. ”ثبت علميًا أن القوى الموجودة في عنصر الحديد هي قوة شديدة جدًا تجمع بين المتانة والمرونة والصلابة“ – {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}.

والإعجاز الرقمي:

  • 3. ”[الوزن] الذري للحديد هو على التقريب (٥٧) والعجيب أن رقم سورة الحديد في القرآن هو (٥٧) أيضاً! أما عدد الإلكترونات في ذرة الحديد فهو (٢٦) إلكتروناً […] والعجيب أن الآية التي ذكر فيها الحديد في سورة الحديد، رقم هذه الآية مع البسملة هو (٢٦) نفس العدد الذري للحديد!“
  • 4. سبحان الله…

ما صحة هذه الادعاءات في ظل ما نعرفه في العلم والتاريخ والمنطق؟

كما أوضحت بالتفصيل في مقالي عن ادعاء ذكر الانفجار العظيم في القرآن، كي يكتسب ادعاءٌ ما وصْف الإعجاز، عليه أن يحقق ثلاثة شروط: على دليل الادعاء أن يصف الواقع بدقة، ويجب أن لا يكون هناك أي تفسير آخر للدليل أكثر بساطةً من التفسير المعطى، وأخيرًا، يجب أن يستحيل توفر المعلومات المعطاة في هذا الدليل لدى أي إنسان عادي في زمن محمد. وفقط عندها يمكن أن ندعي إعجاز الدليل المرفق.

لنبدأ…

أولًا: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ}

1. هل يصف هذا اللفظ الواقع بدقة؟

ورد في تفسير القرطبي في شرح إنزال الحديد: ”روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد، والنار، والماء، والملح“، وألحقها بعدد من الروايات الأخرى على ذات الشاكلة.

بغض النظر عن الخطأ العلمي فيما يخص النار والملح، إلا أنه من الواضح أن الآية تتحدث عن إنزال حقيقي، إما من ”السماء“ أو من الجنة، وعليه يمكن اعتبار أن هذا اللفظ يصف الواقع بدقة.

2. هل هناك أي تفسير أو تأويل آخر أكثر بساطةً وإمكانية من التفسير المعطى؟

لفظ الإنزال مفاده في الأساس نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وبالتالي يمكن اعتبار التفسير المعطى مناسبًا لما ورد.

3. هل تحتوي هذه الآية معلومات يستحيل معرفتها إلا من خلال وحي رباني؟

علميًا، نعلم أن عنصر الحديد (كما جميع العناصر الكيميائية النقية في الكون عدا الهيدروجين) تكونت في أحشاء النجوم، ومن ثم انتشرت لباقي الكون بعد انفجارها، ومن ذلك ساهمت تلك الأغبرة في تكون الكواكب أثناء ولادتها (بما فيها الأرض) وهي المسؤولة عن الكمية الهائلة من الحديد الموجودة في لب الأرض.

أما عن ودائع الحديد في القشرة الأرضية، فتعتبر النيازك المعدنية التي ضربت الأرض في سحيق الزمان هي المساهم الأكبر فيها. وعليه، حين نقب البشر القدماء عن الحديد في قشرة الأرض، ما كان لهم أن يعلموا أن أصل هذا الحديد من السماء، لأن مفهوم العناصر والنجوم والاندماج النووي وتاريخ تكون الأرض لم تعرف لديهم، وهكذا نرى أنه لم يكن من الممكن لأي بشري من ذلك الزمان معرفة هذه المعلومات من خلال التنقيب عن الحديد.

لكن هل كان التنقيب عن الودائع الأثرية الدفينة في قشرة الأرض السبيل الوحيد للحصول على الحديد في قديم الزمان؟ الجواب هو كلا. فكما نعلم، لم تسقط جميع هذه النيازك المعدنية في الماضي السحيق، بل استمرت في السقوط من حين إلى آخر عبر تاريخ الأرض، بما فيها تاريخ الإنسان، وإلى يومنا هذا.

نيزك تشيليابينسك الصخري الذي سقط في صحراء سيبيريا سنة ٢٠١٣ [يمكن مشاهدة فيديو للسقوط هنا]. تخيل وضعًا مشابهًا مرت به الحضارات التاريخية المختلفة - حقوق الصورة: الخدمة الصحفية لحاكم مقاطعة تشيليابينسك

نيزك تشيليابينسك الصخري الذي سقط في صحراء سيبيريا سنة ٢٠١٣ [يمكن مشاهدة فيديو للسقوط هنا]. تخيل وضعًا مشابهًا مرت به الحضارات التاريخية المختلفة – حقوق الصورة: الخدمة الصحفية لحاكم مقاطعة تشيليابينسك


ولهذا السبب، كان أصل الحديد السماوي معروفًا لدى العديد من الحضارات القديمة بحكم أنهم رأوا تلك النيازك وهي تسقط من السماء ومن ثم استخرجوا الحديد منها، وهذا ما يمكن التأكد منه لدى دراسة الحضارات القديمة. فعلى سبيل المثال، عُرِف الحديد لدى الفراعنة المصريين بـ”معدن السماء“ وذلك لأنهم استخرجوا معدن الحديد من النيازك الساقطة إلى الأرض، واستخدموا حديد النيازك في صناعة الأسلحة والحليّ، كالخنجر الحديدي الذي اقتناه توت عنخ آمون، وعَرَف الأكاديون كذلك أن الحديد يسقط من السماء ”مع النجوم“ (النيازك). وكذلك تم اكتشاف قطع كبيرة من الحديد النيزكي مدفونة في أضرحة قديمة وجدت في سوريا تعود لقبل ٤٣٠٠ عام. بل كانت النيازك حديثة السقوط هي الوسيلة الوحيدة لاستخراج الحديد لآلاف السنين إلى أن اكتشف البشر آلية استخراج خامة الحديد من الودائع الأرضية.

المصطلح الهيروغليفي للحديد، وترجمته الحرفية هي ”معدن من السماء“

المصطلح الهيروغليفي للحديد، وترجمته الحرفية هي ”معدن من السماء“ – حقوق الصورة لموقع حديد من السماء.

وبناءً على هذه المعلومات، نرى هنا أن القرآن لم يأتِ بجديد، فحقيقة أصل الحديد السماوية كانت معروفة لدى معظم الحضارات التي سبقت محمد وسبقت الإسلام، لدرجة أن بعضها أشارت لهذا الأصل السماوي في اسم المعدن ذاته (كالفراعنة).

وعليه لم يكن من الصعب على محمد أن يكون على علم بهذه الحقيقة، فعلى الأغلب عرفت العرب هذه الحقيقة تمامًا كما عرفها من حولهم من المجتمعات، وهذا ما يدل عليه ما ورد عن الصحابة والمفسرين بشأن الآية. وهكذا، يسقط الإعجاز حين نعلم أن هذه المعلومة كانت سائدة في ذلك العصر ولا حاجة لأي مساهمة إلهية في الموضوع.

ثانيًا: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} 

1. هل يصف هذا اللفظ الواقع بدقة؟

تختلف الإجابة على هذا السؤال باختلاف المقصود بـ”الحديد“، فلو قصدنا به الحديد كمعدن مليء بالشوائب كما نجده في النيازك، فالإجابة هي نعم. فخليط الحديد والنيكل الموجود في النيازك، والذي استخدمه القدماء في صناعة أسلحتهم ومعداتهم، هو معدن صلب وقوي، وبالتالي يمكن وصفه على أنه فيه بأس شديد.

لكن كحيل لم يكتفِ بهذه النظرة البسيطة، بل أراد حشو الإعجاز في هذه الجملة رغمًا عنه من خلال إضافة تفصيل غير لازم فوق ذلك: ”في ذرات الحديد وجزئياته بأس شديد، لأن كلمة (البأس) تجمع عدة صفات كالمتانة والصلابة والمرونة، وهذه جميعها موجودة داخل الحديد.“

وهنا يقع كحيل في الحفرة التي حفرها لنفسه. وذلك لأنه حين تكلم عن الحديد كذرات وجزيئات، أخرج من معادلته تأثير الشوائب والمواد الأخرى على خصائص الحديد الميكانيكية، كالنيكل والكربون، واكتفى بالحديد النقي. وهنا يفشل لفظ ”فيه بأس شديد“ في وصف خصائص الحديد النقي. فبلورات الحديد النقية هي في الواقع أكثر ليونة من الألمنيوم، وتسجل حوالي ٣ برينل في اختبار الصلابة (أي أفضل بقليل من الخشب اللين). ولهذا لا تكاد تجد أي أداة مصنوعة من الحديد النقي، لأنه وبكل بساطة رديء الخواص، وهذا ما لم يستوعبه كحيل حين أراد أن يضفي خصائص الصلابة والمتانة على ”ذرات الحديد“، ظانًا أنه بذلك سيزيد من ”إعجاز“ الآية، بينما في الحقيقة قام بالعكس تمامًا.

وطبعًا لم أجد أي معجم عربي معتمد يفسر كلمة البأس كما فسرها كحيل، لكن هذه نقطة جانبية.

2. هل هناك تأويل آخر للدليل أكثر بساطةً من التفسير المعطى؟ 

يرى ابن كثير أن ”البأس“ في هذه الآية هو بأس معنوي: ”جعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه“. واتفق معه القرطبي: ”فيه بأس شديد أي: لإهراق الدماء“.

لكن اختلف معهما الطبري الذي اعتبر البأس حرفيًا: ”فيه بأس شديد، يقول: فيه قوّة شديدة“. وعليه لا ضير من اعتبار التفسير الحرفي مناسبًا لهذه الآية.

3. هل تحتوي هذه الآية معلومات يستحيل معرفتها إلا من خلال وحي رباني؟

بما أن محمد عاش في عصر اسمه العصر الحديدي، وفي مجتمع قدّس السيف والرمح والدرع والعصا، لم يكن ليحتاج الكثير من التفكير ليتوصل لحقيقة مفادها: عجبًا، إن هذا الحديد فيه بأس شديد! أما بخصوص توليفة كحيل الخيالية، فبما أن ما ورد فيها بعيد عن الحقيقة، لا معنى من تطبيق الشرط الثالث عليها.

ثالثًا: الإعجاز الرقمي 

1. رقم سورة الحديد في القرآن ٥٧. أما الوزن الذري المعتمد لنظير ذرة الحديد الأكثر شيوعًا فهو ٥٥٫٨٤٥، أو ٥٦ ”على التقريب“؛ كما يحب كحيل أن يقول، وليس ٥٧. نعم، هناك نظير لذرة الحديد (من أصل سبعة أساسية) وزنها الذري ٥٦، ولكنها لا تشكل أكثر من ٢٫١١٩٪ من محتوى الحديد على الأرض أو في الكون. أما كان الأفضل لإله الإسلام أن يرجع سورة الحديد للوراء منزلة واحدة كي تناسب النظير الأكثر انتشارًا لو كان هناك إعجاز حقيقي في هذه الآية؟

جدول معلوماتي يبين بعض خصائص ذرة الحديد، بما فيها العدد الذري والوزن الذري.

جدول معلوماتي يبين بعض خصائص ذرة الحديد، بما فيها العدد الذري والوزن الذري. الجمعية الملكية للكيمياء

2. العدد الذري للحديد هو بالفعل ٢٦، لكن رقم الآية التي يذكر فيها الحديد هو ٢٥. يلتف كحيل حول ذلك من خلال اعتبار البسملة آية من سورة الحديد وبالتالي يرفع رقم الآية المذكورة من ٢٥ إلى ٢٦، لكن هذا هراء. فكحيل هنا يعتمد على نقطة مختلف بها (اعتبار البسملة آية) لإثبات أمر قطعي (إعجاز القرآن ومصداقيته). هذا أشبه بأن تأتي بدليل مشكوك في صحته لتُدين مدعىً عليه في المحكمة.

يعتمد كحيل في اعتباره البسملة آية على رأي الشافعي الذي قال أنها آية من كل سورة عدا التوبة، إلا أنه يتجاهل بكل أريحية رأي المالكي الذي اعتبرها لفظ تبرك لا أكثر، ويتجاهل كذلك مصحف عثمان، الأكثر انتشارًا حول الأرض، والذي لا يعتبر البسملة آية، مع أن ابن حنبل اعتبر الخروج عنه أمرًا محرمًا ”تحرم مخالفة خط عثمان في واو وياء وألف وغير ذلك“. ويعتبره كذلك علماء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بالإجماع بأنه رسم توقيفي وليس اصطلاحي.

باختصار، يتجه الغالبية العظمى من علماء القرآن إلى اعتبار البسملة لفظ تبرك وليس آية من كل سورة، وهذا واضح في الأدب والتراث الإسلامي، وتتخذ كل من المدرستين عددًا من الأدلة النقلية لدعم رأيهما في الموضوع، لكن يكفي قول ابن العربي في أمر البسملة لرفض كلام كحيل وما يتبعه من إعجاز مزعوم بالكامل:

ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يُختلف فيه. والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلاَّ في النمل وحدها.“

وهكذا نرى، وفي ضوء العلم والتاريخ والمنطق، أن الآية ٢٥ (وليس ٢٦، أستاذ كحيل) من سورة الحديد ما هي إلا آية قرآنية عاديّة بلا أي معنىً أو دلالة إعجازية، وأنه لا يجب قراءتها إلا كأي جزء عاديّ آخر من النص.

بالمناسبة.. ماذا عن الكتاب والميزان المذكورَين في الآية قبل ذكر الحديد؟ هل تم إنزالهما برأي الإعجازيين مع النيازك كذلك؟ أم أن ”الإنزال“ يعني شيئًا حين يناسب سردهم، وشيئًا آخر في الحالات الأخرى؟ عفوًا.. أخطأت حين توقعت أن أجد الثبات على مبدأ لدى الإعجازيين.

عزيزي القارئ، إن أعجبك موضوع هذه السلسلة وأردت أن ترى المزيد من التحقيق العلمي خلف ادعاءات الشيوخ ومدّعي الإعجاز العلمي، أو لديك خطبة أو محاضرة إسلامية اختطفت طابعًا علميًا زائفًا وتريد أن تراها تحت مجهر العلم والمنطق، يمكنك مراسلتي على صفحتي الشخصية وسأقوم بإضافة طلبك للسلسلة وتناول موضوعها في المستقبل.

عدد القراءات: 2٬887