اجتماعيات

هل الترويج للنباتية شكل من أشكال الاستعمار؟

المراعي الاوروبية
صورة: Antonio Scorza/AFP/Getty Images

في الآونة الأخيرة، أصبح الجدل الدائر حول ما إذا كان النظام الغذائي النباتي أفضل بالنسبة إلى هذا الكوكب هو قمة النقاش بالنسبة للكثيرين، حيث يبدو أن الأخبار المتعلقة بندرة المياه وتغير المناخ وإزالة الغابات تزداد سوءًا يوماً بعد يوم، وقد قامت (سارة تابر)، وهي عالمة في مجال الزراعة في الولايات المتحدة وتعمل مستشارةً في مجال الزراعة المائية وسلامة الأغذية الدفيئة، بطرح نفس النقاش من زاوية أخرى، وأوضحت على موقع تويتر أن الحجة القائلة بكون النباتية هي ”أفضل“ نظام غذائي عالمي، هي شكل من أشكال التفكير الاستعماري، فقالت:

استخدمت العديد من الثقافات أنظمة غذائية لا تحتوي على لحوم أو تحتوي عليها بشكل منخفض، مثل منطقة نهر الغانج ومصر القديمة والصين والكثير من القبائل الأوروبية الأولى…

هل لاحظت أي شيء مشترك هنا؟

تتميز كل هذه المناطق بنسبةً عالية من الرطوبة، حيت تنمو النباتات الصالحة للأكل للبشر بسهولة، ولكن من ناحية أخرى اتبعت الكثير من الثقافات الأخرى أنظمةً غذائية تحتوي على اللحوم، مثل البدو الرحّل والمغول والماساي (شعب أفريقي يعتمد على الترحال، ويتمركز في كينيا وشمال تنزانيا) والإنويت (شعب يسكن شمالي الكرة الأرضية)…

إذاً، ما القاسم المشترك بين هذه الشعوب؟

في الغالب، تقطن هذه الشعوب في أماكن جافةٍ أو باردة جداً، فتنمو فيها النباتات بندرة وتكون قاسية، أو لا توجد على الإطلاق، وكما توضح (تابر)، فإن البشر لا يستطيعون سوى هضم أجزاء معينة من النبات: الأوراق والسيقان العطرية أو الفاكهة أو الجذور التي تستطيع تخزين الطاقة مثل الجزر، أما الأجزاء الصلبة من النبات فهي غير صالحة للأكل لهم.

وتضيف:

أنه من دون الري المكثف، فإن النباتات الوحيدة التي تنمو في المناطق الجافة لا يستطيع البشر هضمها، فيدخل في تكوينها السليلوز، كما تكون سيقانها قاسية وأوراقها الليفية مغطاة بالشمع والشعر، وهناك أيضاً الأشواك، وذلك هو السبب وراء تسمية هذه المناطق بالقاحلة، وهو نفس السبب في كون الشعوب التي تعيش في الصحراء والأراضي الجافة لا تتبع نظاما غذائيا نباتيا، فقد كانت تتغذى على الحيوانات التي يمكنها هضم ما ينمو هناك من نباتات، وهذه الحيوانات هي ”المجترات“.

تتميز الثدييات المجترة الكبيرة مثل الأبقار والماعز بكونها مجهزة بجهاز هضمي خاص مع معدة متعددة الحجرات تخمّر السليلوز القوي حتى ينقسم إلى مغذيات يمكن للحيوانات استخدامها. بالطبع لا يمكن للبشر فعل ذلك، ولهذا السبب اعتمدت المجتمعات التقليدية التي تعيش في مناطق جافة وجافة نسبيا على تلك الحيوانات من أجل البقاء.

تقول (تابر) أن الافتراض السائد بأن النباتية دائماً ما تكون أكثر استدامة يأتي من منظور أوروبي، حيث أن وجود الأراضي المحدودة والمياه الفائضة جعل من السهل نسبياً زراعة المحاصيل الغذائية ومن غير المنطقي تكريس مساحات شاسعة من الأراضي لرعي الأبقار، غير أن العكس هو الصحيح في أجزاء أخرى من العالم، فعلى سبيل المثال -بحسب (تابر)- في صحراء (تشيواوا) في غرب تكساس وشمال المكسيك، كمية المياه المطلوبة لزراعة فدان من المحاصيل الزراعية للاستهلاك البشري أكثر بألف مرة مما يتطلبه الأمر لزراعة فدان من غذاء البقر.

تضيف (تابر):

من المنطقي جدا تحسين الأراضي في الأماكن التي توجد فيها مساحة محدودة وكمية فائضة من المياه، لذلك نرى نمواً في الزراعة والمحاصيل هناك، أما في الأماكن التي يوجد فيها الكثير من الأراضي وكميات المياه محدودة فيها، فمن المنطقي أيضا تحسين مستوى المياه هناك، لذلك تنمو هناك الحيوانات المجترة ويتم استهلاكها.

من المثير للاهتمام حقاً أن الحديث حول النباتيين والبيئة يتركز بشدة على افتراضات أن كل مكان في العالم يعتمد على خطة الأرض المحدودة أو الفائضة. هل تعرف ما هي المنطقة التي تصف هذا الوضع بشكل جيد؟ إنها شمال غرب أوروبا.

إن الاعتبار السائد باتباع نظام غذائي ذو نسبة منخفضة أو خالية من اللحوم كطريقة وحيدة ومستدامة يُعتبر نوعاً من بقايا الاستعمار، حيث افترُض أن هذه الطريقة التي نجحت جداً في شمال غرب أوروبا يجب أن تكون منهجاً عالمياً، وحاول العديد تطبيقها في أماكن لا يمكن أبداً أن تنجح فيها.

تركز نظرية (تابر) حصرياً على استخدام المياه وتحسين أنواع الأراضي المحلية، ولكن كما أشار (توم جيمس)، مراسل وكالة (أسوشيتد برس) Associated Press، فإن معظم الناس في البلدان الصناعية يحصلون على لحومهم عن طريق أسواق يتم تموينها على مستوى عالمي، وهو ما يعني أن نوع الأرض المحلي لا علاقة له بما يأكله معظم الناس في الواقع.

ووضح (توم) على موقع تويتر قائلاً: ”لم أسمع أبداً بشخص يجادل بأن النظام الغذائي النباتي ذو الدوافع البيئية يجب أن يبدأ بمربي المواشي من السكان الأصليين لأي أرض ما. إن وجهة نظرك أن مثل هذه الحجة هي طريقة استعمارية تبدو رائعة، ولكن افتراض أن هذا السيناريو ليس سوى قضية هامشية ينم عن نوع من قلة الذكاء.“

علاوة على ذلك، فإن تربية الحيوانات التقليدية ليست القاعدة في هذه الأيام، حيث أصبحت صناعة اللحوم الحديثة تحوي الكثير من الممارسات ”غير المستدامة“، فعلى سبيل المثال تقود الطريقة التي تربى بها الماشية الآن إلى إزالة الغابات حيث يرتبط حوالي 80٪ من معدل إزالة الغابات الحالي في غابات الأمازون المطيرة بتربية الماشية.

ولا تأخذ نظرية (تابر) أيضاً بعين الاعتبار الجوانب الأخرى للاختيارات الغذائية السليمة بيئياً، فعلى سبيل المثال يأتي معظم اللحم البقري -الذي يستهلكه متوسط عدد الأميركيين في الولايات المتحدة- من مزارع الماشية واسعة النطاق التي تعتمد على الأعلاف المنتجة زراعياً وليس الأراضي العشبية البرية، كما تولّد تربية الماشية في مزارع الأعلاف كمياتً هائلة من التلوث الذي ينتقل من الأراضي نحو المياه مما يسبب تلوث إمدادات المياه المحلية ويساهم في نمو الطحالب السامة، وللأمانة، فإن الحجج البيئية للنباتيين لا تتركز عادة على الإضرار بالثقافات المحلية.

كما أشارت (آني لويري)، الصحفية في مجلة أتلانتيك، على موقع تويتر في إشارة إلى أن هذا الموضوع لا يقوم سوى بالترويج للمركزية الأوروبية النباتية الحديثة قائلة: ”هل أعني أوروبا؟ نعم، إنها مركزية أوروبية! ولكن بالطبع توجد في الهند أعلى نسبة من النباتيين وأقوى الثقافات النباتية. لا؟ أشعر أن معظم النباتيين يعترضون على الزراعة الصناعية في بلدهم، وليس على عادات وثقافة الأكل لشعب الماساي [في إشارة إلى الشعوب التي تتغذى على اللحوم بنسبة كبيرة]“.

لكن حجة (تابر) لا تزال قائمة، فإذا استخدمنا الأرض بطريقة أكثر منطقية (فقط تربية الماشية في الأراضي العشبية) وأكلنا محلياً، لن يكون النظام الغذائي النباتي هو الخيار الأكثر استدامة في كل مكان، حيث حاولت دراسة واحدة في عام 2016 تحديد نوع النظام الغذائي المعقول لإطعام معظم الناس، من منظور استخدام الأرض البحت، وخلصت إلى أن أسلوب الحياة الأكثر كفاءة في استخدام الأراضي هو نظام غذائي نباتي يحتوي على منتجات الألبان، يتبعه نظام غذائي نباتي يشمل منتجات الألبان والبيض، بعد ذلك، فإن النظام الغذائي الأكثر كفاءةً هو النظام الغذائي الذي يتكون فيه غذاء الشخص من 20٪ فقط أو أقل من اللحوم، وجاء نظام غذائي نباتي بالكامل في المرتبة الخامسة في القائمة.

بعبارة أخرى، إن تناول كميات قليلة من اللحم هو الأكثر فعالية، ولكن القضاء على المنتجات الحيوانية ليس هو الخيار الأكثر فعالية، وتعني كفاءة استخدام الأراضي في هذه الحالة استخدام الأراضي الزراعية المتاحة بكفاءةٍ أكبر لإطعام معظم الناس، كما أشار مراسل مواضيع الغذاء لدى مجلة Quartz (تشايس بوردي) عندما صدرت هذه الدراسة:

يتطلب المستهلك الأمريكي العادي أكثر من 2.5 فدان (أكثر من ملعبين لكرة القدم) من الأرض كل عام للحفاظ على نظامه الغذائي الحالي، ولكن تنخفض هذه المساحة بشكل كبير مع تقليل استهلاك اللحوم وإضافة المزيد من الخضروات. تستخدم ثلاثة من النظم الغذائية النباتية التي تم تناولها في هذه الدراسة أقل من 0.5 فدانٍ من الأرض للشخص الواحد كل عام، لتحرير المزيد من الأراضي كي يتم إطعام المزيد من الناس.

تعكس الأنظمة الغذائية على الرسم البياني أدناه أربعة أنماط، كل منها له تأثيرٌ نباتيٌ أكثر أو أقل، وتعكس النسب المئوية الأصغر المنتجات الحيوانية الأقل في هذا النظام الغذائي.

الأنظمة الغذائية وعدد الأشخاص الذين يتبعونها في العالم

المصدر: The Atlas

ولكن استخلصت تلك الدراسة النتائج مجدداً عن طريق تعميم جغرافية العالم ككل -في حين أن حجة (تابر) هي أن البحث عن حل واحد يناسب الجميع لا يمكن أن ينجح أبداً. في الواقع، ووفقا لـ(تابر) فعدم الاهتمام بالظروف المحلية هو أحد أشكال التفكير الاستعماري، وهو ما حدث مع الانتشار الواسع للغذاء الغربي الذي حل محل العديد من تقاليد الأكل المحلية وساهم في صعود النظام الغذائي المعتمد على اللحوم المستزرعة وغير المستدامة- ومن العدل أن نقول أن القضية البيئية الحديثة للنباتية هي رد فعل على ذلك أكثر من كونها نظرةً صارمة لنوع النظام الغذائي الذي يناسب نمط الأرض وأنماط هطول الأمطار في المنطقة إذا كنا جميعاً نأكل حقاً من الأرض المحيطة بنا.

المصادر

عدد القراءات: 305