اجتماعيات

هل من المنطقي وجود عقوبة الإعدام حتى اليوم؟

الاعدام

عبر التاريخ البشري الطويل، وخلال معظم مراحل تطور وعينا البشري كان من الضروري وجود نظام عقوبات فعال لتحقيق الحفاظ على الجماعة، فالعقوبات على التصرفات التي لا تتماشى مع توجه وعادات وأهداف الجماعة لطالما كانت أمراً أساسياً للاستمرارية، فمع أن الفردية والاختلاف بات من الأمور المحبذة اليوم حتى باتت أساساً للعديد من الأمور التي نراها مهمة، ففي مجتمع بدائي من قبيلة تسكن بين الغابات، لا مكان للفردية، فأي تفكير أو تصرف خارج عن شرع الجماعة من شأنه أن يضعفها ويجعلها هدفاً سهلاً للجماعات المنافسة.

وسط العقوبات العديدة الموجودة اليوم ضمن القوانين الجزائية الحديثة، فالعديد منها لم يكن موجوداً حقاً في الأزمنة القديمة، أو أنه كان موجوداً لكن غير محبذ بسبب صعوبة تطبيقه سابقاً، فالسجن مثلاً أمر غير عملي لمجتمع بدائي، كما أنه غير منطقي أصلاً، فعندما يكون المجتمع يعاني من صعوبات في كل شيء، يصبح سجن شخص ومن ثم صرف الموارد لإطعامه وإسكانه أمراً غير مناسب. لذا كانت الجرائم قديماً تعاقب بعقوبات أشد ومختلفة أكثر عن وقتنا الحالي، ولعل أهمها الإعدام.

كيف تغيرت العقوبات عبر الزمن

لا شك بأن الإعدام (أو القتل عموماً) هو واحدة من أولى (إن لم تكن أولى) العقوبات التي قامت بها الجماعات البشرية، ولا يسبقها ربما سوى عقوبة النفي خصوصاً في المراحل الأولى من التاريخ البشري، حيث كانت الجماعات تتشكل على رابطة الدم بالدرجة الأولى، ونفي الفرد خارج جماعته يجعله بلا جماعة وهو حكم بالموت بشكل شبه أكيد. لكن مع تطور الجماعات البشرية بدأت فكرة العقوبات الردعية بالانتشار وخصوصاً عقوبات الجلد وربما الغرامات.

العقوبات الردعية كانت أمراً لا بد من وجوده أو اختراعه في وقت من الأوقات، فعند التعامل القاسي مع أي نوع من الأخطاء التي يقوم بها الأفراد تخسر الجماعة عدداً كبيراً من أفرادها، لذلك كان من الضروري اختراع عقوبات تحافظ على القانون بكونها مخيفة كفاية، لكن لا تقلل عدد الأفراد سواء بقتلهم أو نفيهم للخارج. وهنا بدأت فكرة العقوبات الجسدية كالجلد والتعذيب والغرامات المالية أو التجريد من الألقاب والمكانة الاجتماعية، وسرعان ما أصبحت العبودية بحد ذاتها عقوبة.

من حيث المبدأ، فالعبودية هي ظروف من حجز الحرية والعمل القسري، وما يعرف اليوم بعقوبات الأعمال الشاقة، ما هو إلا شكل محسن ومقنن من العبودية، وإلى حد بعيد فهو ما زال منتشراً بشكل كبير في البلدان حول العالم.

على أي حال فهذه العقوبات المتعددة باتت مع الوقت تأخذ أكثر وأكثر من الحالات التي كان يعاقب عليها بالإعدام، ومع الوقت تحول الإعدام من عقوبة جمعية لكل شيء تقريباً إلى حالة خاصة بالجماعات المتخلفة عن المدنية أو التطور الاجتماعي عموماً، فالمنطقة الإسلامية مثلاً كانت تطبق عقوبة الموت على أي شخص يخالف عرفاً اجتماعياً، وحتى اليوم لا تزال بعض البلدان الإسلامية تعاقب بالموت على المثلية أو تغيير الدين أو ”إزدراء الأديان“ حتى.

خلال القرون الماضية؛ كان التغير في العقوبات محدوداً نسبياً، لكن القرن العشرين حمل معه أكبر تغييرات في مفهوم العقوبات للحضارات البشرية، فبعد أن كان الإعدام أمراً عادياً وروتينياً (حتى أن السوفييت أعدموا قرابة 190 ألف جندي بتهمة التخلف عن الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الثانية، والدكتاتور الصيني ماو كان قد فاخر بكون الصين قد أعدمت 800 ألف شخص منذ تولي الحزب الشيوعي للحكم عام 1949)، مع الوقت تحول الإعدام إلى عقوبة غير محبوبة على الصعيد العالمي، ومع الوقت باتت ممنوعة ضمن قوانين معظم البلدان تماماً حاله كحالِ عقوبات أخرى استخدمت سابقاً كالتعذيب والأعمال الشاقة.

هل من المنطقي وجود الإعدام في مجتمعات اليوم؟

الحديث هنا ليس عن حقائق مطلقة، بل عن آراء ومبررات مستخدمة من قبل مؤيدي ومعارضي الإعدام عموماً، وعلى الرغم من أن كلاً من طرفي النقاش الدائر حول العقوبة يجدون مبرراتهم قوية ومقنعة ويستغربون حتى وجود من يعارضها، فبالنظر للأمر بشكل حيادي يبدو القرار صعباً حتى الآن، وهذا ما يمنعني شخصياً (ككاتب هذا المقال) من تبني موقف محدد من القضية.

على أي حال هنا سأذكر بعضاً من أهم نقاط الجدل التي يدور النقاش حولها عموماً:

– قضية الانتقام/تنفيس الغضب العام:

على الرغم من أن معظم المجتمعات الحالية قد عاشت بالحالة المدنية (لا القبلية) لعقود على الأقل، ففكرة الثأر والانتقام لا تزال تجد أصداءها بين الناس حتى اليوم، ففي بعض البلدان لا تزال محاكمات القتلة تجرى على شكل ادعاءات شخصية من أهل وأقارب الضحية على القاتل. الأمر قد يبد عادياً ربما، لكن بالنظر للموضوع بشكل حيادي، فأهل الضحايا لا شأن قانوني لهم بالمحاكم والعقوبات كونهم لم يكونوا عنصراً في الجريمة أصلاً.

على أي حال فالعديد من الأشخاص لا زالوا يرون الإعدام ضرورة لكبح غضب أقارب وأصدقاء الضحية ربما، لكن المجتمع الحديث لم يعد يبالي بالأمر لهذا العدد الصغير نسياً، ففي الماضي عندما كانت الجماعات تتكون من بضع مئات من الأشخاص، فغضب بضعة عشرات منهم يعتبر أمراً مؤثراً للغاية، لكن المجتمعات الحديثة باتت مكونة من ملايين الأشخاص، ومراعاة غضب فئات صغيرة كبضعة عشرات لم يعد أمراً مهماً أو حتى ممكناً.

على العموم؛ فالرأي العالمي بالعقوبات قد تغير، حيث أن معظم الناس بات يرى العقوبات كأسلوب إصلاحي للأشخاص للحفاظ على تماسك وأمان المجتمع، ولم تعد العقوبات أساليب انتقامية أو لتفريغ الغضب فقط، من هذا المبدأ؛ فشخصياً على الأقل، أرى الإعدام غير مبرر بغضب الناس أو ”حق العائلة“، فنحن لم نعد في زمن القبائل والثأر الذي يستمر لعقود على أية حال.

– استخدام العقوبة كرادع:

واحدة من أكثر وجهات النظر المستخدمة من ناحية تأييد الإعدام هو كونه يشكل رادعاً للأشخاص من تكرار الأفعال التي من شأنها أن تعرضهم لهذه العقوبة، وعبر التاريخ لطالما استخدم هذا الأسلوب للترهيب بداية من صلب المجرمين لدى الرومان، حتى شنق القراصنة وإبقائهم معلقين في أوروبا، حتى الإعدام العلني الذي لا زال يطبق حتى اليوم في إيران والسعودية.

لكن السؤال هنا يأتي: هل هذا الرادع فعال حقاً؟

في معظم الحالات لا يمكن التأكد تماماً من كون الإعدام يحقق أي ردع حقيقي لا تضاهيه العقوبات الأخرى، فالسجن مدى الحياة مثلاً مخيف للغاية لأي من يخطر بباله أن يتجاوز القانون، وفي بعض الحالات قد يعد أسوأ من الإعدام نفسه لدى بعض الأشخاص، ومن المثير للاهتمام أن جرائم القتل انخفضت في بعض البلدان وبالتحديد كندا بعد إلغاء حكم الإعدام في البلاد.

بطبيعة الحال لا يمكن التأكد من كون معدلات جرائم القتل قد انخفض بتأثير مباشر من التوقف عن عقوبة الإعدام، لكن وجود هذه الحالات ينفي تأثير العقوبة كرادع حقيقي للمجرمين.

واحدة من الأمثلة الأهم عن فشل العقوبة في الحد من الجريمة هو الحرب على المخدرات في الولايات المتحدة، فعلى الرغم من تطبيق الولايات المتحدة لعقوبة الإعدام على العديد من المدانين بجرائم تتعلق بالمخدرات عبر العقود الأخيرة، فالواقع لم يتغير حقاً ولم تسفر هذه ”الحرب“ عن أي انخفاض في معدلات الجريمة المتعلقة بالمخدرات، فمعظم المشتركين بهذا النمط من الجريمة المنظمة لا يخشون الموت أصلاً كونهم عرضة له في أي وقت وبالأخص على أيدي المنظمات الإجرامية والعصابات المنافسة.

بطبيعة الحال فالحجة السابقة الخاصة بعصابات الجريمة المنظمة تنطبق على العديد من الفئات الأخرى ومنها المنظمات الإرهابية، فبينما قد يبدو إعدام أفراد المنظمات الإرهابية أو حتى المدانين بقضايا إرهاب أمراً قد يبث الرعب في قلوب هؤلاء الأشخاص، فالأمر لا يحقق هذا التأثير مع كون الجماعات الإرهابية لا تبالي بالموت عادة، أو أنها تقدسه وترغب به في حال كانت جماعات دينية. ومحاربة المتطرفين بأمر لا يخشونه لا يحتاج الكثير من التفكير لمعرفة عدم جدواه.

– العدالة: عين بعين، وحياة بحياة

وفق التشريع البابلي القديم الذي أقره حمورابي قبل بضعة آلاف من السنوات، فالعقاب يجب أن يكون من جنس العمل، ومن يفعل فعلاً سيئاً يجب أن يطبق عليه الفعل السيء ذاته كعقاب له، فالذي يفقأ عين أحدهم تفقأ عينه ومن يقتل أحدهم يُقتل، وعلى الرغم من أن المفهوم قدم للمرة الأولى من بضعة آلاف من السنين، وعلى الرغم من ثغراته، فالعديد من الأشخاص يجدونه عدالة كبرى حتى الآن ويرون أن من يسلب أحدهم شيئاً يجب أن يخسره هو كذلك.

لوح مسماري للقانون البابلي (قانون حمورابي)

لوح مسماري للقانون البابلي (قانون حمورابي)

فالتشريع البابلي هذا لم يكن منطقياً تماماً (على الأقل بالنسبة لمعايير اليوم)، كما أنه منقوص في العديد من الحالات، فإذا كان العقاب دوماً من جنس العمل فما العقوبة للسارق مثلاً؟ أن يُسرَق؟ وما عقاب المختلس أو المغتصب أو العديد من الأجرام الأخرى التي لا يمكن عكسها في الواقع بل يتطلب عقابها أسلوباً مختلفاً من التفكير.

وعلى الرغم من أن الشرع البابلي كان يعاقب بالقتل على أي شيء تقريباً، فالنقطة الوحيدة التي يتم التمسك بها من مؤيدي الاحتفاظ بعقوبة الإعدام (أو إعادتها في حال كانت ألغيت) هي فكرة أن القاتل يستحق القتل.

بالنسبة لمعارضي الإعدام فهذه النقطة ربما تكون الأسهل ضحداً، فهي تحمل ثغرة ضمنها بكون التشريع البابلي بات غير قابل للتطبيق بأي شكل، فالعقوبات اليوم لم تعد من جنس الجريمة، بل أن التشريعات والمجتمعات الحديثة باتت تستعيض بالغرامات والسن عن تنفيذ العقوبات التي باتت تعتبر اليوم همجية كقطع الأطراف أو العمل القسري أو الاستعباد، فالأنظمة الجزائية باتت تركز على الإصلاح بشكل أكبر من السابق، ومع تنامي هذا الاتجاه فعقوبة مثل الإعدام لا تتفق مع السعي للإصلاح.

– تعارض الإعدام مع مفهوم الإصلاح:

في يومنا هذا؛ يوجد انقسام كبير بين مؤيدي ومعارضي عقوبة الإعدام، وأحد المحاور الأساسية التي يجد الناس أنفسهم منقسمين حيالها هي غاية وجود الأنظمة الجزائية، فبينما يرى البعض أن الأنظمة الجزائية يجب أن تكون عقوبة للمجرمين أو من يتجاوزون القوانين والتشريع، فالبعض الآخر يرى النظام الجزائي كأداة للإصلاح وإعادة تأهيل الفئات غير المناسبة للحياة المجتمعية، بحيث تعود كأشخاص غير خطرين على محيطهم ومجتمعهم بعد تفهمهم لعواقب أفعالهم من ناحية، وتوضيح المشكلة في أفعالهم السابقة كذلك.

سور سجن (إصلاحية) في ولاية فيرمونت الأمريكية

سور سجن (إصلاحية) في ولاية فيرمونت الأمريكية

بالنسبة للفئة التي ترى النظام الجزائي مبنياً على العقاب، فوجهة النظر تتركز عموماً على أن أساس النظام الجزائي هو توضيح عواقب الأفعال السيئة والمتجاوزة للنظم للأشخاص العاديين بحيث يتجنبون القيام بها لاحقاً، ومع أن هذا الفكر يجد أن التضحية بالفئة التي تجاوزت القانون أمراً لازماً، فالمبرر الموجود هو كون هذه التضحية ضرورية للحفاظ على المجتمع المستقر، فالمصلحة الجمعية لغالبية المواطنين تتفوق على أهمية حقوق إحدى الفئات منه، ومن السهل تبرير ذلك بكون هذه الفئة أصلاً عادة ما تكون خطرة على البناء الاجتماعي.

من الناحية الأخرى، فالتطور البشري فرض وجود أساليب جزاء غير عقابية، وعلى الرغم من استمرار وجود العقاب في العديد من الحالات كأسلوب ردعي، فالعديد من الأشخاص باتوا يفضلون الأسلوب الإصلاحي من منطلق أن جميع الأشخاص (أو الغالبية العظمى منهم) من الممكن أن يكونوا جيدين في حال توافرت ظروف مواتية، ومع كون الإصلاح نقطة مهمة للعديد من الأشخاص فعقوبة الإعدام لا تتوافق مع ذلك كونها غير قابلة للعكس ونهائية تماماً، فهي جزاء عقابي ولا يمكن أن تتماشى مع الدعوة للإصلاح.

– كون الإعدام نهائياً وغير قابل للتراجع عنه حتى عند اكتشاف أحكام ظالمة:

الأمر الأسوأ من أن ترتكب خطأً وتتعرض للعقاب عليه، هو أن تتعرض للعقاب دون ذنب أصلاً، ومع أن الفكرة قد لا تخطر ببال الكثيرين اليوم، فمن الممكن أن يسجن الشخص بشكل ظالم ويتعرض لعقوبات طويلة أو للموت حتى دون أن يكون قد قام بشيء خاطئ، بل أن الأدلة المتاحة حينها أشارت إليه، وأحكام القاضي أو المحلفين (في الدول التي تتبع نظام المحلفين أصلاً). هذا الأمر بالتأكيد مخيف وللأسف فهو يحدث طوال الوقت وفي جميع الأنظمة العدلية حول العالم.

وجود أشخاص مظلومين أو متهمين أبرياء ضمن السجون أمر مكروه، لكنه أمر صعب التجنب نظراً لكون الأدلة كثيراً ما تكون ظرفية وأحياناً حتى مزورة، بالإضافة للانحيازات الموجودة والتي لا يمكن تجنبها لدى القضاة.

لكن على العموم، فالأحكام الظالمة المعتادة من الممكن عكسها أو إيقافها على الأقل عند اكتشاف الخطأ أو ظهور أدلة جديدة ترجح براءة المتهم، لكن على عكس ذلك، فعقوبة مثل الإعدام غير قابلة للإيقاف بعد تنفيذها، وحتى لو كان المتهم بريئاً تماماً فمن غير الممكن عكس موته وإعادته للحياة. وعلى الرغم من أن أي نوع من العقوبات يتضمن هامش خطأ يؤدي لعقاب أشخاص بريئين، فالفارق هنا هو إمكانية إيقاف العقاب أو الحد من الضرر الذي حدث على الأقل.

بالنسبة لمؤيدي أحكام الإعدام، فهذه النقطة غالباً ما تكون الأصعب خلال النقاش، وكثيراً ما يتم الالتفاف عليها عبر الحديث عن أنظمة عدلية وقضائية أكثر دقة، أو أن أحكام الإعدام بحق البريئين نادرة وبالتالي فمن الطبيعي وجود تضحية معينة لضمان الحفاظ على النسيج المجتمعي، لكن بطبيعة الحال فأنواع الالتفاف هذه لا تنجح إلا في حال أتت هذه الحجة وحيدة أو أن الحجج الأخرى قد ثبت بطلانها، فمع كون العلاقة بين وجود أحكام الإعدام ومستويات الجريمة الأقل لا تزال محط شك (على أقل تقدير) فاستخدام ذلك لتبرير حالات إعدام الأبرياء ليس مناسباً حقاً.

– تكاليف الإعدام مقابل تكاليف أحكام السجن:

أحد النقاط الأساسية التي يتم اعتمادها للدفاع عن عقوبة الإعدام هي كونها أفضل من السجن مدى الحياة مثلاً، فأحكام السجن مدى الحياة تعني أن المجتمع ودافعي الضرائب باتوا مسؤولين عن إطعام وإقامة مجرم مدان حتى موته، وهذا ما قد يكون عاملاً للهدر وصرفاً غير محبذ للمال العام، لكن ولو أن اللمحة الأولى تظهر أن أحكام الإعدام توفر المال فالأمر ليس كذلك بالضرورة وفي بعض الحالات يكون حكم الإعدام أكبر كلفة بكثير من السجن مدى الحياة أو الأحكام الأخرى.

الحقنة القاتلة بحد ذاتها لا تكلف سوى 200 دولار، لكن المحاكمات والاستئنافات قبلها قد تكلف مئات آلاف الدولارات للنظام العدلي

الحقنة القاتلة بحد ذاتها لا تكلف سوى 200 دولار، لكن المحاكمات والاستئنافات قبلها قد تكلف مئات آلاف الدولارات للنظام العدلي

في الأنظمة العدلية الغربية عموماً، يمكن للمتهم التقدم للعديد من محاولات الاستئناف أو إعادة المحاكمة وغيرها، ومع كون الأنظمة العدلية غالباً ما تكون مزدحمة للغاية فهذه الأمور قد تأخذ سنوات وأحياناً عقود ريثما يتم البت بالقضية بشكل كامل، فهناك العديد من الأساليب الدفاعية التي يقوم المحامون بتجربتها، كما أن هناك حججاً تستخدم عادة لإخلاء المسؤولية أو تقليلها كادعاء الجنون أو فقدان الوعي أو تخفيف الجرم من القتل العمد إلى القتل غير القصد في بعض الحالات مثلاً، هذه الاستئنافات العديدة تنهك النظام العدلي وكثيراً ما ينتهي الأمر باستهلاكها لمال أكثر بكثير من المال الذي كان سيدفع لإبقاء المتهم سجيناً طوال الحياة.

فالأنظمة العدلية ليست متساوية بالحقوق التي تقدمها للمتهمين عموماً، وبينما الدول المتقدمة تتيح خيارات قانونية عديدة من شأنها أن تطيل المحاكمات وخاصة التي تكون العقوبة المطلوبة فيها الإعدام، فالعديد من البلدان وخصوصاً في المنطقة العربية تمتلك أنظمة عدلية أكثر حسماً وكثيراً ما تلغي إمكانية الاستئناف أو النقض أصلاً، هذا الأمر يجعل عقوبات الإعدام أقل تكلفة من السجن بالتأكيد، لكنه بالنتيجة يتسبب بقتل الكثير من الأبرياء الذين لا يحصلون على فرصة حقيقية للدفاع عن أنفسهم نتيجة تعنت المحكمة وميلها نحو الإدانة السريعة.

– استخدام الإعدام لغايات سياسية أو عقائدية:

على الرغم من أن أحكام الإعدام عادة ما تطال المدانين بجرائم القتل أو الإرهاب أو غيرها من الجرائم والجنايات ضد الأشخاص، ففي الكثير من الأحيان تكون هذه الأحكام ذات طابع سياسي مع الأحكام المتعلقة بإعدام المنشقين عن الأنظمة السياسية أو الجيوش الرسمية أو المتهمين بالتخابر مع جهات أجنبية ومعادية وغيرها، ومع أن هذه الأحكام عادة ما تكون أقل شهرة في الأوساط الشعبية من غيرها، فهي تستخدم بكثرة في الدول المحكومة بشكل دكتاتوري أو ديني.

إعدامات داعش

لا يحتاج الإعدام لأن يبدو كما إعدامات داعش ليكون السبب خلفه عرقياً أو دينياً أو سياسياً

أسلوب ترهيب المعارضين السياسيين والدينيين بالقتل ليس جديداً بالطبع، وفي الواقع فقد استمر بشكل واسع النطاق حتى النصف الثاني من القرن العشرين، لكن مع الاتجاه العالمي نحو المزيد من حرية التعبير والابتعاد عما يسمى ”جرائم الفكر“، زال هذا النوع من الأحكام في العديد من الأماكن حول العالم ولو أنه مستمر حتى اليوم في بلاد عديدة مثل الصين وتركيا وإيران والسعودية والسودان بالإضافة لعدة بلدان إسلامية وشيوعية أخرى.

استخدم الإعدام على نطاق واسع في الصين ضمن تهم الفساد والاختلاس وغيرها، مع شكوك بكون الأمر عادة ما يتناول أفراداً يغردون خارج السرب الحاكم الصيني، بينما في الشرق الأوسط يمتد الأمر لأمور أكثر حيث أن القوانين الإيرانية تحكم على المرتدين والمثليين بالموت (ولو أن هذه الأحكام توقفت منذ سنوات) كما أن القوانين السعودية لا تزال تقوم بهذه الإعدامات وأحياناً بشكل علني مضيفة إليها عقوبة ”الشعوذة والسحر“ حيث يتعرض من يلقى القبض عليه مع ”طلاسم“ لاحتمال إعدامه وهو ما حدث في عدة مناسبات في الأعوام الأخيرة.

وبطبيعة الحال فالانتقاد الأساسي لعقوبة الإعدام في تركيا جاء بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، والتي تبعها ملاحقات كثيرة للخصوم السياسيين وحتى لقضاة وشخصيات من النظام العدلي عدا عن الصحفيين والإعلاميين كذلك.

رأي شخصي حول عقوبة الإعدام

قبل بدأي بالبحث المطول حول تطبيق عقوبة الإعدام وتاريخها السابق بهدف إعداد هذا المقال، لم أكن أمتلك رأياً حاسماً تجاه الموضوع، فمع رفضي الشخصي لحجج الانتقام وتنفيس الغضب العام ومبدأ العين بالعين، فقد كان ما يمنعني عن أن أرفض وجود الإعدام أصلاً هو معرفتي بوجود مجرمين غير قابلين للأشخاص، سواء كانوا منحرفين عن الطبع المجتمعي بشكل لا يقبل الإصلاح، أو أنهم لا يظهرون أي تعاطف بشري تجاه الآخرين، ومع وجود هؤلاء الأشخاص فقد كان تضييع الموارد عليهم أمراً غير محبذ كونهم غير قابلين للإصلاح.

على أي حال، فالبحث في الموضوع أظهر لي أن عقوبة الإعدام ليست موفرة للمال أبداً في هذه الحالات، أو على الأقل أنها ليست كذلك في أي نظام قضائي يسعى بشكل كبير ليكون عادلاً. فسنوات الاستئناف وإعادة المحاكمة ودعاوى النقض وغيرها تستهلك الكثير من الموارد وأكثر حتى من تكلفة معيشة هكذا شخص ضمن أنظمة السجون أصلاً، ومع أن التكلفة المالية ستكون أقل بكثير في حال الاعتماد على الأحكام القطعية ورفض مطالب الاستئناف ونقض الحكم، فنتيجة هكذا تصرفات من شأنها أن تجعل المزيد من الأشخاص يتعرضون لعقوبات جائرة لا تتناسب مع جرائمهم دون خيار لتعديل الحكم، عدا عن الأبرياء الذين سيتعرضون للإعدام دون ذنب.

على أي حال، مع زوال الناحية الأساسية التي كانت تبقي موقفي من الإعدام غير محدد تماماً، وتبرر الإعدام من وجهة نظر مجتمعية نوعاً ما، فموقفي الآن على الأقل معارض لاستمرار وجود هذه العقوبة عموماً، ومعارض لاستمرار وجودها بالشكل الهمجي الذي يتم تنفيذه في دول مثل إيران والسعودية حيث من الممكن أن يرجم المدان او يقطع رأسه علناً في الأماكن العامة.

عدد القراءات: 740