اجتماعيات

قصة عقوبة الإعدام من ولادتها في الماضي السحيق حتى يومنا هذا، وحجج المطالبين بإلغائها

عقوبة الإعدام

لو نظرنا إلى واحد من أقدم القوانين البشرية، والمنتمي إلى واحدة من أعرق الحضارات، وهو قانون حمورابي البابلي (القرن 18 ق.م)، فسنجد أن العقوبات فيه قامت على مبدأ القصاص من الجاني (مبدأ العين بالعين والسن بالسن) بما في ذلك القيام بتشويه جسدي للمعتدي أو بتر أطرافه.

وقد نص هذا القانون على القتل (الإعدام) في نحو خمسة وعشرين مخالفة وجناية، منها السرقة وبيع المسروقات أو شراءها والتجاوزات الجنسية والمماطلة في دفع الضرائب ومساعدة أو إيواء العبيد الهاربين. أما وسائل الإعدام فمتنوعة: منها الخنق والشنق والحرق والإغراق والإلقاء من برج مرتفع، وبالطبع الضرب بالسيف.

أما لو نظرنا إلى واحدة من الدول الأوروبية المعاصرة، كالسويد، فسنجد سجونها عبارة عن مباني جميلة أشبه بالجامعات أو الفنادق الفاخرة، حيث يتم معاملة الجاني بتعاطف واحترام، ويتم منحه حرية واسعة فيما يخص التنقل والدراسة والتعلم والتواصل مع الآخرين، حتى أن المسجون أو النزيل يمتلك مفاتيح غرفته الخاصة حفاظا على خصوصيته. وتمتاز السجون بالنظافة والأناقة والطعام اللذيذ، وتحتوي مكتبات وصالات رياضية ومتاحف. وبالطبع لا توجد لديهم عقوبات بدنية أو تشويه أجساد أو إعدامات، لأن الهدف هو إصلاح انسان وليس التنكيل بمجرم أو التخلص منه.

ترى، أين ومتى وكيف ولماذا حدث ذلك التحول الجذري في التعامل مع الجرائم والمجرمين، من التشدد الصارم إلى التخفيف الرقيق؟ وهل ذلك التحول شامل وحقيقي أم أنه اقتصر فقط على بضعة دول ”مرفهة“؟ وفيما يخص تلك الدول التي لا تعدم ولا تحرق ولا تقطع أطراف المتجاوزين، هل يا ترى أدت تلك ”الميوعة“ إلى زيادة معدلات الجريمة من قتل وسرقة واغتصاب وتخريب، كما قد نتوقع، أم أن المسألة أكثر تعقيدا من ذلك؟

فيما يلي سنقوم بتسليط بعض الضوء على واحدة من جوانب تلك القضية، وهو الخاص بعقوبة الإعدام، حيث سنتتبع باختصار سيرة تلك العقوبة، منذ ولادتها، وحتى (ما يبدو أنه) نهايتها.

الإعدام في العالم القديم

لم تكن قوانين حمورابي بدعة بين القوانين؛ فمنذ فجر التاريخ، وعبر مسيرة البشرية، كان التعامل مع الجرائم يتم بعدة طرق، منها العقوبات البدنية (التي تتضمن الإيلام الجسدي) ومنها النفي أو التهجير، ومنها الحبس، ومنها تعويض الضحية ماليا، ثم منها الإعدام بالقتل، والذي طالما استخدمته الحكومات في عقاب المتجاوزين وردع المتمردين وقمع المعارضة (وترجع أقدم حالة إعدام فعلية مسجلة إلى مصر القديمة، من القرن 16 ق.م، حيث اُتهم الفاعل بالسحر وتم إجباره على الإنتحار).

هذا ينطبق على النظم والقوانين البابلية والحثية والصينية والهندية وغيرها. وفي الشريعة اليهودية نجد نصا على القتل جزاءا لعدة مخالفات، منها عبادة الأصنام والتجديف (ازدراء الدين) وممارسة السحر وكسر السبت (أي العمل في يوم العطلة) وعصيان الوالدين، بالإضافة إلى السلوكات الجنسية غير الملائمة كالزنا والمثلية.

وفي القانون اليوناني القديم (الدراكوني، القرن السابع ق.م) كان القتل جزاءًا لمعظم الجرائم. وكذلك القانون الروماني (الإثني عشر لوحا، القرن الخامس ق.م) كان يتضمن الإعدام جزاءًا على طيف واسع من الجرائم والمخالفات.

وكذلك الشريعة الإسلامية تنص على الإعدام جزاءا لعدة أمور مثل القتل (القصاص) والحرابة (قطع الطريق أوالتمرد المسلح أو الإرهاب) والردة عن الدين والزنا للمتزوجين واللواط (المثلية الجنسية)؛ بعض تلك الإعدامات تكون علنية (في حالة الردة والزنا)، وأما في القتل فيحق لأسرة المقتول (أولياء الدم) أن يقتصوا بأنفسهم من القاتل، أو لهم أن يختاروا العفو عنه في مقابل الدية.

وبشكل عام فإن كثير من تلك القوانين لم تكن تطبق بصرامة كاملة، وبعضها مر بمراحل لاحقة من الإصلاح والتخفيف (مثلما أجرى صولون للقانون اليوناني، وقد نص التلمود على أن المحكمة التي تأمر بإعدام شخص واحد في سبعة سنوات هي محكمة دموية)؛ مع ملاحظة أن القوانين عادة كانت تتفاوت حسب الطبقة الإجتماعية للفاعل، فتختلف العقوبة إن كان من النبلاء أو من الأحرار أو من العبيد ..إلخ.

وقد تضمنت أكثر تلك القوانين نصوصا تأمرُ بالإعدام جزاءا لجرائم تافهة مثل التشهير أو الأغاني المهينة أو إزعاج النائمين ليلا؛ وأما وسائل الإعدام فكثيرة جدا، أشهرها قطع الرأس والشنق والخنق والصلب والضرب حتى الموت والخوزقة والحرق والإغراق وغيره (ومن الوسائل العجيبة التي استخدمها الرومان هي وضع شخص في شوال وأغراقه في المياه ومعه كلب وأفعى وقرد وديك).

وفي الصين، (خاصة في زمن أسرة تانغ) كان الإعدام عقوبة على أمور مثل اتهام الوالدين بلا دليل، والتخطيط لخطف شخص، وتدنيس قبر ميت؛ وكانت أشهر الوسائل هي الخنق وقطع الرأس؛ الأولى للأشياء الأبسط والثانية للجرائم الأشد مثل الخيانة. وكانت هناك وسائل أخرى مروعة مثل قطع الجسد إلى نصفين عند الخصر وترك الجسد ينزف حتى الموت، كما اشتهرت وسيلة إعدام أخرى تسمى ”الألف جرح“ (لينغ شي) وتتضمن قطع أجزاء صغيرة من الجسد حتى الموت البطيء – ولم يتم منع هذا النوع من الإعدام إلا في أوائل القرن العشرين. أما المسؤول الكبير فإن استحق الإعدام فكان يتم منحه عطية كريمة هي أن يسمح له بالإنتحار. وفي العادة كانت الإعدامات علنية حيث يتم عرض الرؤوس المقطوعة على الأوتاد والرماح.

وربما تاريخيا من أشهر الإعدامات القديمة هي إعدام الفيلسوف اليوناني سقراط بعد اتهامه بالهرطقة وإفساد الشباب، وإجباره على تناول السم في عام 399 ق.م، وكذلك إعدام يسوع المسيح في القدس صلبا.
وبشكل عام لم يكن الحال مختلفا في أوروبا؛ فرغم أنه في عهد الإمبراطور قسطنطين تم منع الصلب وبعض وسائل الإعدام القاسية الأخرى، إلا أنها سرعان ما عادت بقوة. وفي عام 438 بعد الميلاد صدر قانون ثيوديسيوس والذي ينص على 80 جريمة عقوبتها الإعدام.

ومع عدم وجود نظام سجون ملائم، فقد استمر الإعدام يطبق بقوة في القرون الوسطى، جنبا إلى جنب مع وسائل التعذيب القاسية، والتي كان كثير منها لأسباب تافهة (فمثلا كان يمكن حرق امرأة بتهمة أنها تزوجت بيهودي).

ومن وسائل الإعدام الشهيرة الحرق (مثلما جرى للفيلسوف واللاهوتي جوردانو برونو عام 1600، بعد اتهامه بالهرطقة وإنكار العقيدة الكاثوليكية)، ومنها التعليق على المشنقة خنقا، مع شق البطن وإخراج محتوياتها، مع انتزاع العضو الذكري وقطع الأطراف الأربعة للمحكوم عليه، ومنها ”عجلة التكسير“ وهي إطار دائري يربط الضحية عليه ويقوم الجلاد بضرب جسده بآلات معدنية حتى الكسر ثم الوفاة البطيئة.

وفي عام 1531 تم إجازة عقوبة الغلي في الماء حتى الموت، بالإضافة لعشرات من وسائل الموت والتعذيب الأخرى التي مورست في محاكم التفتيش وغيرها. وفي العصور الوسطى المبكرة ذاعت حمى الخوف من الساحرات، مما أدى إلى إعدام عشرات الآلاف (من النساء خاصة) بتلك التهمة. كما كانت عقوبة الإعدام جزاءا للتجاوزات الجنسية كالمثلية (كما نص قانون انجليزي لعام 1533 أن عقوبة ممارسة المثلية هو القتل).

وكان انتشار ذلك القتل المروع، المصحوب بالتفنن في تعذيب المدان، يخدم ثلاثة أهداف: ردع المجرمين والمارقين وتخويفهم، وإشباع المتعة السادية للجماهير التي كانت تتم تلك الإعدامات على مرأى ومسمع منها، والحصول على اعترافات المهرطقين بغرض إنقاذ أرواحهم تحت التعذيب.

أصوات عصر التنوير

تلك المسيرة تخللتها فترات قصيرة تم منع الإعدام فيها لفترات مؤقتة؛ فمثلا في القرن الحادي عشر أمر ويليام الفاتح بعدم قتل أحد إلا في غمار الحروب، وفي الصين حدث أن تم وقف الإعدام لمدة 12 سنة (بين العام 747 و759 بعد الميلاد) واستبدال بها عقوبات أخف، إبان حكم أسرة تانغ، وفي اليابان قام الإمبراطور بإلغاء الإعدام مؤقتا في عام 818، واستمر ذلك حتى عام 1156.

كما برزت أصوات نادرة تتحفظ (على استحياء) بشأن تلك العقوبة؛ فكتب العالم اليهودي من القرن 12 موسى ابن ميمون قائلا: ”أنه لمن الأفضل أن نبرئ ألف مذنب، على أن نعدم بريئا واحدا.“

ولكن التحول الحقيقي بدأ مع القرن 17 و18، حيث دخلت أوروبا في ثورات فكرية وعلمية وإنسانية غير مسبوقة، متشعبة الأسباب والنتائج، حيث نشأ عنها نظم وسياسات ومؤسسات، وولدت أفكار تنبذ الخرافات وترفع شأن المنطق والعلم. ومع تلك التحولات بدأ الشك في جدوى الحكم القمعي ووسائله القاسية، فشهد القرن الثامن عشر ثورة إنسانية ضد استخدام التعذيب البدني المنهجي، وبرز فلاسفة ينتقدون الأساليب السائدة ويصفونها بالهمجية وانعدام الجدوى، مثل فولتير ومونتسيكيو.

من هؤلاء كان بنجامين روش، الطبيب والسياسي الأمريكي وأحد موقعين وثيقة الإستقلال، والذي كتب في عام 1787 قائلا: ”إن الرجال؛ وربما النساء، الذين نبغضهم، يمتلكون أرواحا وأجسادا من ذات المكونات التي لدى أصدقائنا وأقربائنا“، وأضاف ”إذا تعاملنا مع آلامهم بلا مشاعر أو تعاطف، فإن مبدأ التعاطف نفسه سيغدو بلا معنى، وسيفقد أثره في قلوب البشر“ – كما نادى روش بأن هدف النظام القضائي يجب أن يكون إعادة تأهيل المخطئين بدلا من إيذائهم، وقال أن هذا الإصلاح لا يتم عن طريق العقوبات العلنية.

أما أكثر المفكرين تأثيرا في هذا الإطار فكان السياسي وعالم الإجتماع الميلاني سيزاري بيكاريا، والذي صار مؤلفه في 1764 ”عن الجرائم والعقوبات“ من أكثر الكتب مبيعا، بعد أن ترجم لعدة لغات أوروبية، وكان له تأثير في عدد كبير من المفكرين المستنيرين أمثال فولتير وتوماس جيفرسون وجون آدامز وغيرهم.

بدأ بيكاريا من مسلمة بأن هدف النظام العادل هو تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس، وبالتالي فالمسوغ الوحيد لاستخدام العقوبة هو منع الناس من أذية بعضهم البعض بشكل أكبر من أذى العقوبة نفسها، مما يستدعي أن تكون العقوبة متوازية مع الضرر الناتج عن الجريمة المرتكبة. وكتب أن حسم العقوبة وعدالتها وفاعليتها يعد أكثر أهمية من قسوتها، وأن عقوبة الإعدام غير ضرورية كرادع ويجب إلغاءها.

كما قال بأن عقوبة الإعدام هي ”حرب أمة ضد مواطن.. يبدو لي من السخيف أن القوانين؛ وهي تعبير عن الإرادة العامة والتي تبغض وتعاقب القتل، فإنها نفسها [أي القوانين] ترتكب القتل، ولكي تثني المواطنين من الإغتيال، تقوم هي نفسها بارتكاب الإغتيال.“

وهكذا لم يكن بيكاريا يتكلم من جانب الرحمة والشفقة فقط، وإنما من الجانب العملي أيضا، فقد حاجج بأن القتل والتعذيب ليست مفيدة أو ضرورية؛ وهنا هو يعد أول من طبق مفاهيم العقلانية على مسألة الجريمة والعقاب، كما أنه أول من قدم طرحا تحليليا فلسفيا يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام.

كالمتوقع، تم وضع كتاب بيكاريا على اللائحة الباباوية للكتب الممنوعة، وظهرت كتابات مضادة ترد عليه وتسخر من رقة مشاعره، متهمة إياه بأنه يحاول تقويض نظام قديم ثبت فاعليته – ولكن سيكتب التاريخ أن أفكار بيكاريا ورفاقه التنويريين سوف تنتصر بالنهاية؛ وسيكون ذلك الإنتصار على صعيدين: إلغاء العقوبات القاسية العنيفة، ثم إلغاء الإعدام بالكلية.

وكان ممن تأثروا ببيكاريا الدوق ليوبولد الثاني هابسبرغ؛ والذي ألغى الإعدام في مقاطعة توسكاني في 30 نوفمبر 1786، في أول سابقة في العصر الحديث، وأمر بتدمير جميع وسائل الإعدام في البلاد؛ وفي عصرنا تحتفل 300 مدينة حول العالم بذكرى ذلك اليوم سنويا، باعتباره ”يوم الحياة“ – ثم تلا ذلك تداعيات أخرى، فقامت الجمهورية الرومانية بإلغاء الإعدام عام 1849، ثم فينيزويلا 1863، والبرتغال 1867، وتلتها بلدان أخرى.

المسيرة الإنسانية

يلاحظ عالم النفس الكندي ستيفن بينكر أنه لما ابتدعت انجلترا الشنق بالسقوط المفاجئ في عام 1783، وابتدعت فرنسا المقصلة في 1792، فقد كان ذلك تقدما أخلاقيا وإنسانيا!

هذه المقولة قد تبدو كمزحة سمجة؛ إلا أنها تغدو مفهومة تماما حين نتذكر الخلفية التاريخية التي مرينا بها منذ قليل عن القرون الوسطى، حيث كانت العقوبات مصممة لإطالة فترة العذاب قبيل الموت. بينما نجد أن المقصلة تقطع الرأس مسببة الوفاة في لحظة واحدة، بأقل قدر من الألم. وكذلك الحال مع الشنق، فقد كان هناك نوعين منه: في الماضي كان التعليق يقتل خنقا، وهي عملية طويلة ومعذبة وبطيئة؛ بينما يقوم الشنق الحديث على القاء المدان من على مرتفع فيسقط فجأة ويتم خلع الرقبة وتمزيق النخاع الشوكي، مما يسبب قتلا لحظيا أكثر سرعة وأقل إيلاما.

سبق هذا منع للتعذيب في كل الدول الأوروبية الرئيسية، بما فيها الدولة المستقلة حديثا (الولايات المتحدة) والتي سينص دستورها (في التعديل الثامن) على ”منع العقوبات القاسية وغير الإعتيادية“.

أما بشأن الإعدام، فقد ظل يمارس على نطاق متسع؛ ففي انجلترا عام 1688 كانت هناك 50 عقوبة ينص القانون على أنها تستوجب القتل؛ هذا الرقم تضاعف أربع مرات بوصول عام 1776، واستمر في الزيادة مع نهاية القرن الثامن عشر. وبحلول عام 1822 وصلت الجرائم المستحقة للإعدام في انجلترا إلى 222 بندا، تتضمن أمور مثل الصيد المخالف والتزوير وقطع شجرة ..إلخ، والملاحظ أن أكثر تلك القوانين كان يهدف إلى حماية الملكية والحفاظ على مصالح النبلاء.

تلك المجموعة من نظم الجرائم والعقوبات في انجلترا القرن 18 و19 سميت لاحقا بلقب مرعب هو ”القانون الدموي“. ومع مدة محاكمة تقدر (في المتوسط) بـ8.5 دقيقة، فمن المؤكد أن كثير ممن تم إعدامهم كانوا أبرياء. ويقدر عدد من تم إعدامهم في زمن هنري الثامن (الذي حكم أقل من أربعين عاما) بنحو 72 ألف شخص. وفي السنوات الأخيرة لحكم هنري كان يتم في لندن وحدها أكثر من عشرة إعدامات كل أسبوع.

في المجمل، تقول إحدى التقديرات (والتي أحصاها رودلف رومل بروفيسور العلوم السياسية بجامعة هاواي) أنه بين زمن المسيح والقرن العشرين (2000 سنة) تم إعدام ما لا يقل 19 مليون إنسان بسبب جنح ومخالفات بسيطة.

لكن رياح عصر التنوير كانت تفعل فعلها، وبدأت السفن الثقيلة تتحرك بتدريج متسارع.

كان ممن تأثروا ببيكاريا الفيلسوف والمصلح القانوني والإجتماعي الإنجليزي جيريمي بنتام، والذي طالب بدوره بإلغاء الإعدام؛ وقد لاحظ بنتام- وآخرون مثل تشارلز ديكنز وكارل ماركس – أن معدلات العنف الإجرامي تزداد في زمان ومكان حدوث الإعدامات العلنية – ولاحقا أدت تلك الملاحظة إلا أن الإعدامات صارت تتم في السجون، بعيدا عن أعين العوام.

وفي انجلترا بدأ منع الإعدامات العلنية (مع ما واكبها من مهرجانات سادية صاخبة) في عام 1783، وكذلك منع عرض الجثث على المشانق في 1834. وفي عام 1823 أصدر البرلمان الإنجليزي قانونا مهما يمنح القضاة سلطة تقديرية تمكنهم من تجاوز بعض أحكام الإعدام وتخفيفها. وبحلول عام 1861 تم تقليص قائمة الجرائم التي تستوجب الموت من 222 إلى 4 جرائم فقط (وكان آخر إعدام لرجلين بتهمة الشذوذ بإنجلترا في عام 1835).

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد بدأ الإعدام في المستعمرات الإنجليزية في عام 1608. وفي 1612 سنت ولاية فيرجينيا قوانين تنص على الإعدام كعقوبة لسرقة عنب أو قتل دجاج أو التجارة مع السكان الأصليين (الهنود الحمر). وفي أماكن مختلفة كان الإعدام جزاء من يمارس الإلحاد أو التجديف أو عبادة الأصنام أو المثلية أو مضاجعة الحيوانات، أو يحاول حض العبيد السود على الثورة.

ولكن سرعان ما لحقت مسيرة التنوير بالعالم الجديد؛ فبعد الإستقلال سعى توماس جيفرسون (وهو واحد من الذين تأثروا بأفكار سيزاري بيكاريا) لمحاولة عمل ثورة تشريعية تهدف إلى تقييد عقوبة الإعدام وقصرها على القتل والخيانة العظمة؛ ورغم أن المحاولة لم تكلل بالنجاح إلا أنه تلاها محاولات أخرى ناجحة، ففي القرن الـ19 و20 تم تقليل عدد الجرائم التي تستوجب الإعدام، وفي أوائل القرن العشرين قامت بعد الولايات بمنع الإعدام بالكلية، أو قصرها على القتل والخيانة العظمى – وهي الدعوة التي تبنتها دول أوروبية عديدة بنفس الفترة.

وبالطبع لم يكن التطور سهلا أو ناعما، ولم يخل من ردات عنيفة؛ ففي ألمانيا النازية كان الإعدام يطبق بوفرة، وكانت الوسائل هي الشنق أو قطع الرأس أو الرمي بالرصاص. وأعلن ماوزي دونغ أن 800 ألف شخص تم إعدامهم في الصين بعد انتصار الحزب الشيوعي 1949. وفي أثناء مرحلة ”الرعب الأعظم“ للإتحاد السوفييتي الستاليني (1936-1938) تقول التقديرات أنه تم إعدام أكثر من مليون مواطن بتهم مختلفة.

وبعد الحرب العالمية الثانية قام الإتحاد السوفييتي بإعدام 158 ألف جندي بتهمة الهروب من الميدان في أثناء الحرب (والهروب من ميدان الحرب هي تهمة أخرى كثيرا ما كانت تعاقب بالإعدام في مجتمعات عديدة قديمة وحديثة).

مع ملاحظة أنه في محاكمات ما بعد الحرب (نورمبرغ 1946 وطوكيو 1948) تم إعدام عدد من قادة الجيوش المهزومة بتهم تتعلق بجرائم الحرب؛ إلا أن المحكمة الجنائية الدولية الحالية لا تصدر أحكاما بالإعدام، وإنما أقصى حكم لديها هو السجن المؤبد.

العصر الحديث

ومن بعد الحرب العالمية الثانية قررت جميع الدول الأوروبية منع الإعدام للجرائم العادية (فيما عدا بيلاروسيا)؛ فألغته انجلترا (بشكل نهائي) في عام 1969 واستراليا 1973 وكندا 1976 وفرنسا 1981 وتبعتهم دول أخرى (آخرها لاتفيا والتي ألغت الإعدام في 2012). والجدير بالذكر أن البعض يبقي العقوبة كنص (على الرف) للخيانة العظمى أو المخالفات العسكرية الجسيمة (على سبيل المثال فروسيا – التي يقع جزء منها في أوروبا – عمليا لا تطبق الإعدام وإن كانت لم تشطبه من قوانينها).

واليوم تنص المادة الثانية من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي على منع تطبيق عقوبة الإعدام. وفي المجلس الأوروبي (وهو الهيئة المنوطة بالإشراف على حقوق الإنسان في أوروبا) توجد بروتوكولات تنص على منع الإعدام سواء في حالات السلام أو الحرب (البروتوكول 6 و13 على التوالي).

عقوبة الاعدام انتهاك لحقوق الانسان

والجدير بالذكر أنه في عديد من البلدان فإن الوقف الفعلي للإعدام قد سبق شطبه من القانون زمنيا، وأحيانا بوقت طويل؛ فهولندا على سبيل المثال ألغت عقوبة الإعدام في 1982، ولكنها حقيقة لم تقم بإصدار أي أحكام بالإعدام منذ 1860 – وفي المتوسط لدينا فترة زمنية خمسين سنة ما بين آخر إعدام تم في البلد، وبين إلغاء الإعدام في نصوص القانون.

وعلى مستوى العالم المعاصر توجد 103 بلد ألغت الإعدام بالكلية، و30 بلد ألغته على مستوى الممارسة، وهناك نحو 6 دول تمنعه للحالات العادية ولكن تحتفظ به للحالات الخاصة مثل جرائم الحروب، بينما هناك 56 بلد ماتزال تطبق الإعدام، كعقوبة للعديد من الجرائم.

ومن الدول غير الأوروبية التي ألغت الإعدام استراليا وكندا وجنوب أفريقيا ومعظم أمريكا اللاتينية (بعضها كالبرازيل يطبقها في حالات خاصة كالخيانة في أوقات الحرب).

وبشكل عام؛ فاليوم تعتبر عقوبة الإعدام مخالفة لحقوق الإنسان؛ فترى منظمة العفو الدولية أن الإعدام بمثابة ”الإنكار الأقصى لحقوق الإنسان“. وفي عام 2007 قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصويت بنسبة 105- 54 (مع 29 امتناع) لصالح إصدار نداءا غير ملزم بمنع عقوبة الإعدام (وهو إجراء لم يكلل بالنجاح في 1994 و1999)؛ وتكررت نداءات مماثلة في 2007 و2008 و2010 و2012 و2014، حيث تم إصدار بيانات رسمية مفادها أنه من المرغوب (عالميا) القيام بتقليل قائمة الجرائم التي تستوجب عقوبة الإعدام، مع النظرة المستهدفة الإلغاء لتلك العقوبة بالكلية.

ممانعات ورِدّات

واحدة من الدول المصوتة ضد إلغاء الأعدام هي الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يعتبرها البعض عنصرا شاذا بعض الشيء وسط الديمقراطيات الغربية – وربما هذا غير دقيق تماما إذا لاحظنا أن نحو 17 ولاية قامت بالفعل بإلغاء الإعدام (معظمها في الشمال، وأقدمها ولاية ميتشيغان التي ألغته في 1846) بينما تصر عليه ولايات أخرى ولاسيما الجنوبية.

إلا أن هذا الشذوذ لم يمنع تأثر الولايات المتحدة بعصر التنوير ومساهمتها فيه، مما كان إحدى ثماره تراجع تطبيق الإعدام في الولايات المتحدة في القرنين 18 و19، بالتوازي مع بقية العالم الغربي. وبعد أن كان الإعدام جزاءا لمتهمين بالسرقة أو التخريب أو الزنا أو السحر أو المشاكة في ثورة عبيد، تم الإحتفاظ بهذه العقوبة لجريمة القتل فقط، أو التخطيط له، أو لجرائم ضد الدولة مثل حالات الخيانة والتجسس والإرهاب.

واليوم – بسبب الأعراف داخل الإجراءات القضائية والتي تؤجل أغلب الأحكام بالإعدام إلى أجل غير مسمى – فإن قتل المجرمين في أمريكا هي مسألة نادرة، حيث لا يتم إعدام سوى كسر ضئيل من واحد في المائة من القتلة بداخل البلاد.

ثم إن وسائل الإعدام تغيرت أيضا، في انعكاس آخر للمسيرة الإنسانية، فتم التخلي عن الإعدامات التعذيبية كالحرق، واستبدالها بوسائل أسرع وأقل إيلاما. ثم لأن تلك الوسائل (السريعة، مثل الرصاص) تبدو للناظر عنيفة وقاتلة، فقد تم استبدالها بعناصر ”أكثر خفية“ إن جاز القول، مثل الغاز والكهرباء، والتي تم استبدالها بدورها بالحقن القاتلة تحت مخدر (رغم أن تلك الوسائل ”الرحيمة“ لم تخل من مشاكل بدورها).

القتل الرحيم

كذلك تخبرنا الاستقصاءات أن نسب تأييد الإعدام تتراجع بين الشعب الأمريكي، فبعد أن كان 68% من الشعب يؤيدون الإعدام في 2001، تراجع الرقم إلى 64% في 2006، ثم إلى 60% في 2010.

وعلى المستوى العالمي، فرغم أن أكثرية دول العالم تحظر الإعدام كما رأينا، إلا أنه من الناحية العددية فإن أكثر من 60% من سكان العالم مازالوا يعيشون في بلاد تطبق الإعدام، ولاسيما دول كثيفة السكان مثل الصين والهند والولايات المتحدة وأندونيسيا. وبشكل عام فأكثر دول أفريقيا وأمريكا الوسطى والدول الإسلامية وكذلك ديمقراطيات آسيا (كاليابان وكوريا الجنوبية) ما تزال تطبق الإعدام. أما أعلى الدول تطبيقا للإعدام – من حيث العدد – فهي الصين وإيران والسعودية والعراق وباكستان ومصر.

أما الجرائم أو المخالفات التي تستوجب الإعدام (عند الدول التي ماتزال تطبقه) فمنها القتل والخيانة والتجسس والإرهاب وتجارة المخدرات (خاصة في دول آسيا) والتظاهر السياسي (السعودية) والردة عن الدين أو التجديف (في السعودية وإيران وباكستان والسودان) والسحر (السعودية) والزنا (السعودية وإيران وقطر) والمثلية الجنسية (السعودية وإيران).

ونجد أن الجدال حول الإعدام يحتدم في العادة عند حدوث جرائم عنيفة تتضمن قتلا أو إرهابا او اغتصابا بشكل يفزع الرأي العام؛ حتى أنه في حالات عديدة حدثت ”ردات“ عن حظر الإعدام فعادت الدولة تسمح به بعد أن منعته؛ فعلى سبيل المثال ألغته أمريكا ما بين عامي 1972 و1976 ثم أعادته. وكذلك باكستان في 2014 تراجعت عن إلغاء لعقوبة الإعدام بعد ستة سنوات من المنع، نتيجة مجزرة مدرسة في بيشاور قامت بها طالبان. وفي الهند جرى تقليص للإعدامات لفترة ثم عاد التأييد لتلك العقوبة مرة أخرى نتيجة حدوث عدة جرائم اغتصاب مروعة أثارت الرأي العام. وجرت تراجعات مماثلة في بلاد أخرى كسريلانكا والفلبين.

أما أشهر وسائل الإعدام التي تمارس اليوم، فهي الشنق (في الهند واليابان وبعض البلدان الإسلامية)، والرمي بالرصاص (في الصين وجنوب شرق آسيا)، والحقن القاتلة والصعق بالكهرباء (الولايات المتحدة)، وقطع الرقاب (السعودية).

هذا وهناك قضايا قانونية وحقوقية يدور حولها جدل بين حين وآخر؛ مثل قضية إعدام القاصرين (تحت 18 سنة) والذي أصبح أمرا نادرا لكن لم يختف تماما، فمنذ تسعينات القرن العشرين وهناك تسع دول يتردد قيامها بإعدام قاصرين، وهي الصين والولايات المتحدة وبنغلاديش ونيجيريا والكونغو وإيران والعراق والسودان والسعودية واليمن.

وتنص اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة على عدم جواز إعدام القاصرين (بند 37-أ)، ووقعت عليها جميع دول العالم، فيما عدا الولايات المتحدة والصومال. وأما إيران فرغم توقيعها على الإتفاقية إلا أنها تحتل المركز الأول عالميا في إعدام القاصرين، مما جلب لها إدانات عالمية وكانت هدفا لحملة غير حكومية بعنوان ”أوقفوا إعدام الأطفال“.

قضية أخرى تثير الجدل هي مسألة الإعدامات العلنية، والتي ماتزال تمارسها دول مثل إيران وكوريا الشمالية والسعودية والصومال وغزة التابعة لحماس وسوريا وأفغانستان واليمن.

أما فيما يخص العالم العربي، فتوجد دولة واحدة ألغت عقوبة الإعدام هي جيبوتي، بينما دول شمال غرب أفريقيا أوقفت الإعدام عمليا منذ أكثر من 15سنة (تونس والجزائر والمغرب)، وهناك دولا تتجه مؤخرا لوقفه (جزر القمر و عمان وقطر وفلسطين ولبنان، وبشكل أقل الإمارات والأردن والبحرين والكويت)، بينما هناك دول ماتزال تمارس الإعدام بشكل ضيق أو واسع (السعودية والسودان وسوريا وليبيا والصومال والعراق ومصر واليمن) – كما جاء في تقرير بعنوان ”مناهضة عقوبة الإعدام في العالم العربي“.

حجج الفريقين

تتلخص حجج المطالبين بإلغاء الإعدام، بداية من سيزاري بيكاريا وصولا إلى منظمات ونشطاء حقوق الإنسان المعاصرين، في عدة نقاط:

1. أن عقوبة الإعدام قاسية وغير إنسانية ومهينة؛ فيقال أن الإعدام هو أقصى انتهاك لحقوق الإنسان وهو الحق في الحياة، والذي تنتهكه العقوبة بلا ضرورة، مع تعريض المدان إلى عذاب نفسي شديد.

2. أنها عقوبة غير قابلة للعكس، فالخطأ فيها لا يمكن إصلاحه؛ وقد سجلت حالات عديدة لإعدامات لأشخاص تبين براءتهم لاحقا (مثلا عند ظهور القاتل الفعلي)، وفي الولايات المتحدة سجلت عشرات من حالات الإعدامات الظالمة في التسعينات وأوائل الألفية فقط. وفي 2010 تم تبرئة 139 شخصا وإزالتهم من قائمة الإعدام نتيجة لفحوصات الحمض النووي، مما يعطينا إشارة مؤكدة على أن أبرياءا قد أُعدموا في الماضي.

3. أن أثرها الرادع غير حقيقي؛ فهي لا تقلل نسب الجرائم كما يُشاع، وأن الإصلاح – لا القتل والتنكيل – هو السبيل الأمثل لتقليل الجريمة.

4. أنها تشجع على ثقافة العنف والدموية في المجتمع.

5. أن الإعدام عقوبة تمييزية تصيب الفقراء والأقليات العرقية أكثر من غيرهم.

أما المؤيدون فيرون بشكل عام أن الإعدام يهدف إلى حماية الأبرياء لأنه يعد الردع الأمثل للمجرمين، خاصة عند انتشار الفوضى والإنحرافات في المجتمع، مما يستدعي ضبطا صارما لا يتهاون مع التجاوزات – فهو من قبيل ”دفع الضرر بضرر أهون منه“.

كما يرى البعض أن القتل للقاتل خاصة (القصاص) هو عقوبة عادلة تعيد الحق إلى نصابه وتشفي غليل أهل المقتول وذويه، والذي لا يمكن شفاؤه بشكل آخر كسجن القاتل – بل إن الفاعل لو لم يتم إعدامه فهذا قد يدفع أهل المقتول للإنتقام له بقتل القاتل بأيديهم، ولو بعد خروجه من السجن.

وبنظر آخرين فالقتل يعد عقوبة مناسبة تماما لمن يرتكب جرائم بشعة مثل قتل الأطفال أو تعذيب أو اغتصاب أو إرهاب أو إبادة جماعية.

وقد كتب الفيلسوف من القرن 18 إيمانويل كانط أن كل قاتل يستحق القتل، لأن انتزاع حياة إنسان لا يمكن مقارنتها بأي عقوبة سجن مهما طالت؛ ولكن فيلسوف آخر؛ هو ألبير كامو، قال بأن لكي يكون الإعدام عادلا يجب أن نحكم به على إنسان قتل آخر، بعد أن أخبره مسبقا بموعد موته، وأبقاه طوال تلك الفترة مسجونا حبيسا لشهور – وهو أمر مروع لا نجده في الحياة العادية. ولكن بشكل عام فإن أنصار الإلغاء لا يؤمنون بتساوي العقوبة مع الجرم، فلا يشترط أن نفعل بالمجرم مثلما فعل بضحيته (كمثال فإننا لا نعاقب المغتصب بأن نمارس عليه الإغتصاب).

ويستمر الجدل، على الأقل في بعض المجتمعات. ولكن ما يمكننا قوله، ختاما للموضوع، هو أن ظروف المجتمعات تتباين، وما يصلح لفلان قد لا يصلح لعلان بذات الدرجة، وأن الجرائم في المجتمع لها أسباب معقدة سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية. وبالطبع فالردع يلعب دورا في حماية المجتمعات من المنحرفين، إلا أن اختزال القضية في الردع فقط يعتبر تسطيحا لقضية متعمقة.

وبينما كانت ستبدو المطالبة بإلغاء الإعدام محض جنون في العصور القديمة، إلا أن الواقع يقول أن أوروبا الغربية اليوم (وهي أشد معارضي الإعدام) تتمتع بأقل نسب جريمة على الكوكب (أقل من حالة لكل مائة ألف سنويا، في مقابل عشرات وربما مئات أضعاف ذلك الرقم في المجتمعات التي تطبق عقوبات قاسية وتعدم بالجملة، مثل أوروبا ذاتها في العصور الوسطى ومثل كثير من المجتمعات الشرقية الحديثة). وبشكل عام، وبالرغم من بعض التذبذبات، فإن مسيرة تخفيف العقوبات وإلغاء الإعدام قد تماشت بالتوازي جنبا إلى جنب مع مسيرة انخفاض نسب الجريمة.