أقصوصة

غرفة العناية المشددة رقم 15

غرفة العناية المشددة
mm

أعلنوا وفاتي عند الساعة الحادية عشر ظهراً، تماماً في نفس اللحظة التي كنتِ تقطفين الياسمين من حديقتي التي تركتها لكِ يوم جمعت أغراضي وحملت حقائبي ورحلت ملاحقاً قوس قزح عينيكِ.

مسحوا عن وجهي آثار الدموع التي لازمت جفوني منذ رحلتِ و تركتِ الأشباح تتجول في غرف منزلنا الباهت، يوم هجرَتني روحكِ فهجرتكِ جسداً وبقي هذا المنزل يجمعنا، منكِ الجسد ومني الروح.

وضعوني في تابوتٍ خشبيّ، رائحته تشبه رائحة مراكب صيد الأسماك الموجودة في ميناء المدينة، رائحة الخشب المبلل المتصاعدة من طاولات الحانة التي ثملنا فيها للمرة الأولى، يومها شربنا بحيرةً من النبيذ فبيقيتْ رائحة تعرّق مزارعي العنب الجميلة تسكن في ثنايا أجسادنا وعروقنا.

في المشفى لم يقدر أحدٌ على حل لغز مشكلتي الطبيّة، كل ما عرفوه أن المشكلة تكمن في قلبي، أجروا كل الفحوصات والإختبارات فكانت كلها تخبرهم بأن قلبي سليم، رغم ذلك كنت أحتضر في غرفة العناية المشددة رقم 15.

أعلنوا وفاتي ووضعوني في براد الموتى، مكانٌ يعجُّ بالموتى، ما أن يرحل الأطباء، يستيقظ الجميع ويقيمون حلقات الدبكة، يرقصون وكأنّ شيء لم يحصل.

حان موعد دفني فودّعني كل زملائي في براد الموتى، قبّلوني وهمسوا في أذني بأننا سنعود لنلتقي مجددً، في عالمٍ أكثر إنصافا.

ألبسوني سترتي المفضلة، تلك السترة التي كانت هديتكِ الأولى لي، قلّموا أظافري وسرّحوا شعري الذي كنتِ تحبينه مبعثرا، أذكر يومها أن أختي نفذت وصيّتي فوضعت الياسمين في جيبي، كان كل شيء يفرّق بيننا ووحده الياسمين كان يجمعنا، انبعثت الرائحة في التابوت المظلم فوقع قلبي ثملاً برائحتك.

اختاروا تلك الزاوية المشمسة هناك لدفني، الهواء الناعم يلامس الأرض فتتراقص معه خصلات العشب الأخضر، بجانبي شجرة الكينا التي زرعها جدي يوم هجرته زوجته، تماماً كما أفعل أنا الآن.

وضعوني في الحفرة، عيوني كانت تقفز بين الحاضرين تبحث عنكِ، لكنها عبثاً كانت تحاول، للمرة الأخيرة لم نحظ بوداعٍ يليق بنا، لم نحظى بوداعٍ يليق بجمال الياسمين الذي جمعنا.

أعادوا التراب إلى الحفرة، أحسست بثقله فوق صدري، للمرة الأخيرة خرجت الدموع من عيني وامتزجت بالتراب لتعلن نهايتي، أغمضت جفوني وهربَت روحي من جسدي، كانت تحلّق كطيور النورس بسرعةٍ حتى وصلت إلى مكان لقائنا الأول، في البستان الذي يقع في وسط بلدتنا، قطفت بعض الياسمين وجلست في الأرض أنتظر موت جسدكِ لتعود روحك لي.

كنت شديد الثقة بأننا سنلتقي هنا، هذا ما عاهدنا أنفسنا به يوم قرّرنا عقد قران أرواحنا أمام الله والطبيعة والياسمين.

عدد القراءات: 4٬603