اجتماعيات

ليتني كنت مؤمناً، فلربما أرتاح من التساؤل

أنا لا أتمنى أن أكون مؤمناً بدين محدد، بل لا أعني الأديان بالتحديد حتى. أنا أقصد أن أكون مؤمناً بأي شيء على الإطلاق، أن يكون لدي الشجاعة الكافية لأصدق إجابات حاسمة مؤكدة على الأسئلة التي تتزاحم في دماغي، دون أن أضطر للبحث خلف هذه الإجابات للتأكد منها.

قد يبدو التمني بالانتقال للإيمان أمراً غريباً للعديدين، فلغير المؤمنين يبدو الإيمان كالخطيئة الكبرى التي توقف العقل عن التفكير وتقتل الفضول، لكن ماذا لو كان هذا بالضبط ما أريده؟ هل هذا الذنب كبير كفاية لإدانتي دون مغفرة؟

السبب وراء تمنيي للإيمان هو أمر وحيد: الراحة! قد تبدو الراحة أمراً بعيداً عن المؤمنين أحياناً، فمعظم المعتقدات والأديان تفرض تشريعات صارمة وقوائم ممنوعات ومحظورات طويلة جداً، لكنها بالمقابل تقدم شيئاً واحداً أساسياً: الراحة النفسية من التساؤل المستمر والبحث الدائم عن المعرفة والأسباب والنتائج، فالمؤمن يجد أجوبته جاهزة دون عناء ويصدقها ببساطة دون دليل ودون أي عناء بالبحث عن الأسباب أو حتى التجربة لتأكد.

للمشككين أمثالي، يبدو العالم في البداية في غاية الروعة، فالشك الدائم والبحث في الأدلة غالباً ما يودي بالشخص للمزيد والمزيد من المعرفة بخصوص العالم والكون المحيط بنا، وهذه المعرفة تفعل في عقل الفضولي كما تفعل المخدرات في عقل المدمن، معطية شعوراً كبيراً بالرضا ورغبة بالمزيد.

لكن الأمور تبدأ بالتغير كلما تقدم الانسان بالمعرفة، فالأسئلة الفيزيائية والعلمية عموماً لا تعود كافية ويجد الشخص نفسه في مواجهة الأسئلة الوجودية التي تصعب الإجابة عنها، إن كان لها إجابة أصلاً.

بالنسبة للمؤمن، لا توجد صعوبة كبيرة في الإجابة على السؤال عن غاية الوجود، فبالنسبة له هذه مشيئة الإله وذلك كافٍ، لكن ماذا عن غير المؤمنين؟ كيف من الممكن لي أن أجاوب وأعطي غاية للوجود مع إدراكي لعشوائية الكون وعدم اكتراثه بي حتى؟ ماذا لو كان الكون بلا غاية أصلاً؟ إذاً ما الهدف من وجودي على قيد الحياة أصلاً؟ ولماذا أستمر في الحياة وأحاول تخطي التحديات إن كان كل شيء مجرداً من المعنى وكان الموت هو النهاية والاتجاه للعدم؟

عندما أقول إنني أخشى الموت فأنا واثق أنني لست الوحيد في ذلك، فقلة هم أولئك الراغبون بالموت أو الغير مكترثون به أصلاً، لكن لمعرفتي أن هذه الحياة هي فرصتي الوحيدة للوجود وفرصتي الوحيدة للإحساس بأي شيء فالموت يبدو كأسوأ شيء ممكن، فغريزتي المبرمجة داخلي تأبى أن استسلم للنهاية ولذلك أنا أتمنى لو أستطيع الاستمرار ولو أن هذه الحياة بلا نهاية حتمية أو على الأقل أن تكون هذه الحياة ليست الوحيدة.

8533

بطبيعة الحال فالمؤمنون يخافون الموت كذلك، لكن معظم العقائد الإيمانية (سواء كانت دينية أو فلسفية) تجد حلولاً بأجوبة مريحة للناس حول الموت، فبينما يعتقد المسلمون أن بعد الموت هناك حياة آخرة يرى الهندوس والبوذيون أن الموت ما هو إلا انتقال من حياة إلى حياة أخرى وأن الانسان سيستمر بالوجود عن طريق تقمص جسد آخر. في النهاية تركز هذه الأجوبة جميعها على كون الموت ليس النهاية، وهذه الفكرة بحد ذاتها مريحة للغاية وإن كانت لا تلغي رهبة الموت تماماً فهي على الأقل تقلل الخوف الناجم عنه إلى حد بعيد، ليصبح مرحلة بدلاً من حد نهائي.

قد يكون رد فعل العديد من القراء الآن هو ”إذاً لماذا لا تنتقل إلى الإيمان إن كان الأمر جيداً بنظرك؟“ والجواب هنا هو أنني لا أستطيع أن أفعل ذلك ببساطة، ففي النهاية لا يمتلك أيٌّ منا السيطرة على أفكاره وطريقة تفكيره بل أن هذه الأفكار وطريقة التفكير هي التي ترسم شخصياتنا وتصرفاتنا وهي التي تتحكم بنا لا العكس، فأنا لا خيار لي أن أؤمن لأنني لا أستطيع أن أصدق شيئاً بشكل قطعي دون دليل وبالتالي فلا مفر لي من مواجهة الأسئلة المؤرقة دون أن أجد أجوبة لها، لأن أياً من الأجوبة المطروحة لها لم تنجح بإقناعي بصحتها لافتقارها للشيء الأساسي لي للتصديق: الدليل.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب، وهو لا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

عدد القراءات: 4٬328