أقصوصة

أنا أفكر إذا أنا غير موجود

لوحة لـLaszlo Mathe
لوحة لـLaszlo Mathe

وكما كان وينستون سميث يكتب مذكّراته بريشة فريدة خلف شاشة الرصد، مرهباً تارة من الأميين الذين يقرؤون لكن لا يفهمون، كتبت، كتبت كثيراً دون ريشة ولا ورقة، دون شبيه سوى شاشة الرصد.

كثيراً ما حاول إخواني الكبار إيقافي، خوفاً من الإخوان الكبار، في عصرٍ صار فيه الأخ الكبير، أخٌ كبير.

تعلّمت القراءة، لكنه كان على من يتعلم القراءة، أن يقرأ ما يُكتب له فقط، دون أي محاولة في استقطاب حروف خارجة عن الأبجدية المفروضة. والكتب كانت مرصوفةً من السنة الأولى وحتى التخرج، كلّها متشابهة، كأنها القرآن منزل، إلى حين أعلنت إلحادي عنها. فبدأت أقرأ ما حُرِق، وما تمزّق، وما خُبّئ خلف القضبان.

بحثت خلف الصفوف الأمامية، خلف الحروف وخلف الجثث، لأجد ما يغنيني. فبدأت أكتب من الممنوعات ما فاض، في كتاب المجتمع الذي كان يزن حروفه بدقة كبيرة قبل الإصدار، وما تم منعه فاق ما نُشِر. كتبتُ في ذهني، والأذهان لم تكن مصممة لقراءة غير المفروض وكتابة غير المملي، وحين بدأت بالسرد أمام الجموع، قبضوا علي. لم يكن الجلّاد ذاته يومها، رجلاً ذي كرباج وعصبة، كانوا كُثر، جميعهم مألوفون، مقرّبون بصِلات الدم والصحبة، بعيدون بصِلات الفكر.

جلّاديني كانوا هؤلاء الجموع ذاتهم الذين سمعوا دون أن يسمعوا، لم أكن أشبههم لأنني أدركت أخيراً أن نظرية المحاكاة والقطيع لا تفرض علينا إلّا إذا أفرضناها علينا، ربما تهّيبوا من خطيئة الفكر لأن أجدادهم حين ارتكبوها طُردوا من عدن الجهل وحدود التفكير، لم يدركوا أن الذهن مصمم لغير الطاعة، وأن المرأة لم تُخلق للإنجاب والإرضاع والجماع، وأن شهرزاد كانت تذوب من لمسة عشتار غراماً إلهياً لم يُخلق له مثيل، و أن ضافِر حين أحبّ مريم لم يكفر بدين الله، وأن العبد كسَرَ العصى قبل أن تُشترى معه لأنه غير معروض للبيع، وأن القمر يعلو فوق كل النجوم، وأن الذي لا يسجد لإله واحدٍ قدّم للساجدين ما كفّروه عبره، وأن خمار الجنان سكرت من حبّهما، والضمير الغائب لا ينهي اثنين عن الحبّ، لأن في الضمير ما لا يُذكَر من جنس ولون ودين وعرق وميول ودهر.

قبضوا علي بتهمة الكفر، لأن الفكر في إيمانهم كفر، كأنه من العار على هذا المجتمع وجود من يستخدم عقله لإنتاج الأفكار، وكل من يُفكر يُخفى لإخفاء العار.

اغتصبوا حريتي باسم الشرف، وزجوني في زنزانة الإرهابيين لأن إرهابيينا هم المثقفون، وأعداؤونا هم المفكرون. وحين وصلت إلى سابع أرض تحت صحراء من الخفاء، رأيت لافتة ترحيب العذاب الفكري الأبدي مخطوطة بحروف واضحة ”أنا أفكر إذاً أنا غير موجود“.

مخطؤون هم، مخطؤون جداً. لأن في منفى الفكر من العقول ما لا يوجد مثيل له خارج الخفاء. وحين جاء وقت استئصال فكري كانوا مسرورين جداً كأنه انتصار الجبابرة على الشياطين. لكنّهم لم يعلموا أن الروح وإن استؤصلت، فلا قدرة لدولاب الفكر على استئصال الفكر. وأنني حتى حين اختفي خلف معتقلات عاداتهم وأفكارهم التي هرمت وهدمت، سأظل أفكّر، وطالما أنا أفكّر، ولو تحت مئة مقبرة من التعذيب الفكري، وخلف مئة زنزانة مصممة لأولي الألباب، أنا أفكّر، إذاً أنا موجود.

الوجود بالفكر، وهم من لا يوجدون، أمّا أنا، أنا أفكّر، إذاً أنا موجود.

أنا موجود.

أنا موجود.

أنا موجود.

مقال من إعداد

mm

ماري بيل حدّاد

كلية الهندسة المعمارية بجامعة حلب، سوريا.

عدد القراءات: 8٬623