اجتماعيات

أنا الآن ملحدة، ولا أقصد أنني ملحدة بالله! فأنا أكره أن أُصنف

لطالما أسأل نفسي، لماذا لا يمكننا التعايش معا، بسلام! بغض النظر عن أي انتماء، ألسنا كلنا بشر؟ إنسان؟

مررت بالكثير من التقلبات في حياتي، وأفكاري كانت ومازالت قابلة للتطور والتغيير، ولست متعصبة لأي فكر ولا أكره أي إنسان ولا أسعى للظهور بمظهر العالم ومن يعرف كل شيء.

أنا إنسانة جاهلة، لم أُلمَّ بالعلم إلا قليلا.. ربما فعلت كل الأشياء السيئة في حياتي، تخبطت وفشلت كثيرا، أخذت خيارات خاطئة وندمت وتعلمت، أجل تعلمت!… وأفضل ما تعلمته هو تقبل الاخر كما هو.

لطالما كرهت الانقسام والبغض بين المسلمين؛ والطائفية والحرب التي نتوارثها ونورثها لأطفالنا، كان لدي الكثير من الأسئلة التي ترفض دفني لها، كثيرٌ من الثغرات لم أكن أعلم لها تفسيراً.

كنت دائما أدافع عن الأديان الأخرى، وأشعر بغيظ كبير حين أقابل إنساناً طائفياً عنصرياً متعصباً، لماذا سأعتقد أن مذهبي وطائفتي هما الصحيحين؟ لماذا وبحكم الصدفة البحتة سأكون قد ولدت في البقعة التي يعتنق أهلها الدين الوحيد الصحيح؟ يبدو الأمر جنونيا.. لا بل مضحكا!

لماذا تسبون وتكرهون وتنبذون بعضكم لمجرد الاختلاف؟ وبما يؤذيكم الاختلاف!

قابلت وتعرفت على أشخاصا من أديان ومعتقدات اخرى، وياللغرابة… لم تكن مظاهرهم كالمشعوذين والدجالين، ولم تكن آذانهم كبيرة وأنيابهم بارزة ولهم رائحة ملفتة، ولم يكن لهم ذيولٌ ومخالب وابتساماتٌ خبيثة، لقد كانوا مثلي، أشخاصاً عاديين، أُناسا يتنفسون ويضحكون ويمشون على قدمين.

كل ما تلقنته لم يكن صحيحاً، الكره الذي رضعته مع الحليب لم يكن منطقيا، والفكرة التي أرسمها عن إخوتي المختلفين في هذا الكوكب كانت.. كانت مقززة!

إنها عقدة الاختلاف، مجتمعنا مجتمع يخاف الاختلاف، يكره الاختلاف، يحارب الاختلاف، وإننا أصلا لا نختار أدياننا، بل تتحكم بنا الظروف والجغرافيا، فلو ولدت بأوروبا سأكون مسيحية، لو ولدت بالسعودية سأكون مسلمة سنية، ولو بالهند هندوسية أو سيخية.

قد أولد لعائلة غنية في مجتمع يؤمن لي كل شيء، وقد أولد في بيئة فقيرة مليئة بالأوبئة، وقد أولد طبيعية أو بتشوه خلقي، قد أولد وأجد نفسي بدون أم وبدون أب، وقد أكبر في ميتم أو مع والدين بديلين.

أنا لا أختار شيئا من هذا، حتى اسمي لم أختره! ولا وطني ولا هويتي ولا جنسي ولا جنسيتي ولا ظروفي ولا أي انتماء آخر، فلماذا أُقَيَّمُ على أساس أشياء لم أخترها؟ لماذا لا تتركون ذلك وتقيمونني على أساس أشياء اخترتها أنا، بكامل إرادتي أنا؟ كفكري مثلاً وكإنسانيتي وكأخلاقي وكمبادئي.. وكتقبلي للآخر!

كبرت وبحثت، وعلمت أن العالم أوسع من بيتي وحيي ومدرستي، وحتى وطني، وبدأت أتعلم وأتلقى معارف جديدة، وبدأت أنظر للأمور بحيادية، بدأت أرى الأشياء من زاوية أخرى.

الأرض أمُّنا جميعاً، هي كلها وطني، حتى أن مجرد حدود سخيفة قسمتنا كبشر لن تمنعني من ممارسة وطنيتي لجميع الاوطان، العربية وغير العربية؛ الإسلامية والعلمانية، التي تسمح لي بالعيش على أراضيها وحتى التي ترفضني بسبب خط سخيف يدعى الحدود، وورقة تدعى جواز سفر.

ربما احتجت الكثير لأتصالح مع نفسي.. الكثير من التفكير لأجمع ذاتي لأكوّن شخصيتي، الأفكار التي تعبت في تبنيها، الأسس والآراء التي تشكلني، التي تدعى ”أنا“، وإنها ليست حقيقة ولن تكون مطلقة، وإنها في كل لحظة قابلة للتغير وقادرة على التخلي عنها، في سبيل الأفضل.

كرهت الظلم والحروب والتقسيم والتفرقة والأيديولوجيات، كرهت كل ما يقسمنا كبشر، وأصلا نحن الآن موجودون هنا لأننا توحدنا وتعاوننا وتطورنا، وسينعدم وجودنا وننقرض حين نفترق ونتحارب ونقتل بعضنا، ألا ترون أن ذلك وشيكاً؟

أنا الآن ملحدة، ولا أقصد أنني ملحدة بالله! فأنا أكره أن أُصنف، وإن قبلت أي تصنيف فهو فقط تصنيفي كإنسان!

أنا ملحدة بالكره؛ بالشر؛ بالحروب؛ بالقتل؛ بالظلم..

أنا ملحدة بكل ما يفرقنا، بكل ما سيجعلكم تبتعدون عني لأنني لا أشبهكم، لأنني لست ولن اكون نسخة عنكم، ولا نسخة مكررة لآبائي وأجدادي من ألف ألف عام.

أنا الآن أعلن انفصامي عن القطيع، عن كل قطعانكم، أنا الآن أقف أمامكم مجردة إلا من إنسانيتي، وقد خلعت عني أي انتماء، أنا لا منتمية حتى النخاع!

أتعبني الإنتماء؛ أرهقني الإنتماء؛ آذاني الانتماء.. لا دين ولا طائفة ولا وطن ولا حزب ولا فئة ولا أي منظومة ستحدني وتمتلكني وتقرر عني، أنا هنا من يختار! ولن اكون سوى أنا ولو سيكلفني ذلك البقاء وحيدة، فلن أخسر ذاتي لمجرد قبولكم لي كرقم أخرس في مجتمع يعشق الخرسان ويكمم الأفواه ويقتل المختلفين ويحارب الإبداع والتجديد.

أنا هنا من يختار، وقد اخترت أن أحبكم، وأتقبلكم، وأتقبل اختلافكم عني، وقد جئت أدعوكم للسلام، وللحب، لأن نرى ببعضنا غير بضع مصطلحات تعودنا سماعها.. لأن نرى الآخر كما هو.. ”كإنسان“

أخي المسلم.. أنا أحبك جدا، أخي الملحد.. أنا أحبك جدا، أخي المسيحي، اليهودي، البوذي، الهندوسي، الديني واللاديني، العربي والأجنبي، المنتمي واللا انتمائي.. أنا أحبكم جدا.

سأمارس إنسانيتي فقط، سأكون إنسانة محبة للجميع.

لأنني أريد السلام..

لأنني سئمت موتا..

لأنني أريد أن أعيش.

عدد القراءات: 1٬175