أقصوصة

أنا قصاصة ورق

أنا قصاصة ورق

لست بشراً أنا ورقة، لست ورقة أنا قصاصة، لست قصاصة أنا كلمات كتبت بحبر باهت على ورقة رديئة ألقيت من عل فسقطت متأرجحة يمنة ويسرة كبالون هواء، أنا بلون هواء إنفجر فتناثرت حبات القمح التي كانت تقبع داخله لتصنع الضجيج، أنا ضجيج متناثر في الهواء، حبة قمح، نسمة، نفاخة، أرجوحة، سقوط، رداءة، قطرة حبر، كلمة، قصاصة، لكني لست بشراً.

البشر يكرهون الورق، بلا رحمة يعاملونه، أحياناً يخدشون وجهه الأملس بأظافر أقلامهم خدشات بشعة يسمونها كلمات، أحياناً أخرى يهمشونه ولا يلقون له بالاً على رفٍ ليلتهمه الغبار، وأحياناً أخرى حينما تستبد بهم الكراهية يكسرونه طياً في جيوب بناطيلهم الخلفية والأمامية منها، وحين يصلون إلى ذروة قسوتهم؛ وكثيراً ما هم، يمزقونه بلا شفقة ولا هوادة، وفي المطاف الأخير حينما يأملون في تعذيبه والتلذذ والاستجابة لدنأتهم والغريزة الشريرة الكامنة في نفوسهم يرمونه في غياهب النار بدعوى أنهم يشعلونها لتمدهم بالدفء، لهذا أود أن أكون أي شيء أي شيء عدا أن أكون بشراً.

أنا قصاصة مسكينة قطعت من حضن أمها الدفتر ليكتب عليها رقم هاتف، هل يحق لبشر عديم الرحمة أن يفعل هذا؟ ..أعني أما كان بإمكانه أن يكتبه على إحدى كفيه ثم بقليل من الصابون يمحوه؟

أنا قصاصة صغيرة من الورق تائهة في الشوارع يتقاذفني الريح العاصف ولا حيز لي في زاوية هادئة ليأويني، أنا المطرودة من البيت بضربات المكنسة على رأسي، والمهشمة بعد أن تثقلني الكلمات وأن يملئ جنباتي الهراء.

أنا قصاصة ورق لم يحفل بي تحت يد طفل صغير يخدش نعومتي بلون أسود، من أعطى الحق للون السواد أن يتكئ بسنه على بياض جسدي؟ إنهم البشر مرة أخرى!

البشر، البشر، بلا رحمة!

عدد القراءات: 412