أقصوصة

اختبار الإنسانية

اختبار الإنسانية

عن المأساة السورية نتحدث كل يوم؛ أنا و صديقي من دون أية هموم، بعيدين نجلس في رخاء، نتحدث عن الخراب في تلك الأحياء.

في الحديقة جالسين، حول ما حلّ بالبشرية نتبادل الآراء، رجل غريب يبدو عليه النحيب، يقترب وبيده عرقه اللذيذ، يرتشف منه قليلا وبيصق الكثير، على ظهره يحمل من الآلام ما لا تحمله الحمير، متسولا سكيرا ظننته، فهممت بالرحيل.

جلس على الطريق، وفي عيونه خجل من الجميع، ”من مال الله أريد المساعدة“، أصبح يصيح. اجتمعت الناس على صوته.. ”مابك تستغيث؟“ قال: ”ومالي لا أصيح.. فأنا جريح، جراح كرامتي ونفسي لا تطيب، أنا نازح من تلك الأحياء..

كنت يوما ما سيداً على نفسي وعلى عائلتي، رجلا.. بنيت حياتي بالجهد والعمل، جاءت الحرب فشردتني أنا وأولادي، وزوجتي
خرجت من منزلي والقذائف كانت كالمطر في أحلك الليالي..

الحرب أخذت مني أيضا ولدي وفتاتي، منزلي.. الذي بنيته طوال سنين حياتي—بالرغم من وجوده في المخالفات—كان قصري وملجأ أسرتي من غدر الحياة، لم يبقى منه سوى أطلال تحكي حكايا سعادة ورفاهية خلف بابه وشباكه.

رجعت اتفقد ماحلّ بـ’داري العزيز‘، بعد حين من خروجي المهين. الأطلال كانت في استقبالي.. التلفاز مسروق، الحائط مهدود، جرة الغاز مختفية، صور أبي وأمي وجدي على الأرض محترقة.

أخذت الله حسبي ومضيت وأنا لا أعرف ما الذي جرى والذي سيجري بعد قليل، الصدمة كانت لاتزال تنبض في عروقي تجعلني صابرا، تجعلني واقفا، وها أنا أسير.

من الحاجز العسكري يناديني مسنٌ، هكذا قد بدا لي، حين اقتربت منه تبين أنه شاب في الثلاثين بلحية رجل في الثمانين. قال—والشر من عيونه يستطير—: ’ها أنت.. من أنت؟‘ أجبته—وهذا كل الذي أعرفه—: ’أنا رجل لدي منزل في هذا الحيّ‘، قال: ’أرني هويتك، علّني أكتشف كذبك فألعن لحيتك، من أين أنت؟‘ قلت: ’اسم القرية مكتوب على الهوية يا شيخنا، هناك في تلك القرية أراد الله أن يخلقني فماذا افعل؟‘—أنا ولدت في قرية من طائفة مختلفة، على الأقل من غير طائفة الرجل الممسك بهويتي.

نظر للهوية وفجأة عمّ السرور قلبه وظهرت من خلف شفاهه الغليظة صخور صفراء مسودة، أنا لا ألومه فقد قبض لتوه على ”أعتى المجرمين وأكبر قائد للجيوش في العالم“.

قال: ’أهلا أهلا.. أنت من جماعتهم ها؟ أنت لست منا، أنت غريب.. أنت دخيل، أنت جاسوس‘ ..الخ، ياله من ذكي، عرف كل هذه الأشياء ولم يلاحظ بأني اعيش في المخالفات بجانب مقالب النفايات، فعلا أنا جاسوس وفعلا يالها من طائفية عنصرية، هيهات يفهم، هؤلاء لايفهون.

يخترعون أسباب العاهة والفقر من جهة ثم يحتقرون المصابين بها من جهة أخرى، قال: ’هيا أحبسوه‘.

شهر في غرفة مسجون مع سيئي الحظ أمثالي؛ وما أكثرنا نحن، بعيد عن أسرتي وأولادي، بدون كرامة، بدون حياة. أرتجي فرج ربي، علّني سريعا أراه.

بعد أكتمالي شهري، أمر سيدهم بالعفو عن جرائمي—ياإلهي كم من الرحمة منّ الله عليه: هذا الملك أمير المؤمنين المغوار،
مسرعاً اإلى عائلتي جريت، ياترى ماذا قد حلّ بهم بعد هذا الفراق؟

زوجتني كانت بانتظاري في الخيمة، تعجبت كيف هم على قيد الحياة! هم أحياء فقد تعلمت ”الشحادة“ بعد ماقدمته الأقدار لنا، صرت أساعدها في الوظيفة، هي تعمل في ذاك الشارع وأنا في هذه الحديقة..

الآن وقد عرفتم مأساتي.. فلترحل القيم والمبادئ بعيدا، هنا سأقف أصيح وأنادي.. من مال الله يا بشرية“.

عدد القراءات: 1٬193