in

ما هي الدكتاتورية؟ وكيف يتمكن الدكتاتوريون من البقاء في مناصبهم؟

صورة: Getty

الدكتاتورية هي نوع من أنظمة الحكم يستأثر فيه الحزب أو الفرد الحاكم بالسلطة المطلقة، أي أن الحاكم يهيمن ويسيطر على جميع مفاصل الدولة، بينما تُقمع حريات الشعب.

غالباً ما يأتي الدكتاتور إلى السلطة جراء ظروف غير طبيعية تواجه شعبه ودولته، فيشق طريقه ويتمسك بالكرسي. وحتى يظل قائماً على رأس السلطة؛ لا يجب عليه الاكتفاء بدعم الحلفاء الأقوياء –محلياً أم دولياً– بل عليه التخلص من معارضيه بأي سبلٍ متاحة.

جراء طبيعة الأنظمة الدكتاتورية المثيرة للجدل والعنيفة وطويلة الأمد، غالباً ما يتصدر الدكتاتوريون عناوين الأخبار، لكن في العقدين الماضيين لاحظنا تغيرات كثيرة طرأت على الديكتاتوريات، فاستقال مثلاً (فيديل كاسترو) من منصبه في عام 2008 بعدما حكم كوبا لنحو 50 عام، وأُعدم صدام حسين بعدما حكم العراق من عام 1979 وحتى عام 2003، وبدأ الزعيم الكوري (كيم جونغ–إل) برنامج بلاده النووي لأول مرة عام 2006، كما تنحى (فلاديمير بوتين) عن منصب الرئاسة ليصبح بعدها رئيساً للوزراء، ثم رئيساً للاتحاد الروسي مرة أخرى.

مع ذلك، لا يطلق هؤلاء الدكتاتوريون على أنفسهم لقب ”ديكتاتور“، بل تراهم يتقلدون مناصب عادية، كرئيس البلاد أو رئيس الوزراء أو المستشار أو حتى الملك، بينما تبقى طريقة إدارة بلادهم هي السبيل الوحيد لتقييم ما إن كانت أنظمة هؤلاء الرؤساء دكتاتورية أم لا.

على الرغم من التنوع الكبير بين أنظمة الدكتاتوريين، كالذين ذكرناهم سابقاً مثلاً، لدى هؤلاء الأشخاص بعض الأمور المشتركة، فنادراً ما يصل هؤلاء إلى السلطة عقب انتخابات دستورية حرة ونزيهة، وأغلبهم يتقلد زمام السلطة إثر انقلابات عسكرية أو ثورات أو خلال حالات الطوارئ، والأهم من ذلك، يملك هؤلاء سلطة مطلقة على دولتهم.

تاريخ الدكتاتوريات، بدءاً من روما

كان لكلمة «دكتاتور» معنى مختلف عما نعرفه اليوم، حيث برزت الكلمة لأول مرة في مجلس الشيوخ الروماني في العام 510 قبل الميلاد، لإدارة البلاد خلال الأزمات الطارئة، كالتمردات مثلاً. خلال عهد الجمهورية الرومانية، حكم روما قنصلان، فارتأى مجلس الشيوخ الروماني أنهم بحاجة إلى شخص واحدٍ يتخذ القرارات في بعض الأوقات. وهكذا، وفي بعض الأحيان، يصبح أحد القنصلين ”دكتاتوراً“.

كان للدكتاتور سلطة على جميع السياسيين، ولم يكن بالإمكان تحميله مسؤولية أعمال هؤلاء الساسة، ولم يستطع البقاء في منصبه أكثر من 6 أشهر (لكن روما شهدت حالتين استثنائيتين). بإمكان الدكتاتور الروماني أيضاً تغيير القانون والدستور، لكن ليس بإمكانه استغلال المال العام باستثناء ما يمنحه إياه مجلس الشيوخ، ولم يستطع أيضاً مغادرة إيطاليا. تخلى معظم الدكتاتوريين في روما عن منصبهم بعدما أدوا المهام المطلوبة منهم، حتى لو لم تنته فترة الأشهر الست الممنوحة للدكتاتور.

شغل (تيتوس لارتيوس) منصب قنصل روما، فجرى اختياره لإخماد تمرد قامت به عدة مدن أرادت إعادة تنصيب الملك الروماني (تاركوينيوس سوبربوس)، آخر ملوك روما. انتمى (لارتيوس) لطبقة النبلاء، وهي النخبة ذات الامتيازات في روما. فعمل على تحسين حياة الطبقات الوسطى والفقيرة من المجتمع.

حتى عام 202 قبل الميلاد، جرى تعيين الدكتاتوريين حسبما تقتضي الحاجة. لكن بعد 100 عام، نُصب القنصل (سولا) –واسمه الكامل لوسيوس كورنيليوس سولا– دكتاتوراً بلا مدة ولاية محدودة، وبدون القيود التي فُرضت سابقاً على كل قنصل روماني. بقي (سولا) في منصبه عامين، وأعدم آلاف المواطنين الرومانيين، معظمهم من المعارضة السياسية. أصبح (سولا) غنياً جراء مصادرة الممتلكات.

خلف (سولا) الدكتاتور الروماني الشهير (يوليوس قيصر)، والذي نُصب دكتاتوراً مدى الحياة وبدأ حرباً أهلية في روما. اغتُيل (قيصر) في عام 44 قبل الميلاد، وأُلغي منصب الدكتاتور بسبب الفساد المرتبط به.

يصل الكثير من الدكتاتوريين إلى السلطة جراء حالات الطوارئ، وبناءً على ذلك، يعتبر المؤرخون الفرنسيَّ (نابليون بونابرت) أول دكتاتورٍ حديث. كان (نابليون) جنرالاً أثناء الثورة الفرنسية، وتلك فترة تميزت باضطرابات اجتماعية وسياسية كبرى. بدءاً من عام 1789، تحوّلت فرنسا من ملكية إلى جمهورية، ثم مجدداً إلى إمبراطورية. وإثر عمليات الإعدام والانقلابات والمصادرات، أصبح (نابليون) «قنصلاً» على فرنسا التي تسيّرها حكومة مؤقتة.

كان (نابليون) قائداً عسكرياً لم يسبق له التعرض للهزيمة، لذا تمتع الدكتاتور بشعبية هائلة بين الشعب. فأحدث توازناً في ميزانية فرنسا وأصلح الحكومة ووضع القانون المدني الذي لا يزال حتى اليوم أساس قانون الأحوال المدنية الفرنسي. بعد ذلك، ألغى (نابليون) مجلس الشيوخ واستمر بإصلاح الدستور. لكن المصيبة أنه أعلن نفسه قنصلاً مدى الحياة، وفي عام 1804، نصّب نفسه إمبراطوراً، واستمر بمساعيه العسكرية وحملاته عبر أوروبا.

سيطر (نابليون) على جميع جوانب الحكومة، وأسس شبكة من الجواسيس. فسيطر على الصحافة وضمن استمرار عمل آلة البروباغندا خاصته. لكن حكمه بدأ بالانهيار عقب الغزو الفاشل للإمبراطورية الروسية، فتأسس تحالفٌ من القوى الأوروبية لمحاصرة فرنسا، من بينها بريطانيا العظمى وبروسيا وإسبانيا والبرتغال.

تمرد جنرالات الجيش الفرنسي واضطر (نابليون) إلى التخلي عن العرش. تمكن بعدها من العودة مؤقتاً إلى السلطة، لكنه نُفي حتى مماته عام 1815.

ما سمات الدكتاتور؟

ملصق عليه صورة الزعيم الكوري (كيم إل سونغ). تلك الملصقات والتماثيل والجداريات التي تمجد القائد موجودة بكثرة في الدول الدكتاتورية. صورة: Wikimedia Commons

يتشارك الديكتاتوريون بعددٍ من السمات، فهم يديرون حكومات استبدادية، أي حكومات يستفرد بها قائدٌ واحد (سواء رئيس الحكومة أو رئيس الدولة) ولا يسمح بوجود هيئة تراقبه وتحد من سلطته. في أغلب الأحيان، يلجأ الدكتاتوريون إلى فرض أنظمة شمولية، فيحافظون على سلطتهم من خلال التحكم بوسائل الإعلام في البلاد، ويوظفون الشرطة السرية والجواسيس ضد المواطنين إما للحد من حرياتهم أو قمعها بالكامل.

يرسخ هؤلاء الدكتاتوريون «عقيدة الشخصية»، وهي نوعٌ من عبادة «البطل» الذي تغذي البروباغندا صورته في عقول المواطنين، فتجعله وسائل الإعلام –التي تخضع لسلطة الدكتاتور أساساً– قائد الأمة الخالي من العيوب، وفي بعض الحالات، تجعله إلهاً أو مفوضاً من الإله، وأبرز مثالٍ عن الحالة الأخيرة هو الدكتاتور الكوري الشمالي السابق والمؤسس لكوريا الشمالية، (كيم إل–سونغ)، والذي وجّه كلّ أشكال الفنون في البلاد لتجسيده وتأليهه. حتى أن طلاب المدارس في كوريا يتعلمون شكر القائد (كيم إل–سونغ)، مصدر جميع نعمٍ الشعب الكوري، وذلك جزء من دراستهم. يتحدث معارضو الرئيس الكوري السابق واصفين إياه بالمصاب بجنون العظمة والنرجسي إلى حد كبير. بشكل مماثل، يمكن قول ذلك أيضاً عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والذي كانت تماثيله واللوحات التي تصوره تملأ العراق.

مثلما جاء دكتاتوريو روما و(نابليون بونابرت) إلى السلطة سابقاً عقب انقلاب، أتى معظم دكتاتوريي العصر الحديث إثر حالة طوارئ أو من خلال انقلاب سياسي. لكن في المقابل، وصل بعض الدكتاتوريين بشكل قانوني إلى السلطة. أكبر مثالٍ عن هؤلاء هو الزعيم النازي (أدولف هيتلر) الذي نُصب مستشار ألمانيا من طرف الرئيس الألماني (باول فون هندينبرغ) في عام 1933. بعد وفاة (فون هندينبرغ)، نصّب (هيتلر) نفسه «فورر»، وهو منصب يمزج بين الرئيس والمستشار.

الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وهو يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979. صورة: Yutaka Nagata/UN Photo

الدكتاتوريون هم قادة سياسيون، لكن معظمهم يتزعم أعلى سلطة عسكرية في الدولة أيضاً. كما أن الكثير من الدكتاتوريين كانوا قادة عسكريين بارزين قبل وصولهم إلى السلطة وإحكام قبضتهم عليها. فـ (مانويل نورييغا)، وهو السياسي الذي حكم بنما، كان عسكرياً طوال حياته، وفوق ذلك، لم يكن (نورييغا) رئيساً من الناحية النظرية، بل حكم البلاد بحكم الواقع. إن (نورييغا) مثال عن الدكتاتورية العسكرية التي تحكم عن طريق حكومة مدنية ذات صلاحيات ضعيفة جداً، لكن بعض الدكتاتوريات العسكرية ذات حكومات ستراتوقراطية، وهي حكومة يرأسها قادة الجيش، أي يحكمها العسكر بشكل مطلق في أغلب الأحيان.

يصل الدكتاتوريون إلى السلطة غالباً عبر انقلاب عسكري، لكن البعض «يترقى» حتى يصل إلى السلطة. فمثلاً، كان صدام حسين جنرالاً في الجيش العراقي ونائب الرئيس، أما الرئيس فكان أحمد حسان البكر. لكن عندما مرض الأخير تنحى عن السلطة بينما استلم حسين منصب رئيس العراق عام 1979 بشكل أقرب إلى الاستيلاء على السلطة، فهناك الكثير من الشهادات التي تؤكد أن حسين أجبر البكر على التنحي.

لا يُشترط أن تُحكم البلد من طرف دكتاتور عسكري واحد، بل هناك أيضًا المجلس العسكري، أو الطغمة إذا أردنا المصطلح الدقيق. فالطغمة العسكرية هي أحد أشهر أشكال الحكم الدكتاتوري في أميريكا اللاتينية. الطغمة العسكرية هي لجنة من القادة العسكريين الذين يملكون نفس السلوكيات، كالوحشية والقمع، ويحكمون البلاد باسم واحد. فلو أخذنا بورما على سبيل المثال، فالطغمة العسكرية المعروفة بمجلس الدولة للسلام والتنمية تحكم بورما منذ عام 1988، على الرغم من أن محاولة السلطة الحاكمة إجراء انتخابات وإصلاحات في العقدين الأخيرين لقيادة البلاد نحو مزيد من الانفتاح.

لكن السمة الأهم والأخيرة للدكتاتور، والتي تجعله يستحق لقب الدكتاتور بجدارة تامة، فهو أن الدكتاتور حالما يصل إلى السلطة، فسيفعل المستحيل حتى يبقى، ولن يتنحى بسهولة.

الحياة في دولة دكتاتورية

ملصق آخر، ستجدون مثله الكثير في الدول العربية، يمجد الزعيم الليبي السابق والدكتاتور معمر القذافي. صورة: Wikipedia

عندما تُدار البلاد من طرف شخص واحد يتسلم جميع مقاليد الحكم فيها، قد يسلّم هذا الشخص مناصب سياسية ووزارية لأفرادٍ موالين له من أجل تشكيل الحكومة، لكن أولئك الموالين لا يملكون سلطة فعلية، بل هم أشبه بموظفين يمارسون عملهم ويتلقون الأوامر.

كذلك حال مواطني الدول الدكتاتورية، فهم لا يملكون القدرة على التعبير عن رأيهم –فالدكتاتور يحاول التجسس على شعبه وقمع كل فكرة مناوئة له من خلال أجهزته الأمنية والاستخباراتية. تخيلوا أن شخصاً واحداً يتخذ جميع قرارات البلاد ويسيّر حياة الناس وفق ما يشاء! قد لا يدري المواطنون أنهم يعيشون تحت سلطة حاكم دكتاتوري من الأساس، فربما يكون نظام الحكم الموجود هو الوحيد الذي يعرفونه، كسكان كوريا الشمالية مثلاً المحرومين من الاطلاع على ما يحدث في العالم الخارجي. وقد يتمكن الدكتاتور من «غسل أدمغة» شعبه عن طريق تبرير كل التصرفات والأفعال التي يقوم بها في سبيل «هدف أسمى» يسعى إلى تحقيقه، لكن في الحقيقة، لم ولن يسعى الدكتاتور إلى تحقيق هذا الهدف لأنه أحد الأساسات والأعذار التي اختلقها ولجأ إليها لبقائه في السلطة. في أغلب الأحيان، لا يشعر المواطنون أن الحكم في بلادهم دكتاتوري أو غير أخلاقي أو راديكالي إلا عندما يجربون أو يتعرفون على أنظمة حكم أكثر ديموقراطية، أو عندما يقيّمون نظام الحكم في بلدهم من وجهة نظر خارجية وموضوعية.

كيف تنتهي الدكتاتوريات

صدام حسين في صورة له بعد إلقاء القبض عليه. صورة: AFP/Getty Images

قد تسمح بعض الأنظمة الدكتاتورية بإجراء الانتخابات، لكنها بالطبع لا تمثل ما نعرفه أبداً عن الانتخابات التي تجريها البلدان الديموقراطية. فمثلاً، يُنتخب الكثير من السياسيين في بلدانهم بنسبة غير منطقية أبداً من الأصوات، وفي ظروف لا تسمح بالتحقق من مدى شفافية تلك الانتخابات. مثال آخر هو عندما سمح ملك السعودية، عبد الله بن عبد العزيز، وإثر ضغوط مارستها عدة دول أخرى، بإجراء انتخابات بلدية عام 2005، وتلك كانت أول انتخابات تجري منذ ستينيات القرن الماضي. سمحت تلك الانتخابات للمواطنين بانتخاب المجالس المحلية، لكن الانتخابات لم تكن ديموقراطية بالكامل، خاصة أن النساء لم يُسمح لهن بالاقتراع. لكن على أي حال، يُعتبر نظام الحكم السعودي ملكية مطلقة، فهو بعيد كل البعد عن الأنظمة الديموقراطية.

مثال آخر هو الطغمة العسكرية التي حكمت بورما، والمتمثلة بمجلس الدولة للسلام والتنمية. ففي شهر فبراير من عام 2008، أعلن المجلس خططه لعقد انتخابات عام 2010. أوضح متحدث باسم المجلس «حان الآن وقت التغيير من الحكم العسكري إلى الحكم المدني الديموقراطي». لكن معظم سكان بورما، وكذلك عدد من الدول الأخرى، لم تأخذ وعود الطغمة العسكرية بشكل جدي. ففي عام 1990، عُقدت في بورما انتخابات أدت إلى فوز (أون سان سو تشي)، زعيمة حزب الرابطة الوطنية للديموقراطية. لكن الحكومة آنذاك رفضت الاعتراف بانتصار (أون سان سو تشي)، واعتقلتها ووضعتها تحت الإقامة الجبرية، ولم يُطلق سراحها حتى عام 2010.

أون سان سو تشي، زعيمة المعارضة السابقة في ميانمار. صورة: Wikipedia

تنتهي الدكتاتوريات في بعض الأحيان بشكل فوضوي مماثل للطريقة التي وصلت فيها إليها السلطة. فمثلاً، أنهى (أدولف هيتلر) حياته منتحراً بعدما تغلب الحلفاء على القوات المسلحة الألمانية واجتاحوا ألمانيا. أُعدم الزعيم الفاشي الإيطالي (بينيتو موسوليني) رمياً بالرصاص على يد قيادة الأنصار الشيوعيين، ثم عُلقت جثته ورماه المدنيون الإيطاليون بالحجارة. كذلك (مانويل نورييغا)، الذي أُسر بعدما غزت الولايات المتحدة بنما، وزج به في سجون الولايات المتحدة. وهناك أيضاً صدام حسين الذي أُعدم بعدما استولت القوات الأمريكية والبريطانية على العراق، وكشفت مخبأه قرب محلّ ولادته في تكريت. لذا، من الواضح أن للدكتاتوريين نهايات درامية، لكن ما الأسباب التي تؤدي إلى سقوط الدكتاتور، فذلك أمر آخر.

في أغلب الأحيان، تنتهي الدكتاتوريات عندما يصبح الدكتاتور ضعيفاً أو مريضاً لا يقوى على الحكم، أو عندما يموت فجأة. فمثلاً، عانى (فلاديمير لينين) من سلسلة جلطات دماغية، ما جعله يحدّ من دوره في الحزب الشيوعي قبل وفاته، وهذا ما حلّ بخليفته (جوزيف ستالين) أيضاً. في عام 2008، تنحى (فيديل كاسترو) عن رئاسة كوبا بعد سنوات من تدهور صحته، بينما ظلّ الدكتاتور الإسباني (فرانسيسكو فرانكو) حاكماً البلاد –إثر انقلاب عسكري– 36 سنة حتى توفي 1975، عندها عادت اسبانيا إلى الحياة المدنية والديموقراطية.

لكن عندما يجيء الدكتاتور إلى السلطة، فهو يميل –بحكم أنه دكتاتور– للبقاء في السلطة قدر المستطاع. في بعض الأحيان، قد يجري التخلص من الدكتاتور ليستبدله دكتاتور آخر، وعادة ما يستغرق حدوث تغيير حقيقي في الحكومة وكامل بنية الدولة والنظام فترة طويلة جداً، ونادراً ما يحدث تغيير في بنية النظام من تلقاء نفسه، حيث تضطر أطراف أخرى إلى التدخل للتأكد من سير العملية السياسية بشكل صحيح، كالأمم المتحدة أو الولايات المتحدة أو أطراف ومنظمات حكومية أخرى.

في عالمنا اليوم نحو 50 دولة يحكمها دكتاتور أو نظام مستبد، من أفريقيا إلى أميريكا الجنوبية وصولاً إلى العالم العربي وآسيا، بل أن أوروبا نفسها تحوي أنظمة حكم دكتاتورية (بالإمكان وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالدكتاتوري، فهو في السلطة منذ عقدين، لا وبل يسعى حالياً إلى تمديد ولايته لأكثر من عشر سنوات أخرى مستغلاً الأزمات العالمية وجائحة كوفيد 19) أو مستبدة (مثل نظام ألكسندر لوكاشينكو في بلاروسيا).

هل نظام الحكم في الصين دكتاتوري مثلاً؟ الجواب هو نعم بلا شك، فالحزب الحاكم والسلطة يتخذان القرارات ويتصرفان بدون إشراك الشعب في صنع القرار. أما رئيس الصين الحالي (تشي جينبينغ)، فهو السكرتير العام للحزب الشيوعي في الصين، ويشغل مناصب أخرى عديدة، مثل نائب الرئيس ورئيس اللجنة العسكرية لامركزية وعضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي ورئيس اللجنة العسكرية المركزية للحزب.

لكن هل يمكن القول أن روسيا دولة دكتاتورية؟ للإجابة، علينا أن نعلم في البداية أن روسيا هي اتحاد دول فيدرالية ديموقراطية بنظام حكم شبه رئاسي، لكنها خاضعة فعلياً إلى حكم الأقلية «أوليغارشية»، لذا قد لا يكون الرئيس (بوتين) ديكتاتوراً من الناحية النظرية، لكن عندما يبقى الحاكم في السلطة لـفترات طويلة تزيد عن الفترات القانونية (بقي بوتين في السلطة 4 فترات رئاسية) ويضيّق الخناق على حرية التعبير وحرية الصحافة، ويعتقل معارضيه ويمنح نفسه مزيداً من الصلاحيات، فمن الواضح أن الحاكم دكتاتور وليس رئيساً منتخباً بشفافية.

الدول الأوتوقراطية

الأوتوقراطية تعني حكومة الفرد، وغالباً ما يُطلق عليها «دكتاتورية» عن طريق الخطأ. فالأوتوقراطية هي نظام حكم يتزعمه حاكم واحد بشكل استبدادي. فالقرارات التي يصدرها الحاكم لا تخضع لقيود قانونية، وللحاكم سلطة مطلقة لا يمكن التشكيك فيها. هناك الكثير من الدول الأوتوقراطية الحديثة اليوم، ككوريا الشمالية وفنزويلا، بل حتى مصر والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.