أقصوصة

آمال وأوهام

في ساعات الزحام المروري الخانق وشعاع الشمس الحارق، وأجراس الرحمة تطلب الخلاص كأنها أجراس الكنائس في النمسا أبان الحرب العالمية، بمنظره الباهت وسيجارته التي لا تنطفئ وحقيبته التي لا تفارق كتفاه، يقف وحيداً كما العادة منتظراً في المحطة حتى مجيء السيارة التي تقله إلى المنزل.

وبعد روتين يوم دراسة الممل، وأصدقاء مختلفون أو متخلفون، وأساتذته غير الواعين بالفرق بين التعليم والتهديم، على ما يعتقد، أن تخلق من هو قادر على الفهم وأن تصنع أنت الفاهم. اللهم إلا بعض قلة قليلة، وشتان بين روتين ينتظره وروتين ينتظر انتهاءه، بدأ روتينه اليومي.

طال به انتظاره إلى أن دقة ساعة الجامعة ثلاث دقات، وماهي إلا بضع لحظات حتى أتاه مبتغاه، فاستوقف السيارة وانتظر نزول أحدهم منها، وبعد عدة قبلات وداع متتالية ألقي سيجارته، ركب السيارة وكالعادة – إن جلس – يجلس في المؤخرة ليتجنب تلك النظارات الخاطفة المندهشة كأنه السراب في الصحراء حين يشرع في أداء شعائره اليومية.

وما العجب في ذلك، فقد تعود الناس علي كون وسائل المواصلات اليوم هي الوقت الذي شعاره ألا تفعل هو أسمي ما تفعل؛ فأما أن يُقضي وقتها في الصمت كالأصنام تارة أو النوم كالأموات تارة أخري.

أما هو فقد جلس على المقعد الأخير بجانب فتاة يبدو من مظهرها أنها قد أتمت الثلاثين أو أقل بقليل، وبنظرة سريعة أعتقد لوهلة أنه يعرفها، ثم تذكر ما أعتاد عليه ألا يعير لذاكرته اهتماما فدائماً ما تخطئ.

أخرج من جيبه الأيمن سماعات الأذن أو لو شئت فقل سدادات أذنه – كما تسميها أمه – لينعزل عما حوله ويشرد بها إلى أعماقه ومن حقيبته أخرج رائعة جورج أورويل التي لم يتم نهايتها ولعله لن يتمها اليوم؛ فبين تقلب صفحة إلى أخرى نظرات إلى خيالات، أفكار عابرة أو لو شئت فقل شتات أفكار، وتأملات فيما بين السطور.

بدأ يبحث عن الصفحة التي توقف عندها، وبينما هو يقلب الأوراق إذ وقعت عينه على بعض السطور ذات كلمات بخط بارز عما سواها فاستوقفته هذه السطور فأخذ يتأمل فيها ملياً ثم شرع في قراءتها: ”سيطلقون النار علي.. وتنفذ الرصاصة من مؤخرة عنقي! لكنني لا أعير هذا اهتماماً، ليسقط الأخ الكبير! نعم، إنهم دائماً يطلقون النار عليك من الخلف، لكن فليفعلوا ما يريدون.. وليسقط الأخ الكبير!“

وتوقف عند تلك العبارات وقد أقشعر بدنه وزاد خفقان قلبه وشعور غريب يتضارب بين الحزن والشجاعة وكأنه يريد أن يصرخ بأعلى صوته لكن دون أن يسمعه أحد، وتذكر بأنه قد قرأ هذا سابقاً، لكن لم ينتبه الشعور الذي يشعر به الآن.

مرت لحظات شرود وحينما استفاق منها، وجد الفتاة التي تجاوره تحملق فيه أو بالأحرى ظن ذلك، وبطرفة عين منه لاحظ أن عينها موجهتان إلى ما في يده وكأنها تعرفها أو قرأتها، فنظرتها لم تكن نظرة الفضول أو الاستعجاب التي تعود عليها كثيراً، لم يشغل باله طويلاً بها ولم يعرها اهتماما.

وأخذ يقلب الصفحة تلو الأخرى، حتى لمح أحد السطور التي كان قد أشار إليه بقلمه ليتذكرها دائما من شدة أعجابه به. وأخذ يقرأ هذه المرة بصوت مهموس ممزوج بالعاطفة واللامبالاة: ”إلى المستقبل أو إلى الماضي، إلى وقتٍ يتحرر فيه الفكر وإلى زمن يصبح فيه الإنسان مختلفاً عن أخيه الإنسان ولا يعيش فيه بنفسه لنفسه وحيداً، وإلى زمن تعيش فيه الحقيقة وما يسجله التاريخ من أعمال لا تمحوها الأيام. من هذا العصر الذي أصبح فيه الناس كالبهائم لا يختلفون بعضهم عن بعض بشيء، من عصر الوحدة، من عصر الأخ الكبير، وعصر التفكير وعصر التفكير المزدوج. تحيات!“

ويال وقع هذه الحروف وتلك المعاني على نفسهِ، بالفعل أراد أن يقول ذلك بملء ما فيه، تمنى لو يضرب به عرض الحائط في الميادين العامة، أراد أن يخبر به كل فرد يعرفه، استمر في قراءة تلك الكلمات مرات ومرات، وكأن بركاناً انفجر بداخله.

ولا يساوره في تلك اللحظات إلا فكرة واحدة أن القدر-وإن كان لا يؤمن به- أعد له عدة لا يدري منتهاها.

وأخذ يفكر برهة وهو مستمر بذلك الصوت المهموس الساخط، ومرت عليه من الأفكار مالم يتوقف عنده، ومع نظرة عابرة يتفحص فيها حال هؤلاء البهائم كما أراد أن يقولها، قال محدثاً صديقـه الوحيد -وإن لم يكن الوحيد- وقد علم أن جل أمرهم هو كم غلا ثمن الخبز وكم تبقي على انتهاء الشهر وكم وكم ..إلخ

أيحق لي أن أشمت بحالهم؟ أم أبكي لقهرهم؟!

هل ألومهم على جهلهم أم أعذرهم لضيق أمرهم؟

هل أنا من يختلف عنهم أم هم الغرباء عني؟

من الصواب؟ لا أدري!

إن كان أملهم في حياة أفضل لن يأتي إلا بتوالي السنين أو بالأحرى لن يأتي، فكيف يطيقون هذا الزمن؟ لا أظنهم أكثر من بهائم، ينتظرون الحياة بعد الممات.

حقاً كما تقول الجملة الماركسية ”الدين أفيون الشعوب“.

أسئلة كثيرة وأفكار أكثر راودتها، وإن كان يعرف إجابات أسئلته، أو يظن أنه يعرف، إذ استمر في التساؤل هل.. وكيف.. ومن.. إلخ

وبينما هو على ذلك، سمع صوتاً رقراقاً تخلخل صخب أغانيه، ولم يسمع بوضوح ماهية الكلمات، ولكنه توقف قليلاً وقلل صخب الموسيقي، وأعتقد للحظة أن ما هو إلا من خيالات عقله، ثم لحظات حتى سمع مجدداً، الفتاة بجواره وكأنه تكمل حديثاً قطعته..

”ولا أظن الواقع كما تهمس، ولا أظنهم كما تعتقد، دائماً يوجد الآمل للغد، فإن لم يكن موجود، لأثر كلٌ الانتحار، أم ما يوجد في الكتب فما هو إلا محض خيالات“

التفت إليها سريعاً، وتلاقت عينان كأنهم الشمس والقمر لا ينبغي أن يلتقيان، فمن عينٍ واثقه يملاه الغرور إلى عين الفضول، ظل صامتاً يتأمل قليلاً جرأتها على بدء حديثٍ فضولي، وكيف له أن تعرف عما يفكر به !!، حاول ألا يظهر التعجب وإن كان متعجباً تملاه الدهشة، وظلت تنظر إلي عينه مباشرة وكأنها تحاول إثبات الجرأة، فآثر هو أن يزيح عينه ليعود بها إلى كتابه، يفكر قليلاً، وقبل أن يصيبها الخجل لتجاهله إيها، وهو ينظر إلى صفحاته يصطنع الخجل تفوه بكلمات متقطعة.. ”وما أدراكي؟ هل قرأتيها؟“

وفي رد سريع إيماءة برأسها أي نعم.

أدار رأسه إليها، وبلغة الصمت يقول لها أنه كان يعرف، وأراد أن يرسم على وجهة علامات الأعجاب بردها فلم يستطع وقال لها: جميلٌ أن تكوني لست جزءاً من البهائم. وأكمل ببطءٍ: لكن أيحمل أمل من فقد شعوره بالزمن؟ انظري إليهم! لترد بلهجة صداها التهكم: ماذا عنك أنت؟ ماذا تفعل في حياتك؟ أو ماذا فعلت؟

– أظنني ليس لي شاغلة في الحياة سوي القراءة.

– ليست لديك وظيفة؟ أسرة؟ أو ما شابه؟

– ما زلت في الجامعة ولكن آمل أن أنتهي هذه السنة.

– إذاً ماذا فعلت لهم!! لم تزد ولم تنقص، شاب قد تجاوز العقد الثاني من عمره بستة سنوات ومازال طالباً، وما الوقت الذي تتحدث عنه إلا بضع كتب. لا تعتقد إذن أنك ستصبح بهذا أو بذاك غير أحدهم يعيش ثم يموت ويُنسي، أوليس إذن فيما هم عليه حجتهم القوية. ومن الآن يستطيع أن يضيع بضع من الزمن في غير العمل والراحة من أجل العمل؟ فالأولي إذن للرجل منهم أن يكون له نصيبه من الدنيا في بعض من المتعة، أن يشعر وكأنه يعمل لما قد يري نتاج ثمره.

تمر عدة دقائق يكتنفها الصمت، فكر في كلماتها، وتعجب من قدرتها على أن تحدد عمره بدقة، ويسمع منها ما توقع أن يسمعه من صديقه!!

وأكمل وهي يقلب صفحة تلو الآخرين..

– ولكن ما الفرق إذن بينهم وبين البهائم؟! تأكل وتشرب وتتكاثر، إذا استطاع كل من عاش على هذا الكوكب أن يدون فـ..

وحينها وصل إلى صفحته التي أعتقد أنه قد توقف عندها، وصُـمّت إذنه عما يسمع وتوقف تدفق أفكاره ولم ينتبه إلى غير هذه الكلمات ”وما لم يدرك العوام قوتهم فلن يثوروا؛ كما أنهم لن يدركوا مبلغ قوتهم إلا بعد ثورتهم.“

فبدأت هي تمسك بزمام الحوار، وبدي وكأنه لا يسمعها وإن كان متيقظاً لكل كلمة ”أعتقد أن ليس – الجميع – على الأقل، وإن يكن؛ فما الحياة إلا تكامل، أوليس الفضيلة عند كونفوشيوس هي الحد الوسط بين التفريط والإفراط، بالمثل الحياة عامة!“

ليرد ”ولكنك -عذراً- أغفلت كون أرسطو أعتبر أن التأمل في ذاته غاية، وفي نظره هو أسمي الفضائل وما التأمل سوي نتاج المعرفة؟! وعلى أية حال ليس هناك شك في كون الفلسفة خارجة عن نطاق الحوار فحديثنا على الواقع“

وقبل أن يستطرد، قاطعته وهي تنظره إليه نظرة تبدي الإعجاب واستكملت.

– وماذا فعلت في حياتك غير الكتب؟

– حاولت..

تصمت مجدداً، ثم لحظات حتى ردت ”وفي ماذا حاولت؟ وإلى ماذا توصلت؟“

ليجيبها مرة آخري بما تستنكره برد قاطع مبهم

– فشلت..

سكتت؛ أحَسّت منه عدم الرغبة في الكلام أو بغموض فلسفته، فإلى الآن لم تفهم منه شيء، وتوقف هو الآخر، ومد يده إلى حقيبته ليُدخل روايته ويُخرج علبة من الأقلام وورقة بيضاء صغيره.

بدي هو وكأنه يرسم في الورقة التي في يده، ولكنها لم تلاحظ ما يرسم، أو حاولت ألا تبدي الاهتمام، لكن كان فضولها أقوي منها، فأخذت بصوتٍ مهموس يكاد يٌسمع ”في أي كلية أنت؟“ فرد عليها ”كلية الفنون“ فانقطع الحديث قليلاً واستمر هو يرسم وهو يطوي ورقته، وكأنه يريد إخفاءه عنها. وبدت هي وكأنها تفكر فيه أو فيما يرسم لكن دون أن تنظر إليه أيضاً.

ودون سابقة استكملت الحديث..

– وماذا بعد أن فشلت في أخر مرة؟

ليجيباها: – فشلت أيضاً.

– نعم، أقصد ماذا بعد هذه المحاولة المبهمة والفشل!!

هز رأسه وقال: – نعم، لقد فشلت أن أفشل.

– نعم فهت. ألم تحاول مرة آخري؟

– بالطبع حاولت!

– وماذا حدث؟

– فشلت.

وأخذ يكمل ما يكمله بالورقة ثم استكمل ”قصدت أنني فشلت في أن أحاول ولكنها لم تكن كسابقاتها كانت مختلفتاً كلياً“ لترد في فتور ”وما الاختلاف في ذلك؟! فلقد فشلت في النهاية؟!“

ليطبق ورقته، وقد أنهي ما بها، أعطها الورقة في يدها ”ألم أقل لكي جميلٌ أن تكون لست جزءً من البهائم“.

وحان وقت نزوله، فاستوقف السائق، نزل من السيارة، ليجد في وجهه إحدى الإعلانات المعلقة لتسويق المنتجات التجارية مكتوباً عليه بخطٍ غليظ ”البيضة أم الدجاجة“ لترتسم تلقائياً علي وجهة ابتسامة كبيرة ليست بمزيفة هذه المرة، حينها التفت إلي الوراء ليودعها بابتسامته، فرأي مقعده الأخير وهو يخلو من أحد! فاستدار والقي نظرة أخيرة علي اللافتة ومضى في طريقه.

مقال من إعداد

mm

تامر القاضي

مصري، طالب هندسة برمجيات جامعة عين شمس سنة تانية، بكتب شعر، بغني راب، ومؤخراً إتجهت للكتابات الأدبية.

عدد القراءات: 326