أقصوصة

قطيع من الأغنام

بينما كنتُ ذات ليلةٍ أطوفُ عالمَ الخيال مُطارداً أحلام الفراش، ظهر لي حلم غريب بعد أن قذفتُ وَكرَهُ بمختلف أشكال الحجارة، هزَّ الحلمُ رأسه وخلع ملابسه وهو خجلٌ كلّ الخجل، ليكشفَ لي عن ماضٍ أو حاضرٍ أو مستقبل، بيد أنّ حياءهُ حال دون الاقتراب مني، فعجزتُ عن أن أرى جسده الناصع البياض بوضوح، فدوّنتُ ما رأيت، عسى أنْ أجدَ مَن يفسّر لي هذا الحلم الغريب:

بين السهول والتلال ثلث الخضراء رأيتُ راعياً وقطيعاً كبيراً من الأغنام، يرعى عند طرف البحيرة التي يوصلها بالبحرِ مجرى ضئيل؛ كان الراعي يحلبُ الأغنام صباحا مساءً، يحلبها باستمرار حتّى وهي ترعى، وطويلاً كان هذا حال الأغنام والراعي إلى أن جاء لحامٌ يحمل بيده سكيناً مضرّجةً بالدماء.

كان اللحام على خلافٍ مع الراعي، ولمّا أراد قتله ولم يتمكّن منه، قرّر ذبح الأغنام، والراعي بدوره لم يستطع أن يوقف ذَبحَ أغنامه، فراح يحلبها بسرعةٍ أكبر ويرمي الحجارة على اللّحام، وكذلك اللّحامُ أخذ يذبحُ الأغنام وهو يرمي الحجارة على الراعي، أما القطيع فوقع في حيرةٍ من أمره وما كان منه إلا أن انقسم إلى ثلاثة قطعان:

قال القطيع الأوّل: ”يا إخوتي من الأغنام، دعونا نركض باتّجاه الراعي، فالراعي حنونٌ ويحبنا ويريدنا أن نبقى بأمان، ويريدنا أن نرعى ونتكاثر وننام“.

وقال القطيع الثاني: ”يا إخوتي من الأغنام، إن الراعي يحلبنا باستمرار، يحلبنا حتى ونحن نرعى، وهو بذلك يُتعبُ أثداءنا، دعونا نركضُ باتّجاه اللّحام، فاللحامُ وإن هو يذبحنا، فهو يذبحنا لأنّه يحبنا؛ الحياة ثقيلةٌ على ظهورنا، وأما الموت فهو نوم عميق وطويل، وفيه نجد راحتنا، ثمَّ أتعلمون وجهة أرواحنا بعد الموت؟! آهٍ لو تعلمون كم جميلٌ ذاك المكان الذي تقصده أرواحنا بعد الموت!“.

وقال القطيع الثالثُ: ”يا إخوتي من الأغنام، إن الراعي يحلبنا، وهو قاسٍ في حلبنا، واللّحامُ يذبحنا، وهو وحشيٌّ في ذبحنا، فدعونا إذنْ نفلتُ مِن كليهما، دعونا نصرخُ بصوتٍ عالٍ ونستنجدُ بالذئاب، فالذئاب قويّةٌ وشجاعةٌ والراعي واللّحام سيهربان إذا ما أبصرا قطيعاً من الذئاب“.

كذا تعالتْ أصوات الأغنام، ثم ركض كلُّ قطيعٍ باتجّاهٍ مختلف، فاستمرّ الراعي بحلب القطيعِ الأول، وحجارته كانت تُصيب القطيع الثاني، واستمر اللحام بذبح القطيع الثاني، وحجارتهُ كانت تُصيب القطيع الأول، وأمّا القطيع الثالث، فقد صرخ بصوتٍ عالٍ مُستنجداً بالذئاب، فجاء قطيعٌ هائلٌ من الذئاب، وأكل كل الأغنام المتبقية، فحمل الراعي الحليب وحمل اللّحام اللحمة، وذهبا خوفاً مِنْ الذئاب، وهكذا لم يبقى في تلك السهول سوى الذئاب ودماء الأغنام.

فأخذتني الحيرة، تُرى على من يقع الذنب فيما جرى للأغنام؟ أهو ذنب الراعي أم اللّحام أم ذنب الذئاب؟ إلا أني تذكّرتُ إذْ ذاك أنّي لمحت بضعة أغنام قليلة خرجت من القطعان الثلاثة وأبتْ أن يُفرض عليها الاختيار، فصنعت خيارها بنفسها؛ قرّرت أنّها لن تُحلبْ ولن تُذبح ولن تهبَ نفسها للذئاب، قرّرت ألّا تبقى أغناماً وألّا تتبع قطيعاً.

قررت أن تصبح عقبانا، وبالفعل صارت كل غنمة عُقاباً، وأخذت تطير في السماء بينما كانت الأغنام تشتمها وتلعنها وتلقبها بالخائنة العميلة، ولكن ماذا تقدر بضعةُ عقبان قليلة أنْ تفعل لأغنامٍ تكره الطيران، وتحب أن تُحلب وتذبح وتأكل! وماذا يقدر عدد ضئيل من العقبان أن يفعل أمام قطيعٍ هائلٍ من الذئاب!؟

عند ذلك قلتُ في نفسي: ”ما الذنب سوى ذنب الأغنام التي لم تنظر إلّا للراعي واللّحامِ والذئاب، وأمّا العقبان فلا ذنب لها بما فعلت الأغنام“. لكني إلى الآن لم أجد من يفسّر لي هذا الحلم الغريب، فمعظم من حولي هم من الأغنام!

عدد القراءات: 1٬050