أقصوصة

هو لا يموت جوعا

هو لا يموت جوعا

ها قد وصل إلى الحرم الجامعي حيث من المفروض أن يلتقي بخطيبته التي تأخرت. جلس على الأرض وبدأ يتذكر لحظة خروجه بعد تقديمه آخر امتحان في الكلية منذ سنتين، كم مضت هاتين السنتين بملل!

يبتسم بقهر حين تذكر شغفه للبدء بحياة جديدة، يتذكر لهفته في الحصول على عمل وحبيبته الثالثة التي أمسكت يده وقبّلها حينها وراء الأشجار، يتذكر جملة صديقه المفضل عندما انضم إليهما حينها قائلا: عندما أراكما معاً أشعر وكأنها أول حب في حياتك! ما سر كل هذا الشغف!

حلمه بالسفر وكيف أن كتابه الذي كان قد بدأ بكتابه سيحقق نجاحاً باهراً.. وسيغيّر العالم! و ستتم ترجمته إلى عدة لغات، حماسه بعد تخرجه وشعوره بالسعادة لأنه لن يلتقي البروفيسورة البليدة بعد اليوم، وتحمسه لمشروع تخرجه الذي يُنفّذ أبدا على أرض الواقع.

لقد كان يتجنب المجيء إلى الحرم الجامعي، هذا المكان المليء بالذكريات والأحلام التي لم تبصر النور، هذا المكان يذكره باشتياقه لحبيبته وصديقه اللذين سافرا إلى بلدان أخرى، يذكره بابن ذلك البروفيسور الذي سرق مشروعه وينعم الآن بالشهرة والمال، يذكره بكتابه الذي مُنع من النشر فبنظرهم هو مهين للمقدسات، يذكره بأنه أمضى أول سنتين بعد تخرجه عاطلاً عن العمل.

بعد توالي هذه الذكريات عاد ليرسم ابتسامته المملة التي كان قد اعتاد عليها بعد توالي خيبات الأمل دون بصيص أمل، بعد سفر حبيبته، بعد سفر صديقه، بعد رفضه في مقابلة العمل لأن ليس لديه واسطة، بعد أن تقدم لخطبة هذه الفتاة الجميلة وبعد تأقلمه مع عالمه الرمادي وجملة والده بعد أن تخلّى عن فكرة السفر: ”وضعك أفضل من وضع غيرك، هناك من يموت جوعاً، على الأقل أنت لديك كل ما تريده.. كل ما تريده“.

هذا ليس كل ما يريده، هذه الحياة المملة التي أقنع نفسه بأنها جيدة.

وفي هذه الأثناء الجميع مجتمعٌ في غرفة الجلوس، الأهل والأخوة، أمه أعدّت قالب حلوى شهي جداً، ريثما يقوم من تبقّى من أصدقائه بترتيب المنزل، وضع الزينة الملونة، والده ارتدى بذلته المفضلة كأنه في ليلة عرس فهو سيتفاخر بين أخوته وأصدقاء ابنه بتقديم مبلغ من المال له على مرأى الجميع، ينظر في المرآة متباهياً بشيبته ويقول لنفسه: ”أراهن أن ابني محظوظ أكثر من أبناء إخوتي“، خالته جاءت مع عائلتها والجميع بأبهى حلة.

تأتي خطيبته وتقدم له هديةً، ليتذكر أنّ اليوم عيد ميلاده، ويذهبان معاً إلى المنزل. ما إن يدخل حتى يرى جميع معارفه يحملون قالب الحلوى المزين بالشموع طالبين منه أن يتمنى أمنية عيده الـ29، فما كان منه إلا أن يبتسم مجدداً ويقول: ”لدي كل ما أريد.. لا أريد أمراً آخرا“

ولا بد أن والده قد أمضى عيده الـ29 بهذا الشكل، وولده من بعد سيمضيه هكذا.

عدد القراءات: 1٬801