أقصوصة

’الله‘ بالنسبة لهم لا ينام

صورة لـIan Komac من فليكر
mm

ها أنا ذا جالس في غرفتي أدرس لأنتهي من الإشمئزاز الذي سكنني منذ فترة طويلة، أستمع لصوت ”حامد سنّو“ المغني في فرقة ”مشروع ليلى“، وبالتحديد أغنية ”للوطن“. تتناغم إيقاعات الأغنية مع إيقاع أجراس الكنيسة القريبة من منزلي التي تُدَقّ حزناً على شخصٍ من قريتي لكنّه لا يسكن فيها، فقد إنتقل الى بيروت مع عائلته منذ ما يقارب العقدين، أخبرتني أمي بذلك.

لم أشعر أنني بحاجة إلى التدخين هكذا من قبل، فهو يساعدني على التنفيس عن الإستكانة التي كنت ولا زلت أعانيها في هذا المجتمع ”المنافق“، يضحكون على بعضهم ويبتسمون بأوجه بعضهم البعض من أجل مصلحة القرية العليا.

كرههم لي لا يوصف، فأنا لست مثلهم. أنا أكره الصوت الذي ينبعث من مكبرات الصوت لديهم، في الأعلى، وأكره الصوت الذي ينبعث من مكبرات صوت أقراني السابقون هنا. يكرهونني لأنني أجرؤ على قول ما لا يجرؤون على التفكير به.

منذ فترة قصيرة إنتزعت نفسي من حياة شخص عزيز على قلبي، من أجل مصلحتي. على الرغم من أنني تحدثت مع الشخص بالموضوع من قبل لأتجنب جرح مشاعره، لكن الامور تطوّرت بسرعة وأنا الذي جرح لا هو.

أشعلت سيجارة أخرى، واحتسيت آخر رشفة من فنجان القهوة الذي لا يزال معتصما عن أن يُشْرَب منذ ثلاثة أيام، لا لأنني لا أملك المال الكافي لشراء القهوة. حسناً، سأشتري فيما بعد.

أخبرتني صديقتي أنها ستبدأ بالتدخين، فرحت لهذا الخبر. وأخبرتني أنّ رغبتها بالتدخين جعلتها تفعل شيئاً لا يمكن أن يخطر ببالي فعله. لقد إلتهمت سيجارةً لتطفئ رغبتها بالتدخين، وأكلت أنا الآخر سيجارةً لأشاركها معاناتها. كم هي مبدعة.

ها قد أتت أروع أغنية بالنسبة لي، وهي أغنية ”Comfortably Numb“ لفرقة ”Pink Floyd“. لكن بدأ الآن خامس مجلس عزاء لليوم وخرّب كُنْه الأغنية وجلب لي ”الشقيقة“ التي أعاني منها نتيجة العامل الوراثي، فقد ورثتها عن أمي التي ورثتها الأخيرة عن أهلها والحبل على الجرّار. شيء مقزز.

عيني تؤلمني، لدي رغبة قاتلة بأن أطفئ السيجارة، الثالثة على التوالي، بها. فربما أنسى ”الشقيقة“ وأنشغل بالوجع الذي سأتسببه لنفسي. لكنني لن أفعلها. فأولاً أنا بحاجة ماسة لعيني، وثانياً لست معتوهاً كما ينمنمون عنّي. لست أدري إن كنت معتوهاً أم لا، ففي بعض الأحيان أتظاهر بالفرح وفي الأحيان الأخرى أتظاهر بالإكتئاب، وأعتقد انني لا أملك إلّا هاذين الشعورين. أنا أعي ما الذي يحصل لي من تشنجات في الدماغ ومن رعشة في الجسد وأنا أكتب على ما فاض من أوراق لدي، إنها ”الشقيقة“ اللعينة.

تبّاً، إنها تمطر من جديد. كم أكره فصل الشتاء فهو يجعلني أشعر بالإحباط ويرغمني على أن ألبس الكثير من الثياب والملابس التي تقيّد حركتي وتتعب أكتافي، ويجعلني أبدو مكتنزاً وأنا نحيل وهزيل الجسد. أنا محسود على معدتي، فأنا آكل كالبغل ولا أسمن.

ها قد إنقطعت الكهرباء وسكتت مكبرات الصوت القادمة من الكنيسة والجامع. في أيام الآحاد وأيام الصوم أشعر بأنهم يضاربون على بعضهم. تشتتت أفكاري لأنني أمسكت بهاتفي لأرد السلام على صديقتي ”الهپستر“ التي إشتقت لها ولكن لا أشعر بأنها تبادلني الشعور، فسأتركها بسلام لأنني لا أحب أن أضايق أحد. أتت أغنية ”واضح“ للمغنية الرائعة ”ياسمين حمدان“ التي أزعجت كلماتها أمي، ”حين ذكرت المغنية أنّ ’الله نائم‘ لأن ’الله‘ بالنسبة لهم لا ينام. كيف يمكنه أن يبقى مستيقظاً؟ ألا تتعبه مراقبة مليارات البشر عبر ما يقارب الثلاثة عشر مليار سنة تقريباً؟“ ففرحت لكن فرحتي لم تكتمل لأن الكهرباء قد أتت. هذه المرّة هي من المرّات العديدة التي أشتم وألعن بها أصحاب شركات الكهرباء لأنهم جلبوا الكهرباء وقطعوا نشوتي.

لا أدري لماذا خطرت ببالي أغنية ”بتونّس بيك وانت معايا“ لكن ليس بصوت المغنية الأصلية التي نسيت إسمها، بل بصوت أختي الكبيرة التي لم أراها منذ فترة، سأكلّمها لعلّها تعطيني بعض المعنويات، فأنا مكتئب وحزين، وربما لست كذلك. نعم، أنا مجنون ومعتوه كما يقولون، فمن لا يدري ماذا يشعر إلّا المجنون. أشعر بأن ”العريفي“ قد تلبسني، فأنا أنسى كثيراً تماماً مثله.

سأكف عن لوم نفسي، فالمشكلة ليست مني، بل من القيود الدينومجتمعية التي تكبل القطيع وتستعبده وتجعل منه غير مؤهلاً للنقاش وخاصةً في المواضيع الحساسة بالنسبة لهم والتافهة بالنسبة لي. منذ فترة تعرّضت للتهديد من قِبَل مسؤول سياسي في قريتي، لأنني نشرت صورة عبر صفحتي على فيسبوك تمس بمعتقداته. لم أحذف الصورة لأنني خشيت الذي هدد حياتي، بل لأن دموع أمي أثمن من الذي خلقه.

أختي ستتزوج بعد أشهرٍ قريبة، وها أنا أنتظر الحسومات لأشتري ثياباً تليق بالمناسبة وأخرى للحياة اليومية، سأصر على إقتناء الثياب التي تثير إستفزاز المجتمع. أنا أعشق عدم كفهم عن الحديث عني، ولكن هذا الموضوع متعب نفسياً لأنهم يتناقلون الحديث، لكن كل واحدٍ يبهِّر ويملِّح على ذوقه.

أين الأمانة يا بشر؟

أشعر بالبرد، ولازلت أرتجف، قدماي أصبحتا زرقاوتين، سألبس زوجاً من الجرابات لعلّهما ينعمان علي بالقليل من الدفئ.

خرجت إلى الملعب الملاصق لمنزلي، حيث أمارس الديكتاتوريّة على الأطفال المزعجين الذين يأتون كل يومٍ للعب بالطابة التي ينبض صداها في جمجمتي. تطوروا الآن، أصبحوا ذو خبرة بالرد عليّ، لكنني لا أخجل منهم ولا من أولياء أمورهم، فأطردهم. حدّقت بالسماء، وشعرت لوهلةٍ أنها تحدّق بي، لكنني أوقح منها وبقيت أنظر إليها بقرف وهي تتحضر للمطر، لأنها لبست الغيوم واكتنزت السواد. فشعرت بالإكتئاب كالذي لدى جدّتي أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وأنا أكتب الذي لا أدري ما سأسميه.

مقال من إعداد

mm

إيليا عطية

تلميذ في الثالث ثانوي فرع علوم الحياة، من قانا الجليل قضاء صور، جنوب لبنان.

عدد القراءات: 14٬098