أقصوصة

خمسون ليرةٍ سورية

Edvard Munch
صورة لـEdvard Munch
mm
إعداد: يوسف جراح

ينهض من سريره على عجلةٍ من أمره، فهو مثل كلِّ يومٍ متأخرٌ، كان دوماً يكره كلَّ القيود التي تحيط الحياة، يكره الالتزام ولو بموعدٍ لسهرةٍ يمكن أن لا يعود في هذا العالم جرّاء حضورها، يغسل وجهه كيفما اتَّفق، ويلبس ثيابه التي رماها على الأريكةِ البارحة.

يغلق الباب خلفه مخلِّفاً دوياً هائلاً، وبعد نزوله الأدراج السبعين التي دوماً ما يتعثَّر بها، يتلفت في الشارع بحثاً عن سيارة أجرةٍ، فهو يحبُّ الركوب فيها، لا لسرعتها وخصوصيتها، وأنما لكي يتحدث مع سائقها، بكل حرية، ودون أي قيود، فهو غالباً لن يقابلة مرةً أخرى في حياته كلها، وهو الذي يحاول اختياره بكل عناية، كالآلهة التي تكتب الأقدار.

سيخبره عن معاصيه، وسيخبره أنه اشتهى أخته في الأسبوع الفائت، سيخبره عن آلامه وعن أزماته الوجودية، وعن شكوكه في كل ما يحيطه، سيصارحه بمرضه النفسيّ الذي يعاني منه، سيسرد له كذبةً وليدة لحظتها، وسيصنع من نفسه عاملاً مكداً، أو أستاذاً جامعياً أو طبيباً، سيحقق كل أحلامه عندما يحكيها لسائق التكسي على أنها حقيقة، سيصنع من نفسه رباً لأسرة، أو يتيماً صنع من نفسه النَّجاح.

وبعد كل الأفكار التي كانت تدور في رأسه، تذكرَ أنه لا يملك سوى خمسين ليرة سورية، التي لا تكفي حتى لصعود الحافلة، في تلك اللحظة كان شعوره بالخيبة لا يوصف، حتى أنه أحس أن صدره سيتفجر أشلاءً، فهو اليوم سيبقى خاسراً في كل شيء.

عدد القراءات: 942