علوم

هل شعرت يوماً بالرغبة في القفز من مكان مرتفع؟

القفز من مكان مرتفع
صورة لـTom Ryaboi
mm
إعداد: سارة ربيع

قد تعتريك تلك الرغبة عند النظر من نافذة على ارتفاع عال أو حين المشي بمحاذاة حافة مرتفعة، وتتمثل في تصور ما سيحدث إن قفزت من هذا الارتفاع بالرغم من يقينك التام أن القفز من هذا الارتفاع سيؤدي إلى الموت بلا شك، فما مصدر هذه الرغبة وما تفسيرها؟

يقول بعض الاخصائيون النفسيون أن مجرد تخيل القفز من مرتفع والتساؤل ”ماذا سيحدث إن قفزت من هنا الآن؟“ يدل على وجود نزعات انتحارية عند المتسائل، وإن اختلفت حدتها من شخص لآخر. من ناحية أخرى، نشر بعض الاخصائيون النفسيون مقالات عام 2012 تفسر هذه الرغبة بطريقة أخرى، حيث يزعم أصحاب هذه البحوث أن تخيل الشخص عواقب القفز من مكان مرتفع ليس مبني على رغبة بالقفز ولا يدل على رغبات باطنية بالانتحار، بل إن هذه الأفكار ليست سوى حيلة يطبقها العقل ليشعر الفرد بقيمة الحياة. وسميت هذه الرغبة بالقفز بـ”ظاهرة الأماكن المرتفعة“.

قامت الأخصائية النفسية جنيفر هيمز باستطلاع على الانترنت لـ431 طالب جامعي حول عدد المرات التي شعروا فيها برغبة القفز من الأماكن المرتفعة، آخذة بعين الاعتبار مدى قوة نزعاتهم الانتحارية وإذا ما حاولوا الانتحار من قبل، وإذا ما أصيبوا بالاكتئاب والتقلبات المزاجية الغير طبيعية. كما تضمن الاستطلاع تقييم لمدى قابليتهم للإصابة بالقلق المرضي وذلك من خلال تقييم مدى شعورهم بالأعراض الجسدية للقلق المرضي مثل تسارع نبضات القلب وصعوبة التنفس.

أوضحت النتائج أن ثلث عدد الطلاب الذين أجابوا على الاستطلاع قد تعرضوا لظاهرة الأماكن المرتفعة، وبالأخص أولئك الذين يعانون من أعراض القلق المرضي. حيث أن كلما كانت أعراض القلق المرضي أكثر حدة، كلما ازدادت النزعات الانتحارية. وكلما ازدادت النزعات الانتحارية، كلما تكرر شعور الفرد بظاهرة الأماكن المرتفعة.

من المثير للاهتمام أن القلق المرضي له تأثيرٌ أكبر على رغبة الشخص بالقفز من الأماكن المرتفع من النزعات الانتحارية. حيث أوضحت أجوبة الاستبيان أن أكثر من 50% ممن شعروا بالرغبة بالقفز من الأماكن المرتفعة قد عانوا من أعراض القلق المرضي لكنهم لم يشعروا بأي نزعات انتحارية قط. فارتفاع مستوى القلق المرضي عند الشخص قد يزيد من رغبته في القفز من الأماكن المرتفعة ولكنه قد لا يزيد بالضرورة رغبته بالانتحار.

فما الذي يحدث هنا بالضبط؟

حاول الاخصائيون النفسيون معرفة حقيقة العلاقة بين الرغبة في الانتحار وظاهرة الأماكن المرتفعة. يعتقد العلماء أن بعض الأشخاص الذين تعرضوا لهذه الظاهرة قد أساؤوا تفسير رد فعلهم. فعلى الأغلب، قد شعر هؤلاء الأشخاص عند مشيهم بالقرب من حافة مرتفعة أو عند النظر من نافذة مرتفعة برغبة لا إرادية بالابتعاد عن الحافة أو النافذة. قد لا يكون هناك أي خطر على حياتهم في تلك اللحظة، فقد تكون النافذة مغلقة على سبيل المثال، ولكن فور أن يبتعد الشخص عن الحافة أو النافذة يحاول العقل تزويده بتفسير فوري لردة الفعل اللاإرادية، وقد يتوصل البعض إلى الاعتقاد بأنهم ابتعدوا عن الحافة أو النافذة لأنهم أرادوا القفز منها، فيبدأ الشخص حينها بالاعتقاد أنه تراوده أفكار انتحارية. الحقيقة هي أنه ابتعد عن المرتفع كرد فعل لاإرادي مبني على رغبته الشديدة في البقاء على قيد الحياة.

القفز من مكان مرتفع

بالرغم من تعدد النظريات الشيقة التي تهدف لإيجاد تفسير لهذه الظاهرة، إلا أنه لم يقم العلماء النفسيون بالكثير من البحوث للتعرف أكثر على خصائص هذه الظاهرة وأسبابها، كما أن لهذه النظريات الكثير من نقاط الضعف.

فمثلاً، أحد نقاط الضعف في النظرية المطروحة سابقاً، هي أن عينة البحث مقتصرة على الطلاب الجامعيين وهي ليست فئة ذات تنوع كافٍ لاستخلاص حقائق يمكن الاستناد عليها عموماً. كما أنهم قد يكونوا أساؤوا تفسير أو تذكر ما شعروا به في لحظات تعرضهم للظاهرة أو أنهم لم يريدوا الإفصاح عن تعرضهم لنزعات انتحارية في الماضي بسبب أزمات نفسية كالاكتئاب، فقاموا بربط النزعات الانتحارية بالظاهرة. بالإضافة لذلك، من الممكن افتراض أن بعض الأجوبة اعتمدت على الفهم الخاطئ لأسئلة الاستطلاع وعدم قدرة بعض الطلاب على فهم الهدف من الأسئلة.

ولكن من الممكن حدوث هذه الأخطاء في أي بحث يعتمد على الاستطلاع كمصدر أساسي، أو يتطلب استخدام معلومات مستمدة من أشخاص آخرين ولا يمكن ملاحظتها أو حسابها بدقة، ولذلك لا يمكننا القول ببطلان النظرية تماماً.

صدرت الكثير من البحوث التي أثبتت أن الأفكار الانتحارية واردة بين المجتمع الأمريكي الذي هو مجتمع البحث الأساسي، ولكنها ليست بالانتشار الكافي لجعلها السبب الأساسي لهذه الظاهرة المنتشرة إلى حد ما. فقد أصدرت هيئة مكافحة الأمراض في الولايات المتحدة تقريراً عام 2011 ورد فيه أن 3.7% فقط من البالغين في الولايات المتحدة قد راودتهم أفكار انتحارية خلال ذلك العام. ولكن في نفس العام صدر تقرير أن 30% من الأمريكيين تعرضوا لظاهرة الأماكن المرتفعة، مما يعني أنه لابد من وجود سبب آخر يؤدي إلى شعور الانسان برغبة في القفز من الأماكن المرتفع غير الرغبة في الانتحار، ولكن عدم وجود البحث العلمي الكافي يؤدي لعدم قدرتنا على تحديد هذا السبب.

في النهاية، أن كنت قد شعرت بهذه الظاهرة من قبل ورغبت بالاقتراب قليلا من الحافة فعليك معرفة أن هذا الشعور قد لا يعني رغبتك في الانتحار، بل رغبتك في الحياة. حيث يقول العالِم النفسي ييتس كورويل أن ”بالرغم من غرابة بعض الأفكار التي تراود الانسان وهيئتها المخيفة، إلا أن تفسيرها قد يكون مختلفا تماما.“

مقال من إعداد

mm

سارة ربيع

مصرية الجنسية، طالبة في مجال العلوم السياسة والعلاقات الدولية في جمهورية قبرص الشمالية.

المصادر

عدد القراءات: 6٬674