اجتماعيات

التفكير المزدوج… نظام الحكم في سوريا نموذجاً

نظام الحكم في سوريا

لم يقدّم جورج أورويل، في رواية (1984)، مصطلح التفكير المزدوج (Doublethink) من وحي خياله الخصب فقط، ولكن هذا التوصيف العبقري جاء نتيجة لدراسة متأنيّة ومُستفيضة للفكر الشمولي وأشكال الحكم المختلفة المُنبثقة عنه، والتي تتقاطع جميعاً في كونها ديكتاتوريّة التوجه وسلطويّة الغاية، فحيثما يتواجد هذا الفكر تُسيطر الدولة على كافّة أشكال الحياة وتُصادر أيّ شكل من أشكال الحرية الفردية.

يُعرّف التفكير المزدوج بأنّه القول بالفكرة وعكسِها في الوقت عينه، ولعل الشعارات الثلاثة التي أوردها أورويل في روايته خير مثال عن هذا التفكير: ”الحرب هي السلم، الحريّة هي العبودية، الجهل هو القوة“، وعلى الرغم من أن نظرة سريعة للشعارات الثلاثة السابقة قد تجعلها تبدو مجرد كلام فارغ لا معنى له ولكن، وكما شرح أورويل في روايته، سنُقدّم هنا مجموعة من الأمثلة الواقعية لسياسات ترتبط بشكل مباشر بهذا النوع من التفكير.

نظام الحكم في سوريا:

في 8 آذار/مارس 1963 نجح مجموعة من الضباط العسكريين في قيادة انقلاب عسكري في سوريا، على غرار مصر (1952) والعراق (1958).

على الرغم من التشابه، من حيث الشكل، مع الأنظمة الديكتاتورية التي نشأت في المنطقة، لكن نظام الحكم الجديد في سوريا جاء مخالفاً تماماً من حيث المضمون. فقد نحجت القيادة في سوريا في بناء دولة أمنيّة رفيعة المستوى، يُراقب فيها الجميع بعضهم بعضاً، لا مكان فيها للخصوصيّة ولا قيمة للفرد، وبعد عشرين عاماً فقط من الوصول للسلطة، تم إنشاء طوق حديدي يُطوّق البلاد بشكل تام ويعزلُها تماماً عن الخارج ولا يكاد يتفوق عليه في الإحكام إلا نظام الحكم في كوريا الشمالية.

وبشكل مشابه للرواية تماماً، تم اختزال كامل الدولة ومؤسساتها وتذويبها بالكامل في شخصية واحدة فقط، مع تقديس بلغ حد التأليه، ترافق ذلك مع سحق أي محاولة تمرد على النظام الجديد وتغليف هذه المحاولات بصرخات العمالة والخيانة والعداوة للوطن، انتهاءً باختلاق حرب عبثيّة طويلة لا بداية لها ولا نهاية، تستنزف المُقدّرات وتهلك البلاد والعباد، هذه التفاصيل مجتمعة تجعل من سوريا نموذجاً فريداً يكاد يشابه أوراسيا التي تدور فيها ملحمة أورويل.

لا يرتبط اختياري لنظام الحكم في سوريا بكوني سورياً بقدر ما هو انعكاس لدهشتي من مستوى التكامل الذي يبديه نموذج الدولة الأمنية فيها، ففي حين كانت النماذج الشرق أوسطية نسخة بائسة عن نظام الحكم القمعي الديكتاتوري، فإن نظام الحكم في سوريا لم يطوّر فقط أداة أمنية أمسكت البلاد بقبضة حديدة، لكنه أنشأ مدرسة سياسية مُستقلة يُحتذى بها في فن المراوغة وفي أساليب تشويه الحقائق، وهي ما تزال حتى اليوم تتحف المتابعين بنشاطها الذي يبدو للمراقيبين وكأنه بعالم افتراضي لا يكاد يُوجد في الواقع، تغرق فيه المعلومة في بحرٍ من الإشاعات والأخبار المُضللة، ويُصبح تبيّن أبسط التفاصيل عملاً صعباً شاقاً لا طائل منه في النهاية.

أمثلة عن التفكير المزدوج:

نُورد فيما يلي عدد الأمثلة التي تعكس تطبيقاً عملياً لسياسة التفكير المزدوج، حيث نجد في كل مثال محاولة لتطبيق الفكرة وضدها معاً وفي آن واحد، بشكل يخلق تناقضاً عجيباً يصعب على المرء استيعابه:

– جمهورية ولكن بالتوريث:

شكلت الثورة الفرنسية نقلة نوعية في تاريخ البشرية، ورغم أنها كانت عنيفة وغارقة بالدماء، لكنها كانت الثورة الأولى التي تبدّل نظام الحكم في الدولة، عوضاً عن استبدال الحاكم، ومن بعدها، تحول السؤال الذي شغل البشر منذ نشأة الحضارة إلى ”كيف سنحكم؟“ بدلاً مِن ”مَن سيحكم؟“ وشيئاً فشيئاً حلّت الأنظمة الجمهورية، التي يحكم فيها الشعب نفسه بنفسه، محلّ الأنظمة الملكية التي يتم فيها توارث السلطة باعتبارها حقاً خاصاً لا يتمتع به سوء أفراد السلالة الملكية.

في سوريا وفي عام 2000 م، كان العالم على موعد مع عملية تداولٍ للسلطة من حيث الشكل، وتوارثٍ لها من حيث المضمون [المصدر 1]، حيث توفي الأسد الأب بعد 30 سنة قضاها في سدّة الرئاسة، وجاء الأسد الإبن، الذي لم يكن قد استوفى الشروط الدستورية بعد، ما أدى إلى تعديل شكل الجمهورية بحيث أصبحت تناسب مقاس الأسد الجديد.

تُعرّف الجمهوريّة على أنها شكل من أشكال الحكم الذي تعتبر فيه البلاد أمراً عاماً لا شأناً أو مُلكيةً خاصة، ويتم انتخاب الحكّام فيها بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل الشعب لا عن طريق توارث السلطة، ولعل نظام الحكم في سوريا هو أحد الاستثناءات القليلة جداً التي جمعت بين الجمهورية والتوريث معاً في نظام لا يكاد يشابه أي نظام حكم سابق.

على الرغم من أنّ لفظ الجمهوريّة بقي مُلازماً لسوريا خلال هذه الفترة، لكن ملامح الحكم الملكي ميّزت النظام الحاكم، بدءاً بثنائية الأخوين (حافظ – رفعت) في الثمانينات وانتهاء بثنائية (بشار- ماهر) في العقد الحالي، حيث شكل الطرف الأول واجهة الحكم السياسي للنظام في حين لعب الثاني دور المحرك للآلة العسكرية، بنموذج مطابق لأنظمة الحكم الملكية وبعيد كل البعد عن مؤسسات الدولة وفكرة الجمهورية.

– الحرية كشعار لكن الممارسات الأمنية استثناء:

من الناحية النظرية، ينص الدستور السوري [المصدر 2] في مادته التاسعة عشرة على أن ”الحريّة هي من أسس قيام المجتمع“، وفي مادته الحادية والثلاثين على أن ”الدولة تكفل حريّة الإبداع العلمي والثقافي والأدبي والفني“.

أما دستور حزب البعث العربي الاشتراكي [المصدر 3]، الذي يمثل الواجهة السياسية للنظام الحاكم، فهو يشير صراحة في مبادئه الأساسية إلى أن ”حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنتقصها“.

أما من الناحية العملية، فتبدو الصورة مختلفة تماماً، ويسلط تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي الصادر في عام 2011 [المصدر 4] الضوء على الممارسات الأمنية، المناقضة للدستور، والهادفة بشكل أساسي لمواجهة حرية الرأي والتعبير، هذه الممارسات شكلت العامل الأساسي في الانتفاضة الشعبية التي حصلت في نفس العام، ومنه نقتبس:

”لم تحصل تغييرات تذكر في السياسات والممارسات السورية الخاصة بحقوق الإنسان في العام 2010. استمرت السلطات في انتهاك الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين على نطاق واسع، وفي اعتقال النشطاء السياسيين والحقوقيين، وحجب المواقع الإلكترونية، واعتقال المدونين، وفرض حظر على السفر.

لا يزال قانون الطوارئ، الذي تم فرضه عام 1963 ساري المفعول، وتواصل أجهزة الأمن السورية المتعددة احتجاز الأشخاص دون أوامر اعتقال، وسجنهم بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة. وتصدر محكمة أمن الدولة العليا، وهي محكمة استثنائية لا يوجد فيها تقريباً لأي ضمانات قضائية، أحكاماً قاسية بحق الأكراد والإسلاميين بشكل منتظم.“

وتشير التقارير الحديثة إلى استمرار هذا النهج على نطاق واسع.

– دولة علمانية لكن بعباءة دينية:

لا يمكن الإحاطة بهذا الجانب بمقالة صغيرة كهذه، فالإجابة عليه تتطلب تفكيك بنية الدولة وصولاً إلى أعمق مستوياتها، لفهم التصميم البراغماتي المرّن الذي يُمكّنها من أن تلعب كافة الأدوار المتناقضة في الوقت نفسه، على أي حال وبمعزل عن الجواب الشافي لهذا السؤال، فإنه يشكل نموذجا رائعاً عن التفكير المزدوج.

إنّ توصيف سوريا بأنها ”آخر قلاع العلمانية“ [المصدر 5] في المنطقة، هو أحد التعابير المُكررة التي يعمد الرئيس السوري إلى استخدامها في حضرة القنوات والصحف الأجنبية، ثم يبدأ عادة بشرح مفهوم مشوّه وملتوي للعلمانية يصيب الصحفي المحاور بالذهول من فرط العبارات الركيكة وغير المفهومة والتي تبدو غريبة تماماً عن البيئة السورية، تماماً كمفهوم علمانية الدولة.

في الوقت الذي يواظب مسؤولون رسميون في الحكومة والقيادة السورية على التبجح بالعلمانية، فإن النظام نفسه يقود سياسة ممنهجة تهدف إلى وأد أي تحرك علماني في مهده، وشمل ذلك، ومنذ سنوات قليلة فقط، الإشراف على تمرير دستور جديد [2] للبلاد ينص في مادته الثالثة على ارتباط الدولة بالدين، وسبقه قانون طائفي للأحوال الشخصية [المصدر 6]، تم تطويره قي العقد الماضي، حيث تتلوى مواد القانون كالثعبان بحسب دين المواطن الماثل أمامه، وهنا تماماً، تموت أي محاولة لفصل الدين عن الدولة أو لتحقيق المساواة بين الأفراد، وهما أبسط مبادئ العلمانية.

– من سياسة دولة إلى سلوك أفراد:

بعد أعوام من الممارسة والتطبيق، نجحت القيادة السورية في بلّورة شكل جديد للتفكير المزدوج، فأعادت إنتاجه محوّلة إيّاه من سياسة جماعية للدولة إلى فكر شخصي يمارسه الأفراد.

فعلى سبيل المثال، وفي حين أمضى الشاعر الكبير نزار قباني سنواته الأخيرة في المنفى بعيداً عن بلاده بسبب مواقفه وآرائه [المصدر 7]، عَمَد السفير السوري في الأمم المتحدة إلى الاستشهاد ببيت شعري له في أحد اجتماعات مجلس الأمن [المصدر 8]، في مشهد مغلف بالكوميديا السوداء التي آلمت كل عشاق الشاعر الكبير.

ولعل التصريح الشهير لرئيس الوزراء السوري السابق وائل الحلقي [المصدر 9] هو خير مثال لإسقاط التفكير المزدوج على سلوك الأفراد، فقد نجح رئيس الوزراء في جمع اثنين من أعظم متناقضات الشارع السوري بعبارة وحيدة وبسيطة، ففي الوقت الذي هرب فيه آلاف الشباب السوريين من بلادهم بسبب خوفهم من الاستدعاء للخدمة العسكرية، وصف الحلقي سياسة الحكومة بأنها ”تكافح هجرة الشباب من خلال تشجيعهم على الالتحاق بخدمة العلم“.

خاتمة

يُشكّل نموذج الدولة الأمنيّة في سوريا تطبيقاً عملياً لمفهوم الشمولية، حيث تغيب أي مظاهر تميّز فردية وتسيطر الدولة بشكل مُطلق على كل نواحي الحياة، ويأتي التفكير المزودج ليكون إحدى الأدوات التي تساهم في استمرارية النظام الحاكم.

لا تهدف الأحزاب التي تُطبّق هذا النوع السياسات أو الأنظمة إلى الوصول للسلطة لتحقيق أهدافها، فالسلطة بالنسبة لها هي هدفٌ بحدّ ذاته، والحفاظ عليها هو المرحلة التالية بعد الوصل إليها، مهما كلف الأمر، وعن هذا الأمر يقول أورويل نفسه: ”إنّ السلطة ليست وسيلة بل غاية، فالمرء لا يُقيم حكماً  استبدادياً لحماية الثورة، وإنما يُشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي.“

هذا المقال عبارة عن مقال رأي.