اجتماعيات

دخلك بتعرف الأورويلية؟ (من جورج أورويل)

الأورويلية

النصف الأول للقرن العشرين حمل معه العديد من التغيرات الكبرى على الأنظمة العالمية، فقد شهد ظهور أول بلد شيوعي قوي متمثلاً بالاتحاد السوفييتي، كما أنه كان مرحلة مضطربة مع حربين عالميتين وكساد عظيم والعديد من الأيديولوجيات المتصارعة فيه.

هذا المناخ كان مناسباً للغاية لازدهار الأدب الديستوبي الذي يتخيل عالماً سوداوياً ومظلماً ومعاكساً لما هو معروف باليوتوبيا والعالم الذي تسوده الفضيلة.

ومع أن تلك الفترة حملت معها كتباً عظيمة في المجال مثل ”We“ (نحن) لـ”يوجين زمايتن“ و”Brave New World“ (عالم جديد شجاع) لـ”ألدوس هكسلي“، فأي من هذين الكتابين حقق الشهرة الكبيرة أو التأثير الاجتماعي الخاص بكتابي ”Animal Farm“ (مزرعة الحيوان) و”1984“ للبريطاني جورج أورويل.

كتابا أورويل الشهيران كانا مؤثران للغاية سواء أدبياً أو حتى على الصعيد الاجتماعي، مع كون الأخير (1984) الأكثر تأثيراً كونه لعب دوراً كبيراً بصياغة مفهوم ”الأورويلية“ للتعبير عن حالة من الأنظمة السياسية المتسلطة والتي تستخدم المراقبة والتجسس، بالإضافة للتمويه اللغوي والتلاعب بالألفاظ وتزييف الحقائق والتاريخ لتحقيق المزيد من السيطرة والهيمنة على البشر والأفكار على حد سواء.

ومع أن الكلمة تستخدم اليوم على نطاق واسع (بالأخص ضمن اللغة الإنجليزية) فهي غالباً ما تستخدم بشكل خاطئ للدلالة على الأنظمة الشمولية والدكتاتورية فقط.

مصدر الكلمة وأصل معانيها

كون كلمة ”أورويلية“ مشتقة من اسم الكاتب الإنجليزي جورج أورويل، فهي تابعة لأفكاره ونظرته بخصوص العالم الديستوبي من ناحية بالإضافة لأعماله الأدبية، ومع أن أورويل كان قد كتب عدة روايات خلال مسيرته الأدبية مثل ”أيام بورمية“ (Burmese Days) و”Down and Out in Paris and London“ (متشرداً بين باريس ولندن) فأهم كتابات أورويل بخصوص مصطلح الأورويلية هما كتابه الأشهر ”1984“ (والصادر عام 1949) بالإضافة لمقال كان قد نشره سابقاً باسم ”السياسة واللغة الإنجليزية“.

ولفهم طريقة تكون مفهوم الأورويلية يجب أخذ نظرة سريعة على كل من هاتين القطعتين الأدبيتين.

– السياسة واللغة الإنجليزية:

غلاف مقال ”السياسة واللغة الغنكليزية“ عند نشره ككتيب.

غلاف مقال ”السياسة واللغة الغنكليزية“ عند نشره ككتيب.

نشر هذا المقال الطويل للمرة الأولى عام 1946، وكما يقترح اسمه؛ فهو ينتقد اللغة الإنجليزية ضمن عصره، أو أنه ينتقد طريقة استخدامها على الأقل، فأورويل لطالما كان من المنادين بأهمية اللغة على طريقة تفكيرنا ووعينا وإدراكنا للعالم المحيط بنا والمفاهيم الخاصة به، فاللغة السيئة تعطي أفكاراً ومفاهيماً سيئة، واللغة المضللة التي تخفي معانيها الحقيقية خلف التمويه اللغوي وتغيير المفردات تبعد متحدثها عن ملامسة الواقع وفهمه، وتجعله أكثر عزلة ضمن عالمه الخاص حيث ما يراه كحقيقة يختلف بشكل كبير عن الواقع المحيط به.

كان تركيز أورويل منصباً بشكل أساسي على اللغة التي يعززها السياسيون والشخصيات المؤثرة اجتماعياً، فهو يرى أن اللغة السياسية الحديثة باتت مصممة بشكل يجعلها غامضة وضبابية ودون معنى، لأنها صنعت لإخفاء الحقيقة لا للتعبير عنها.

فوفقاً لكلمات أورويل نفسه: ”[اللغة السياسية] مصممة لجعل الكذب يبدو أكثر صدقاً، والقتل محترماً، وإعطاء مظهر صلب حت للرياح“. هذه اللغة تبدأ من السياسيين لكنها تنتقل كعدوى إلى الآخرين، حيث يستخدمها حتى الأشخاص العاديون الذين لا يريدون إخفاء الحقائق حقاً لكنهم يجدون أنفسهم يقومون بذلك دون نية أو قصد.

التركيز على اللغة ودورها كان عنصراً أساسياً من عناصر بناء الكون الخاص برواية 1984 لأورويل، فالحزب الحاكم (الحزب الإنجليزي الاشتراكي INGSOC) يعتمد بشكل كبير على تحوير اللغة بشكل كامل وإزالة مصطلحات بأكملها أو استبدال مصطلحات بأخرى، فعالم 1984 يعيش المرحلة الانتقالية من اللغة الإنجليزية التقليدية إلى النسخة ”المحسنة“ وفق تعبير الحزب وهي ”Newspeak“، التي تجعل اللغة الإنجليزية السهلة أصلاً تبدو معقدة للغاية مقابلها، فاللغة الجديدة تعتمد التبسيط المطلق للكلمات والمصطلحات من ناحية، مع تعزيز مبدأ ”التفكير المزدوج“ (Double Think) وهو أن تحمل الكلمة وبالتالي الشخص الفكرة ونقيضها في آن معاً.

– عالم 1984 الديستوبي:

رواية 1984

رواية 1984

رواية 1984 هي دون شك أشهر الروايات الديستوبية التقليدية (بصرف النظر عن العوالم الديستوبية الحديثة مثل The Road وThe Handmaid Tales وThe Hunger Games) والسبب في ذلك هو عالمها المعقد والمغري على الرغم من سوداويته الشديدة، وعلى عكس العديد من العوالم الديستوبية الأخرى، فهو ليس نتيجة محاولة فاشلة لخلق يوتوبيا، بل أنه مبني أصلاً ليكون على هذه الحالة السوداوية ولتعزيز نمط محدد من التفكير وتقنين البشرية بشكل شبه كامل ضمن أطر ضيقة.

واحدة من النقاط المشتركة بين عالم 1984 وعوالم ديستوبية أخرى مثل عالم ”We“ لـ”يوجين زمايتن“، هي فكرة الرقابة الدائمة من الحكومة على كل شيء بداية من الحياة اليومية وتفاصيلها، وصولاً إلى الرقابة على الأفكار حتى. هذا الأمر يتطور بشكل أكبر ضمن 1984 ليشرح مفهوم ”جريمة الفكر“ والعواقب الكبرى المتعلقة بالتفكير خارج الصندوق والتغريد خارج السرب، فأي اختلاف يعني إعادة تطويع المخالف قسرياً ليعود إلى ”الحالة الطبيعية“ ويكون مطابقاً لمن هم حوله من الأشخاص.

الأمر المهم في عالم 1984 هو فكرة السيطرة المطلقة على الإعلام ووسائله، فهذه السيطرة تسمح للحكم بتغيير الماضي والواقع وحتى الحقائق المجردة بشكل مستمر لتناسب حاجاته وغاياته في تعميق السيطرة المطلقة على المجتمع وتفكيره. هذه الهيمنة الإعلامية تترافق مع ضخ مستمر للغة جديدة تستثني المفاهيم التي من الممكن أن تهدد حالة الحزب الحالية، ومع الازدواجية المثالية للإعلام المزيف واللغة الجديدة التي تستثني الكثير من المفاهيم؛ من الممكن تحقيق الهدف الأهم وهو إزالة فكرة الثورة أو التغيير من العقول أصلاً عن طريق تعزيز التفكير المزدوج، وتقبل الفكرة ونقيضها في آن واحد.

هل نعيش في عالم أورويلي اليوم؟

THINKPOL

النظرة الأولى للعالم اليوم قد تنفي الفكرة بشكل قطعي لدى الكثيرين، فالعالم اليوم مقسم بين حوالي مئتي بلد مختلف عن الآخر، مع أنظمة حكم تتنوع من تلك الشمولية السلطوية في بعض الأماكن إلى ممالك تقليدية تبدو من القرون الغابرة، وأخرى دستورية وديموقراطية في أماكن أخرى من العالم. لكن العالم اليوم تغير بشكل كبير مع كون العولمة قد غيرت وجه العالم من ناحية، والتقنيات الحديثة باتت تسمح بل وتمكن وجود شك من أشكال الأورويلية ربما.

الناحية الأولى من الأورويلية هي وجود رقابة مستمرة وحثيثة تحيط بحياة الأفراد، ومع أن الحكومات لا تستطيع اليوم مراقبة كل شيء وكل حدث بشكل فعال حقاً، فهناك طرف آخر يراقب ويجمع البيانات من الجميع في كل ركن من أركان العالم، هذا الطرف هو الشركات التقنية اليوم، فكل جهاز إلكتروني متصل عبر الإنترنت يرسل البيانات التي تمر وتخزن عبر المخدمات لتحليلها، ومع أن لا أشخاص حقيقيين يقومون بهذا العمل في الواقع، فالآلات اليوم تعرف عنا أكثر مما كان ”الأخ الكبير“ ليحلم بمعرفته حتى.

الناحية الثانية هي اللغة المموهة، ومع أن اللغة اليوم تبدو كما كانت عليه سابقاً، فهي تتغير وتتحور كثيراً في كل يوم يتم استخدامها فيها، يمكنك مشاهدة الأخبار على قناتين تلفزيونيتين لبلدين عدوين أو جهتين سياسيتين متخالفتين (بشكل مثير للانتباه فالمقارنة بين قناتي ”الجزيرة“ القطرية و”العربية“ السعودية اليوم يوضح الفكرة تماماً). بالإضافة لذلك فنحن نتعرض كل يوم لتغيير ممنهج للكلمات والتعابير، فمن كانوا يوصفون بشكل طبيعي بـ”المعاقين“ سابقاً باتوا ينعتون بـ”ذوي الاحتياجات الخاصة“ لاحقاً وحتى بـ”ذوي الهمم“ مؤخراً في الإمارات مثلاً.

بإضافة ما سبق؛ الواقع المخيف للإعلام اليوم وطبيعته والطريقة المتبعة وضوحاً لتحريف وتغيير أو تزوير الحقائق حتى، يمكن للعديدين أن يبنوا قضية قوية ومقنعة بكوننا نعيش ضمن عالم أورويلي اليوم وربما أورويلي أكثر من عالم 1984 نفسه، لكن على عكس عالم 1984 فنواحي ”أورويليتنا“ لا تساهم جمعياً في تمكين نظام سياسي وحيد أو حزب عالمي مهيمن، بل أنها تخدم اطرافاً عدة وغالباً متنازعة، ومع أنها لا تؤدي إلى دكتاتورية عالمية، فظروف اليوم يمكن التعبير عنها بشكل دقيق بكونها اورويلية.

الأخطاء الشائعة عن الأورويلية

تستخدم كلمة الأورويلية بشكل مكثف في عالمنا اليوم في الإعلام وحتى ضمن النقاشات السياسية، لكن استخدامها الشائع غالباً ما يتطرق لكونها مرادفاً تاماً للدكتاتورية والسلطوية.

ومع أن الأورويلية تتضمن الدكتاتورية داخلها عادة، فهذا لا يعني أن كل دكتاتورية هي أورويلية بالضرورة، بل أن معظم الدكتاتوريات لا تكون أورويلية أصلاً (ولو أنها تحاول فعل ذلك) كما أن الأنظمة الأورويلية قابلة للتواجد دون الدكتاتورية التقليدية المعروفة، أو بشكل مستقل عن الأنظمة السياسية أصلاً وخصوصاً في العالم الحديث الخاضع إلى حد بعيد للإعلام.

الأورويلية هي أي نظام أو حالة من المراقبة الحثيثة من ناحية، مع التعديل المستمر على الأفكار والكلمات المستخدمة وحتى حظر أفكار أو كلمات معينة ومعانيها من الاستخدام. فمع التمويه المستمر للغة والمفاهيم من الممكن تحقيق غايات التحكم والسلطة سواء بشكل مباشر ومرئي كما في عالم 1984 أو الاتحاد السوفييتي (الذي كان مصدر إلهام أساسي لأورويل أثناء كتابته)، أو حتى خفي كما يناقش الكثيرون بأننا نعيش ضمن عالم أورويلي اليوم.

عند استخدام كلمة أورويلية أمامك لاحقاً، حاول اكتشاف المعنى المقصود من قبل المتحدث، فإن كان يتحدث عن المراقبة الدائمة والتلاعب باللغة وتمويه الأفكار وتغيير الأمور بالخفاء، فهو يتحدث عن الأورويلية حقاً، أما إذا كان يتحدث مستخدماً الكلمة كبديل أو مرادف للدكتاتورية والسلطوية فحديثه بحد ذاته يندرج تحت مفهوم الأورويلية كونه يستخدم مصطلحاً خارج معناه الحقيقي مما يساهم في تمويهه أكثر.

عدد القراءات: 1٬215