أقصوصة

صانع الدمى

صانع الدمى

كيف لم يخطر ببالي تفادي خطأ كهذا؟! كنت أتصبب عرقاً، وأتلفّت كالمجنون، أتحيّن التوقيت والفرصة المناسبة كي أمد يدي لسائق سيارة الأجرة بقطعة المائتي شيقل؛ بصراحة، لو كنت مكانه وقام أحد الركاب بدفع مائتي شيقل ”استفتاحية الصباح“ مقابل أجرة اثنان شيقل فقط، كنت سأسامحه بالمبلغ بكل تأكيد، ولكنني سأتحقق من مكان إقامته عندما يترجّل من السيارة، وسوف أرسل اليه في صباح اليوم التالي بمغلّف يحتوي على مائتي شيقل مزوّرة، أضع على ظهرها الشيفرة الشهيرة 00100 وبداخل المغلف كمية من الجمرة الخبيثة كفيلة بتحويله إلى جثّة كلب هامدة، وسأحرص على حضور صلاة جنازته، حتى ألعنه في السجود بما يكفي لضمان انتقاله إلى جهنّم الحمراء، ثم أتأكد من مكان قبره حتى أعود فيما بعد كي أتبوّل عليه.

قبل أن نصل بعشرة أمتار فتحت المحفظة وأخرجت المائتي شيقل وقلت ”تفضّل“… نظر السائق إليها وكأنها شعرة عانة رجل سقطت للتو في كأس حليب طازج وقال ”مسامح يا عمي، ما معي فكّة“، والرجل على حق! ”مين معاه فكّة ميتين شيقل من طيز الصبح؟“

شكرته وترجّلت من السيارة ولم اذهب إلى المنزل مباشرة. ذهبت أولاً إلى البقالة وتجوّلت بداخلها لعشر دقائق دون أن أجد شيئاً يستحق الشراء، ففي جيبي علبة سجائر لم ينقص منها إلا سيجارتين، فكّرت سريعاً، وقررت أن أزور جمال ابن عمي الذي يبعد بيته عن بيتي سبعون متراً فقط بحجة أنني اشتقت إلى احتساء فنجان قهوة معه.

استقبلني متفاجئاً وعيناه شبه مغمضتين، ومعه كل الحق؛ فنحن لم نشرب فنجان قهوة سوياً طيلة حياتنا سوى مرة واحدة، كانت في عزاء والده، ثم من يشتاق إلى شخص ثقيل الظل وممل وقبيح وفاشل في الثلاثينيات من عمره ولا عمل لديه سوى انفاق الثروة الطائلة التي تركها له والده؟ لكنه الخيار الأمثل، فبيته قريب، ومن غيره سيكون في بيته صباحاً وايّاي؟ ولكن والدي لم يترك لي سوى باقي قرض شخصي كان قد أنفقه على قحبة روسية، وأنا أعمل لقاء راتب شحيح في الوردية الليلية للرد على مكالمات المماحين في قسم الدعم الفني في شركة لبيع حقوق قنوات مشفّرة، ولو أقدم سائق سيارة الأجرة على قتل جمال عن طريق الجمرة الخبيثة سيكون ذلك بمثابة خدمة يسديها لكوكب الأرض!

خرجت من بيت جمال عصراً ظناً مني أنها مدة كافية لتضليل سائق سيارة الاجرة وكنت في طريقي إلى بيتي عندما تلقيّت رسالة من صديقي وجدي صانع الدمى يقول فيها أن لديه سيجارة حشيش فاخرة يرغب بمشاركتها معي – كالعادة في مقبرة عائلته المحاذية لمنزله، فأرسلت إليه بأنني في طريقي إليه، فبيته يبعد خمس دقائق سيراً على الأقدام وأنا مشتاق إلى سيجارة حشيش معه.

عندما وصلت إلى وجدي كان قد تجرّع نصف السيجارة وترك لي النصف الآخر، كان يراقب تحت قدميه مجموعة من النمل تجمّعت حول مصاصة. لم يسمح لي بالتحدث أبداً، كان مرتبكاً جداً واسهب يتحدث وحيداً: ”انظر إلى النمل كيف يلتهم بنهم هذه المصاصة التي سقطت من السماء، لا شك أن هذا النمل يشكر ربّه الآن على هذا الرزق، ولكن، ماذا لو علم النمل أن ربّها هو ابن أختي الصغير والذي اسقط هذه المصاصة صباح اليوم بفعل صفعة مدوّية تلقاها من والدة ربّهم الحمقاء لإسكاته عن الغناء في حضرة القبور… ماذا لو كان هنالك كائنات عملاقة جدا تعيش في سماءنا، وما المطر إلا بولها والثلوج منيها؟ ألا يفسّر هذا كثير من الظواهر الجوّية المتقلبة والأمطار المفاجئة!؟ ألا يفسّر سبب سقوط الثلوج في الصحراء؟! ربما كانت سماء الصحراء مكاناً مناسباً للمضاجعة أو الاستمناء في ذلك اليوم!“

هذا هو وجدي على أي حال، فنّان وصانع دمى وعاشق للحشيش والمواد المخدرة، ولطالما قال أشياء عجيبة عندما تبدأ خلايا دماغه في الموت عند تعاطي الحشيش، ولكنه في هذه المرة أصبح يرتجف ويبكي، شعرت بالقلق الشديد عليه فاقتربت منه استفسر عن سبب كل هذا الانعكاس المفاجئ، فاخبرني أنه مرعوب، وأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر…

”منذ عدة شهور كنت قد شربت سيجارة مارجوانا كاملة وحدي خلال الليل وأنا اعمل على صنع الدمى، لقد صنعت أقبح أربع دمى عرفها التاريخ ربما، وعندما استيقظت صباحاً ووجدتها قمت بوضعها في مخزن الخردة وقلت حينها، لو أنني آلهة وخلقتك على هذه الشاكلة ودبّت فيك الروح لقتلتني حتماً. وبعد أيام قليلة وجدت رسالة تهديد بالقتل تحت باب البيت الرئيسي، موقّعة باسم تنظيم الدمى القبيحة، وبحثت عن تلك الدمى الاربعة في المخزن ولم اعثر عليها ابداً“…

انفجرت ضاحكاً وقلت له بأن ”هذا الصنف من الحشيش فاخر حقاً، فلقد حوّلك من مجرد صانع دمى إلى آلهة!“ نظر نحوي بعينين حمراوين وامرني غاضباً بالخروج من منزله فوراً…

كنت سأرحل على أي حال، فموعد ورديتي الليلية يبدأ بعد ثلاث ساعات ولم أنم حتى تلك اللحظة، ذهبت إلى المنزل وخلدت للنوم، استيقظت واستحممت وتهيّأت للذهاب إلى العمل، نزلت الى الشارع فمرّ جمال ابن عمي ثقيل الظل بسيارته الفارهة وعرض علي ”توصيلة“ إلى مكان عملي مقابل المفاجئة الصباحية اليوم، فلم أرفض…

بعد ثمانية ساعات من العمل على حل مشاكل المماحين التقنية ليلاً، خرجت من مكان عملي الساعة السابعة صباحاً، بعد أن شربت فنجان قهوة وقرأت خبراً عجيباً في الصحيفة اليومية نقلاً عن وكالة اسوشيتد بريس مفاده أن طفلاً في الثامنة من عمره أقدم على قتل أمه وأبيه وهم نيام وترك بجانبهم رسالة مبهمة بلغةٍ غير مفهومة قبل أن تأتي الشرطة إلى مسرح الجريمة…

نزلت إلى الشارع وأشرت بيدي لإيقاف سيارة اجرة، وبينما كنت أركب رنّ هاتفي الخليوي، تحرّكت السيارة والشرطي يخبرني بأنّهم عثروا على جثة وجدي مقتولاً في المقبرة وأن رقمي هو آخر رقم اتصلت عليه الضحية ويطلب مني الحضور فوراً إلى مركز الشرطة لاستكمال التحقيقات.

شيئاً آخر خطر ببالي فجأة… نظر إلي سائق سيّارة الاجرة وأنا مرتبك… ابتسم وظهر سناً ذهبياً مكان أحد أنيابه وقال: ”شو ؟ شكلك ما صرفت الميتين شيقل؟“

عدد القراءات: 1٬725