اجتماعيات

الرقص لكسر تابو الجندرة… كيف فتح (ألكسندر بوليكيفيتش) آفاق الرقص البلدي العربي

ألكسندر بوليكيفيتش

”إن الجسد السليم، يتكلم بكل إخلاصٍ وبكل صفاء، فهو كالدعامة المربعة من الرأس حتى القدم، وليس بيانه إلا إفصاحا عن معنى الأرض، ما الجسد إلا مجموعة آلات مؤتلفة للعقل، إن ما يجب أن أومن به يجب أن يكون راقصا“ ينادي (زرادشت) من الجبال، وما (زرادشت) إلا لسان (نيتشه)، ذلك الفيلسوف الذي ارتبطت فلسفته بالجسد، وطرح مفهوم الرقص ليعبر عن ”الإنسان الأعلى“ مع ”العلم المرح“.

بالإضافة لربط نيتشه الرقص بالفلسفة، فإن الرقص من أقدم أشكال التعبير عن الذات، ولازم العديد من الحضارات بجوانبها المختلفة كالثقافة والتاريخ والطقوس، وعبر عن مفاهيم سائدة في المجتمع، ولطالما كان الجسد هو أداة الرقص الأساسية، الذي تغيرت النظرة تجاهه عبر الزمن، فالإنسان بتفكيره لم يستطع التعامل مع آلاف المتغيرات والأنواع فقولبها ونمطّها، ومع مرور الزمن التزم بهذه الأنماط وأصبحت من المحرمات بحيث لا يستطيع أحد تغيير نظرته لها، فحصر الأنواع البشرية بذكر وأنثى وقام بجندرة الأشياء ومنها الرقص.

فنحن العرب كمثال شائع على البقاء في قوقعة الجنس والجندر واعتماد الصورة النمطية، لا يخطر في بالنا -حتى الآن- عند سماع عبارة ”رقص شرقي“ غير امرأة مكتنزة بجسد مغري تتراقص على أنغام الطبلة في أحد الكباريهات، وأمامها جمهور من الرجال المستثارين جنسياً، وحتى لو لم نفكر أن بإمكان الرجل الرقص، فإن هذه النظرة الدونية للرقص الشرقي الذي تمارسه النساء هو بحد ذاته أمر معيب.

أما الآن، فهل مازال الرقص حكراً على النساء؟

ألكسندر بوليكيفيتش في أحد عروضه المتميزة.

ألكسندر بوليكيفيتش في أحد عروضه المتميزة.

(ألكسندر) يرقص البلدي، ويخبرنا عن التحديات والدعم: ”الرقص حركة، ولا يهم الجسد الذي يؤديها، فالحركة هي الأساس وليس الجسد“، يقول (ألكسندر بوليكيفيتش) في حوار خاص لموقع ”دخلك بتعرف“.

ويعرّف ألكسندر نفسه للجمهور العربي بأنه راقص ومصمم رقص لبناني، يعمل على الرقص البلدي، وهو مصرّ على تسمية ”الرقص البلدي“، ويفسر ذلك ”بأننا شرقيون، وقد وصل المفهوم لغيرنا بشكل غامض، فقد قام المستشرقون بتمسيته بالرقص الشرقي بحكم موقعنا بالنسبة لأوروبا كشرق متوسط“، ويقول بأن الفن الذي يقدمه هو مقاربة معاصرة للرقص البلدي ويحاول فتح آفاق جديدة لهذا الفن، بدءاً من الكباريهات والمطاعم والحفلات الخاصة وصولاً إلى المسارح والمتاحف العالمية، في محاولة لجعل العالم يحترم هذا الرقص بوصفه فناً راقياً.

والبلدي هو أسلوب حضري للموسيقى مع جذور تمتد في الموسيقى الشعبية المصرية التي يعود تاريخها إلى أوائل القرن العشرين، والرقص البلدي هو شكل من أشكال الرقص الشرقي Belly Dance الذي تقوم فيه النساء باستخدام أجسادهن للتحرك بشكل حسي وإيقاعي مع الموسيقى، وينحصر الرقص البلدي بالنساء بشكل صارم في العالم العربي، وهو مايعمل (ألكسندر) على تغييره.

ألكسندر بوليكيفيتش في أحد عروضه

ألكسندر بوليكيفيتش في أحد عروضه.

وعن سؤاله حول كيفية بدء هذه الفكرة لديه وتبلورها لتصبح ما هي عليه الآن يقول: ”جاءت الفكرة خلال دراستي في الجامعة في (باريس)، وكان لدي هاجس وقتها لأعود إلى بلدي وأصبح ناجحاً وأكون مقبولاً بين أطياف مجتمعه، وكنت محتاراً كيف أعود لأمارس الرقص أمام جمهور يقلل من قيمته وليس لديه احترام له، فقمت بتجربة ذلك لتكون المحاولة الأولى من خلال أول عرض لي في بيروت عام 2009، وكانت طريقة لفتح آفاق، أو بالأحرى اقتراحات لفتح آفاق جديدة للرقص البلدي، وبذلك كسرت كل القوالب والأفكار المسبقة التي يمكن أن يكونها الناس“.

وإذا ما تساءلنا عن الصعوبات التي قد تواجه ”راقص البلدي“، أو من قد يعترضه أو يدعمه، يشرح هو قائلاً: ”كسرت بعملي هذا الصورة النمطية التي يمتلكها الناس، وقد فاجأ هذا كثيراً منهم، إلا أنني وللصراحة تلقيت الدعم من كل الناس بمن فيهم الذين يكرهون رقص الرجل، لأنهم شعروا بقيامي بعمل لم يروه مسبقاً ولم يرغبوا في إحباط شاب يبدو أن لديه مسيرة، حتى لو لم يحبوا ذلك“، ويضيف: ”وقف بجانبي كل من الصحافة والجمهور، وأساس جمهوري هم الناس الذين يكرهون أن يرقص الرجل، وهذا يسرني، لأن هذا هو في النهاية هدف الفن، أن يستطيع تغيير المجتمع“.

كسر القوالب الجندرية ومحو الحدود بين الرجل والمرأة في الجسد:

ألكسندر بوليكيفيتش

ألكسندر بوليكيفيتش

بالحديث حول الصفات الشكلية لـ(ألكسندر)، وفيما إذا كانت تقارب صورة المرأة، أو أن حركات الرقص ذكورية أم أنثوية يشرح قائلاً: ”لا يوجد شيء في القرن الواحد والعشرين اسمه رقص رجل ورقص امرأة، الرقص هو حركة، وإذا ما اتفقنا أن الرقص حركة، لا يهم الجسد الذي يؤديها، لذلك الحركة هي الأساس وليس الجسد“، ويضيف: ”بإمكانكم القول أن قالبي نسائي، لكنني أركز على الجندر، وكسر القوالب الذكورية، ومحو الحدود بين الرجل والمرأة في جسدي، فأنا لا أتشبه بالمرأة، لكنني أكسر نمطية الذكورية التي نحن نراها باستمرار، ولا نراها إلا بطريقة معينة“.

لا يوجد شيء في القرن الواحد والعشرين اسمه رقص رجل ورقص امرأة، الرقص هو حركة، وإذا ما اتفقنا أن الرقص حركة، لا يهم الجسد الذي يؤديها

لا يوجد شيء في القرن الواحد والعشرين اسمه رقص رجل ورقص امرأة، الرقص هو حركة، وإذا ما اتفقنا أن الرقص حركة، لا يهم الجسد الذي يؤديها

ويرى الراقص اللبناني، أن الرقص البلدي يجب أن يخرج من قالب المرأة التي ”تهيّج“ الرجل، وترقص له بغرض الإثارة الجنسية، وما يعمل عليه ليس إلا كسر هذه الصورة والابتعاد عن حصر الرقص بهذا الشكل، وفتح آفافه، ويجد أن في لعبه على صورة الرجل والمرأة ودمجهم ببعض غنىً له، وميزة فيه تجعل الناس تنتظره وتميزه.

ولفت إلى وجوب كسر نمطية أخرى هي ”الفرفشة بالرقص“، فيقول: ”توجد نقطة أساسية، وهي أني لا أعمل لأرضي الجمهور، بل على العكس أقوم بإزعاجه وأعمد لإخراجه في حالة انزعاج، فالرقص هو أمر آخر بعيد عن الفرفشة، فنحن نستطيع من خلاله إعادة النظر في قضايا المجتمع، وجعله فناً قادراً على إيصال فكرة أخرى غير المرأة التي ترقص لإثارة رجل، كالتكلم عن الموت، والمشاكل، والحروب، والدم، والاغتصاب، وهي أشياء يهمني العمل عليها“.

من ”ميترو المدينة“ نحو العالمية:

ألكسندر بوليكيفيتش في أحد عروضه الفريدة.

ألكسندر بوليكيفيتش في أحد عروضه الفريدة.

بخفة ورقة وتقنية عالية، ورقص يخرج عن إطار الإغواء الجنسي، اعتاد الجمهور مشاهدة (ألكسندر) يرقص على خشبة مسرح ”ميترو المدينة“ في بيروت، ولعل أبرز عروضه هو ”بلدي ياواد“، وهو ليس بالجديد على ساحة الرقص، فقد قدم الرقص البلدي في عدة عروض سابقة، كعرض ”محاولة أولى“ في 2009، و”تجوال“ في 2011، و”إلغاء“ في 2013.

وقد وصل اسم (ألكسندر بوليكيفيتش) إلى العالمية، للصحافة الأميركية والسويسرية والألمانية والهولندية، وبنى تاريخاً حافلاً بالإنجازات في فترة قصيرة نسبياً، فقد افتتح أول معرض تاريخ الرقص البلدي في باريس في أحد أهم المتاحف العالمية المعاصرة، فيقول: ”من خلال عملي وعمل بعض الأشخاص، شعروا بأن لديهم إرادة في إنشاء معرض عن الرقص البلدي، استطعنا الوصول لمستويات عالية جداً، ومسارح مهمة جداً، (والخير لقدام)“.

جمهوري هم الناس الذين يكرهون أن يرقص الرجل، وهذا يسرني، لأن هذا هو في النهاية هدف الفن، أن يستطيع تغيير المجتمع

جمهوري هم الناس الذين يكرهون أن يرقص الرجل، وهذا يسرني، لأن هذا هو في النهاية هدف الفن، أن يستطيع تغيير المجتمع.

وذكر لنا بأنه قدم عروضاً في كثير من البلدان كفرنسا، وسويسرا، وألمانيا، وأمريكا، وحالياً سيفتتح عرضا جديدا في الـ15 من الشهر الجاري بعنوان ”أدبّه لي“ مع الراقصة ومصممة الرقص نانسي نعوس، وهو عن تركيب الرجولية في العالم العربي، وسيفتتح أول مهرجان رقص عربي معاصر في معهد العالم العربي بباريس في الثامن عشر من أبريل، كما سيقوم بجولات في اسطنبول وتونس في مايو ويونيو، وعرض آخر في لندن في شهر يونيو، وهو متحمس لتقديم العروض في فنلندا السنة القادمة، ويقول بأن العالم مهتم جداً لما يقدمه من عروض.

وفي ختام حواره مع موقع ”دخلك بتعرف“ وجه (ألكسندر) رسالة للشباب العربي، وخصوصاً ممن يهوى الرقص ولا يمتلك الجرأة على ممارسته: ”إن كان هنالك رسالة وحيدة، فهي أن تتقبلوا أنفسكم، أرجوكم لا تقسوا على أنفسكم، قد يقنعكم المجتمع أو من يحرّف الدين بعكس ذلك، لكنهم مخطئون، يجب عليكم أن تستمعوا للصوت الذي ينبع من داخلكم، ويجب أن يصبح أولويتكم وليس العكس، لا تخفوه لأنكم بذلك ستعيشون حياة تعيسة، ونحن لا نعيش إلا مرة، فعيشوا بفرح، وبرضى عن أنفسكم، فأن يحيا الشخص برضى عن نفسه ولو لم يملك قرشاً فهو قد ملك الكون“.

عدد القراءات: 1٬543