اجتماعيات

العزف الحلال والرقص على أبواب الجنة.. حينما تصبح الموسيقى من تمام الدين

اختلاف الثقافات المبنية على تاريخ طويل من القصص والمعتقدات الدينية قد يدفع بك إما للسجود والركوع وتقديم النذور أو للرقص والتمايل مع نغمات موسيقى ما، سعيًا في كلتا الحالتين إلى بلوغ الرقعة المضيئة في الحياة الأخرى سواء كانت تدعى ”جنة“ أو ”ملكوت السماء“، لذا ببساطة قد يتحول نفورك من أشياء محرمة كالمعازف مثلا إلى عشق ومداومة عليها إذا ما اختلفت عقيدتك باختلاف محل ولادتك، وقد تتحول أنت شخصيًا إلى راقص إذا ما علمت أن رقصتك هي طريقة تعبدك إلى إله ما، عسى أن تذهب بك خطواتك إلى أبواب النعيم المنتظر.

البداية مع الهندوسية.. العبادة أن نرقص جميعًا

مهرجانات الديانة الهندوسية

إذا ما آمن أحدكم بأن الرقص هو إحدى الطرق إلى الجنة حقًا، فبالتأكيد ستكون تلك الجنة مليئة بملايين الهندوس الذين اتخذوا من الرقص والعزف طقوس لأداء صلواتهم، حتى أنهم أقاموا مهرجانات لإتمامها جماعًة، حيث تقول الاسطورة أن الإله (شيفا) يحافظ على توازن الكون كله عن طريق الرقص بمساعدة البشر للتغلب على خطط الشياطين.

تطور الأمر لدى شعب الهندوسية إلى الإعتقاد بأن نجاتهم في الدنيا سيأتي عن طريق مهرجانات مثل (راما نافامي) الذي يستمر لمدة 9 أيام من الرقص والسباحة، و(نافراتري) الذي يُعد احتفالًا بانتصار الخير على الشر، وتقدّم خلاله القرابين والصلوات والرقصات احتفالاً بالآلهة (دورغا)، وأخيرًا هناك مهرجان (كومبه ميلا) الذي يمثل محراب الحج لديهم، حينما تُمحى جميع ذنوب الحُجاج مع إتمامهم لأخر خطواتهم الراقصة.

الكونفوشيوسة ومفهوم الـ”لي“

الرقص الصيني

مجموعة من المعتقدات والمبادئ الفلسفية في الصين، أخذت تسميتها من مطورها الأعظم (كونفيشيوس)، الذي تبنى فكرة توحيد النظامين السياسي والإجتماعي لضمان ما أسماه ”عافية الدولة الصينية“، ليظهر مفهوم الـ”لي“ وهو عبارة عن شعائر وممارسات دينية من الموسيقى الصينية، التي وفقًا لرؤية كونفيشيوس؛ سوف تُنتج بالتبعية مواطنين على قدر من السعادة والرضا والفضيلة، مما يضمن للدولة انضباطهم في احترام القوانين ورفع انتاجية العمل في آن واحد، حتى أنه أمر بتحويل القصائد إلى مقطوعات موسيقية تُتلى من أتباع الكونفوشيوسية ويرافقها أداء حركات راقصة مُحددة حتى يستطيع الجميع الوصول إلى الطاقة الروحانية الخالصة.

البلاكفوت.. نرقص لنتصل بالعالم الخارق

رقصة الشمس

تؤمن إحدى قبائل السكان الاصليين في الولايات المُتحدة الأمريكية، والمُقيمين حاليًا في ولاية (مونتانا) ومقاطعة (ألبرتا) الكندية، أن هناك عالم آخر خارق يوجد فوق عالمنا هذا، وللتواصل مع ذلك العالم غير المرئي يجب تأدية بعض الرقصات والأغاني مثل ”رقصة الشمس“ مما يمكنهم من رؤية الأرواح، وبعيدًا عن الأمور الروحية فمعتنقي تلك الديانة يلجؤون إلى الرقص لتلبية حاجاتهم اليومية من الغذاء، مثل رقصة ”العشب“، ورقصة ”البافالو“ لجذب الجاموس.

ديانة الفودو والرقص لجلب الأذى

الفودو

إذا ذهبنا إلى غرب أفريقيا ومنها إلى منطقة الكاريبي وتحديدًا إلى (هايتي) سوف نجد أن أتباع الديانة الفودوية مارسوا الرقص وعزف الألحان كطقس رئيسي للتغلب على الأشرار، حيث تعتبر تلك الديانة من أشهر الديانات التي تعتمد على ”السحر الأسود“ في عملية الأذى بدنيًا ونفسيا، وبالطبع يجب أن يرافق ذلك مراسم معينة من العزف والرقص مع غرس دبابيس اللعنة في دمى تشبه أعدائهم.

ويحتفل أتباع الفودو كل عام بعيدهم المقدس تزامنًا مع عيد الفصح لدى بعض الطوائف المسيحية، حيث يتجمعون في (بورت أو برنس) عاصمة (هايتي)، مُرتدين الزي الأبيض ليقدموا الأضاحي مع قرع الطبول والرقص.

الأديان الإبراهيمية والرقص بين الحرام والروحانيات

الرقص الصوفي

بالتأكيد لم تخلو الأديان الإبراهيمية من بضع مظاهر وقصص ذُكر فيها الرقص والعزف أحيانًا على الرغم من تحريم ذلك نصًا في بعضها، فالعهد القديم مثلًا يُخبرنا بأن مريم أخت موسى رقصت فرحًا مع الدق على الدُف بعد عبور البحر الأحمر، كما رقص وتغنى بني إسرائيل للعجل الذهبي مستغلين غياب موسى بسبب تواجده أعلى الجبل في مهمة استلام الشريعة من الله، الأمر الذي أغضب هارون، ليس لأنهم قاموا بالرقص والغناء ولكن لأنه رأى منهم تقديس للعجل الوثني فقط.

أما المسيحية فتحكي لنا قصة حادثة عابرة وقعت فى عهد المسيح حينما انقسم بعض الصبية إلى فريقين ليقوموا باللعب على طريقتهم، حيث يقوم القسم الأول بالغناء ويرد عليه القسم الثاني بالرقص ليعود القسم الأول للبكاء ويتبعه القسم الأخر باللطم، ولكن بسبب تقاعس الفريق الثاني عن تأدية المطلوب منه ظل الفريقان يتعاتبان في طريق العودة قائلين: {زمّرنا لكم فلم ترقصوا. نحنا لكم فلم تلطموا}، ويؤمن المسيحيون أن يسوع ذكر تلك القصة للسامعين لكي يضرب لهم مثلًا بعدم سماعهم لتعاليمه واتباعها.

فيما تظل مسألة الرقص والعزف تمثل خلافًا هائلًا بين الصوفية والسلفية في الدين الإسلامي، حيث يعتمد الفريق الأول على بعض المظاهر الراقصة التي تساعدهم على الإرتقاء الروحي، وتجد في معظم صور طقوسهم شخص يتمايل مرتديًا تنورة رقص مع أنغام الإنشاد والمديح أحيانًا كنوع من أنواع الذكر المُسمى برقص سماع.

لذا إن كنت من هؤلاء الذين يعشقون الرقص والغناء، فقد تكون محظوظًا إذا ولدت لتجد نفسك مؤمنًا بديانة ما تتخذ من الرقص طريقًا للعبادة، حينها سوف تهرع إلى الصلاة قبل ميعادها حتى بخطوات سريعة أو من الأفضل أن نقول بخطوات راقصة.

عدد القراءات: 1٬060