اجتماعيات

ما نظرة المجتمعات للدورة الشهرية في القرن الواحد والعشرين؟

نظرة المجتمعات للدورة الشهرية
mm
كتابة: سارة ربيع

بالرغم من التقدم الذي وصل له إنسان القرن الواحد والعشرين في مختلف المجالات العلمية والفكرية، إلا أن هناك العديد من المعتقدات الرجعية المرتبطة بالدورة الشهرية أبت المجتمعات التخلص منها. قد يعتقد الكثيرون أن هذه الأفكار منبعثة من العادات والتقاليد، ولكننا لا يمكننا إلقاء اللوم على العادات والتقاليد فقط. فمن السهل أن نشير بإصبع الاتهام للعادات والتقاليد التي حكمت على المرأة بتهمة ”النجاسة“ خلال حيضها، ولكن إذا ما نظرنا للمجتمعات الغربية الموصوفة بالتحضر، سنجد أن النساء في هذه المجتمعات أيضاً يقعن تحت وطأة الكثير من الأفكار الخاطئة المتعلقة بالحيض، حتى وإن كانت أكثر حداثة.

فالتحرر العلمي والثقافي لا يعني بالضرورة تحرر المرأة من وصمة العار الموصولة بالحيض منذ تكون المجتمعات. فما الاختلاف بين نظرة المجتمعات الشرقية والغربية لهذا الجزء الأساسي من حياة المرأة؟

يجري الاعتقاد في العديد من المجتمعات الشرقية، وخاصة الشرق آسيوية، أن تلك القيود المفروضة على المرأة الحائض ليست سوى إجراءات احتزازيه لحماية المجتمع. على سبيل المثال، يعتقد أفراد قبيلة الكودي الإندونيسية أن المرأة الحائض حاملة لأمراض جنسية عديدة، وتقوم بنقلها للرجل إذا ما تم الجماع خلال فترة الحيض.

قبيلة الكودي الإندونيسية

قبيلة الكودي الإندونيسية

وينتشر حظر الجماع أثناء الحيض في المجتمعات الراستافارية والإسلامية والارثوذكسية اليهودية. وأما في المجتمعات الهندوسية وبعض القبائل النيجرية، تُعزل المرأة خلال فترة حيضها في ”أكواخ الحيض“، وهي أكواخ بعيدة عن المدينة تُنفى فيها المرأة طيلة فترة الحيض وذلك لاعتقادهم باحتواء دم الحيض على الأمراض. قد اثبتت حالات وفيات عديد لنساء قضين في هذه الأكواخ بسبب البرد أو الجوع أو التلوث.

تُمنع المرأة الحائض في نيبال وبالي وبنجلاديش من طهي الطعام أو الاقتراب من أطعمة الغير. وتمتد فكرة نجاسة المرأة الحائض في الكثير من الديانات مثل الإسلامية والهندوسية وديانة الشينتو (وهي ديانة منتشرة في اليابان) فتجد أن الحائض تٌمنع من التعبد أو زيارة الأماكن المقدسة خلال فترة حيضها، وعليها التطهر من الحيض لمعاودة ممارستها للعبادات.

امرأة من النيبال تتطهر لغرض تعبدي في النهر المقدس Bagmati

امرأة من النيبال تتطهر لغرض تعبدي في النهر المقدس Bagmati

في راجستان، تمنع المرأة من عبور الشارع بمفردها أثناء حيضها، وذلك لاعتقادهم أن الحيض يصيب المرأة بالوهن، وتكون معرضة للإيذاء من قبل الأرواح الشريرة. ولنفس السبب على المرأة الحائض حمل قطعة من الحديد أثناء فترة حيضها في جنوب الهند للدفاع عن نفسها في حال تعرضت للأذى من قبل الأرواح الشريرة.

على الرغم من المحظورات العديدة والقاسية التي تخضع لها المرأة في المجتمعات الشرقية، إلا أن هذه المجتمعات تشتهر بإقامة الطقوس الاحتفالية عند بلوغ الفتيات. ولعل أكثر هذه الطقوس غرابة تٌقام عند قبيلة البالس في البنغال، حيث يتم خلط دماء الحيض بالحليب وحليب جوز الهند والسكر وعصارة جذاع شجر النخيل. يُقدم الخليط لحضور الحفل ويُعتقد أن الخليط يعمل على تقوية الذاكرة ومنح الصحة والسعادة والحب.

أما بالنسبة للمجتمعات الغربية، فيمكننا رؤية الشوط الكبير الذي قطعته بعيداً عن الأفكار الرجعية المتواجدة في الجانب الشرقي من العالم، ولكن هذا لا يعنني بالضرورة أنها تخلصت تماما من الصورة السلبية للحيض.

فيمكننا وضع الكثير من علامات الاستفهام على كيفية تصوير الحيض في وسائل الاعلام الغربية، فلقد مُنع استخدام السائل الأحمر اللون في الإعلانات التسويقية للفوط الصحية وغيرها من المستلزمات الصحية الخاصة بالدورة الشهرية. فاستبدال اللون الأحمر بلون مطهر الملابس الأزرق ليس إلا دليل على عدم تقبل للمجتمع الغربي تماماً لماهية الدورة الشهرية وطبيعتها.

اعلان ترويجي للعادة الشهرية

اعلان ترويجي (على اليمين) سنة 1940 يظهر فتاة متذمرة من كونها أنثى، وإعلان أخر سنة 2009 (على اليسار) يظهر لاعبة التنس Serena Williams تروج لنفس المنتج. يمكننا رؤية الشوط الكبير الذي قطعته المجتمعات الغربية

وبالإضافة لذلك، فمناقشة الحيض بعلانية لايزال يعتبر ضرب من الوقاحة عند الكثير من الغرب، فعلى المرأة إخفاء أي أعراضٍ للحيض وتفادي مناقشة الأمر.

وبالرغم من التقدم الملحوظ عند المجتمعات الغربية مقارنة بغيرها من المجتمعات في دور المرأة في مجال العمل، ينتشر التصور أن المرأة تفقد اتزانها النفسي والانفعالي خلال حيضها، فتصبح غير قادرة على اتخاذ القرارات والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين. فتصبح المرأة انفعالية وتفقد قدرتها على التركيز والسيطرة على نفسها، فأصبح أي تصرف انفعالي يصدر من المرأة يُنسب تلقائيا لكلمتي ”الدورة الشهرية“ ويقابل في أغلب الأحيان بالاستهزاء والتجاهل.

يتضح لنا بعد مناقشة المجتمعات الشرقية والغربية أن اختلاف المظهر الخارجي والتصرفات قد لا يعني اختلاف القواعد الأساسية للفكر، حيث النساء الشرقيات لا يزلن يخضعن لتقاليد ومعتقدات عارية من الصحة تم تكوينها منذ مئات السنين، وفي الجانب الآخر من العالم تجدن الفتيات الحديثات البلوغ صعوبة في تقبل طبيعة أجسامهن، حيث نجحت وسائل الإعلام الغربية بتصوير الدورة الشهرية بصورة لعنة شهرية لا فرار منها، وانتشرت أفكار خاطئة عن الحيض عند أغلبية أفراد المجتمع.

مقال من إعداد

mm

سارة ربيع

مصرية الجنسية، طالبة في مجال العلوم السياسة والعلاقات الدولية في جمهورية قبرص الشمالية.