اجتماعيات

مافيا تعذيب وعمالة الأطفال

مافيا تعذيب وعمالة الأطفال
هذه الصورة لا علاقة لها بالاحداث

في عصر غابت فيه كثير من حقوق الإنسان، لاسيما حقوق الأطفال، في عيش حياة لا يشوبها التعنيف والإرهاب الفكري، في ظل كل ما يجتاح العالم العربي من حروب وإكراه ورجعية مهيبة، يعيش العديد من الأطفال تحت ظروف لا إنسانية لا يقدر على تحملها بالغ ولا راشد!

فإلى جانب ما يعانيه أطفال الحروب، وأطفال مخيمات النزوح، يعيش الطفل (ب. ر.) الذي لا يتعدى الخامسة من عمره، في إحدى المدن السورية، تحديداً في تلك التي تعتبر خطوط تماس. يرتاد مدرسة كل بضعة أيام، ولا نعلم فيما إذا كان الأمر حقيقة أم لا، لأن كل الأطفال الذين يجوبون الشوارع رغم كافة المخاطر، حين يتم سؤالهم عما اذا كانوا يرتادون المدارس، يجيبون بـ”نعم“، كأنما الجواب تم تلقينه لهم تحت تهديد السلاح.

يعتبر ذلك الطفل، إلى جانب مجموعة من أقرانه من الذكور والإناث، مشهورين بين أبناء تلك الأحياء. فلا يمكن أن ترتاد شوارع تلك المدينة دون أن تراهم يحومون فيها، طالبين المال والطعام، حتى أنّهم أصبحوا مألوفين وأصدقاء مع العديد ممن يجوبون تلك الأحياء.

المؤسف في قصتهم، أنه في إحدى المرات وأثناء بحثنا عن ذلك الطفل بعد غيابه الطويل، جاء صديقه وهو يهمس لنا بطريقة دراماتيكية اشتهر بها لكسب التعاطف والمال ”اسمعتي؟ رفيقي هديك المرة رجع ع البيت بدون مصاري. قام جدو علقو ع حبلة وكب عليه مي وضربو بكابل ع اجريه وضهرو. اضطرينا ناخدو ع بيتي لنأمنلو دوا لأنو ما عاد يقدر يمشي، اجرو كلّا مشقوقة!“

اعتقدنا في بادئ الأمر أن كل ما قاله هو خداع لفظي لإرغامنا على إبراز ردات فعل الصدمة، وإعطائه قسطاً من المال والطعام. لكن الأمر اتضح بعد عدة أيام، حين قابلنا ذلك الطفل حقاً، وقد عاد صديقه الذي أخبرنا بقصته، وهو يعيد تكرارها أمامه وأمامنا. حين سألنا الطفل عن الأمر، ابتسم فقط، ولم يستطع أن يقول أي شيء، لأنه من الواضح أنه كان تحت تهديد الضرب المبرح مراراً وتكراراً.

لجأنا إلى بعض المسؤولين عن المنظمات التي تعنى بقضايا حقوق الإنسان وحقوق الأطفال، لكن معظمهم عبّر عن عدم قدرته على تقديم أي مساعدة ممكنة، رغم سماع قصة الطفل المأساوية المترافقة بدليل تعذيب جسدي واضح، مقدمين أعذاراً واهية، وطالبين منا أن نتوقف عن محاولة المساعدة لأن لا شيء سوف يتغير!

لماذا؟ لأن ”الجد“ الذي يقوم بتعذيب هؤلاء الأطفال، هو في الواقع مدير ”مافيا“ تقوم بتشغيل الأطفال الصغار من الصباح وحتى الليل، تحت كافة أخطار الحرب والظروف المناخية. وفي حال عاد الأطفال إليه دون المبلغ المحدد المطلوب منهم جمعه من المارة، يقوم بتعذيبهم عن طريق التعليق والضرب بالحزام والكابلات بعد أن يقوم بتعريتهم وسكب دلو من الماء على أجسادهم، الأمر الذي يعتبر من أشد مسببات الألم حتى في أدب المعتقلات! وفي حال هرب أحد الأطفال أو لم يعد إلى ”جده“، يرسل الجد أحدهم، وإن كان أصدقاء الطفل من الأطفال الآخرين، للبحث عنه وإعادته، ثم يكرر تعذيبه بطرق أسوأ.

وفي حديثنا مع أحد مسؤولي المنظمات التي تعنى في أحد برامجها بتقديم الدعم النفسي لأطفال الحرب، أوضح لنا بأن هؤلاء الأطفال يشاركون في البرنامج كل بضعة أيام لكن دون أي فائدة حقيقية، علماً أن المنظمة تعلم بحال الأطفال وبواقع المافيا التي تديرهم لكن دون قدرتهم على المساعدة. موضحاً أن حياة أولئك الأطفال مليئة بالعنف الممارس ضدهم من قبل الآخرين أو من قبل بعضهم البعض، إلى جانب انتشار حالة تعاطي المخدرات والتدخين بين صفوفهم، إضافة إلى تفاقم نسبة التحرش الجنسي وحالات الاغتصاب المتنوعة التي يتعرضون إليها في أماكن خاصة وعامة.

لسوء الحظ الكبير، وتحت إطار غياب النظام القانوني وانتشار الأسلحة والجرائم بين صفوف كافة الفئات دون رقيب، لا يمكن مواجهة الجد بطريقة فردية، أو حتى جماعية، حتى أن المنظمات امتنعت عن القيام بأي حركة ضد مدير المافيا لما يحمله ذلك من أخطار كبيرة على حياتهم وحياة الأطفال، دون حسيب أو رقيب.

وفي حادثة مشابهة، شوهد أحد الأشخاص على رصيف إحدى الشوارع الرئيسية للمدينة، وهو يقوم بتعليق طفل على شجرة عبر استخدام لاصق عريض، وبعد أن نجح في تعليقه، بدأ بضربه باستخدام حزامه علناً وأمام الجموع دون أن يقوم أي أحد بأي رد فعل تجاه التعذيب الصريح والمباشر لطفل لا يتجاوز السابعة من عمره. حين توجهنا إلى أقرب حاجز أمني، والذي يقع قرب الحادثة بحاولي ثلاثة أمتار فقط، للتبليغ عن الحادثة التي تحصل أمامه، قال لنا باستهزاء ”الولد معلق ع الشجرة من فوق أو من تحت؟“.. ”أي إذا من تحت عادي مافي مشكلة..!!!“

ويبقى السؤال معلقاً، ألم يكتفي هؤلاء الأطفال بما رؤوه من مآسي الحرب، لنريهم مآسي الإنسانية؟ ألا يوجد أي أحد قادر على إيقاف تعذيب وتعنيف الأطفال بأبشع الوسائل الممكنة؟ هل أصبحت المافيا أقوى من السلطة؟ وهل تتوقف إمكانية منظمات حقوق الأطفال عند إطلاق الشعارات واستعطاف المشاعر؟

تم التحفظ على ذكر اسم المدينة واسم الطفل، واسم المجرم صاحب المافيا، واسم والدي الطفل الشركاء في الجريمة، حفاظاً على ما تبقى من حياة ذلك الطفل وأصدقائه.

عدد القراءات: 785