اجتماعيات

هل نستطيع شراء السعادة بالمال؟

السعادة

إرتفع بشكل ملحوظ عدد الأفراد المستهلكين حول العالم أو ما يُطلق عليهم بـ”الطبقة المستهلكة“ وقُدّر عددهم عام 2011 بما يُقارب 1.7 مليار نسمة حول العالم، ينتمي نصفهم تقريبا للبلدان النامية. لقد ارتفع معدل استهلاك السلع والخدمات بشكل ملحوظ مقارنة بالعقود القليلة الماضية. ما يدفعنا للتساؤل: هل تُشترى السعادة بالمال؟ الجواب ليس بسيطاً كما نظن.

بدايةً، من المهم أن نطلع على مقياس السعادة والرضا حول العالم. فسكان الدول الغنية يستهلكون عادةً سلعاً وخدمات استهلاكية أكثر من بقية الدول الأُخرى. وبالتالي، يُمكننا إيجاد رابط فعلي بين الاستهلاك والإحساس بالسعادة، يمكننا من توقع وجود أناس أكثر سعادةً في الدول الثرية الغنية مقارنة بمواطني الدول الأخرى.

سجل مقياس السعادة نتائج مذهلة عن معدل الإحساس بالرضى لدى سكان الدول الغنية مقارنةً بغيرهم من سكان الدول الفقيرة. مع ذلك، يبدو الأمر مختلفاً نوعاً ما عند مقارنة الدول المتوسطة الحال مع الدول الفاحشة الثراء، فالإختلاف لا يبدو كبيراً بين الدولتين. وهذا يشير إلى أن المال وزيادة الثروات المادية لا يرتبط بالضرورة بارتفاع معدلات السعادة عند الناس.

نمط الحياة المادية

تسوق

خلال العقود القليلة الماضية، أصبح الناس في المجتمعات الصناعية أكثر مادية، وغالباً ما يعود الأمر لسببين رئيسيين: أولاً، أصبحت العديد من الأمور المرتبطة بالمال والسلع مقبولة لدينا لأننا تعدودنا ملاحظة تكرارها في تصرفات الآخرين. ثانياً، يستخدم الناس السلع لسد الفراغ النفسي وعقدة النقص في حياتهم اليومية. بالإضافة إلى تأثر البعض بالرسائل الباطنية المتكررة للدعايات التسويقية التي تخبرنا بأن الاستهلاك هو الطريق نحو السعادة.

ما يعني أن شعور الناس بنقص شيء معين في حياتهم قد يدفعهم إلى تعويضه بامتلاك السلع وإشباعه بالماديات. لكن هذه الطريقة ليست فعالة، لأن الناس غالباً ما يخطئون في اختيارهم للأشياء التي قد تجعلهم سعداء. وما يحصل هو شعور مؤقت بالسعادة عند اقتنائهم لشيء معين، فهذا الشعور يزول تدريجياً عند تكيفهم مع وجود تلك السلعة في حياتهم، ليعود الشعور بالنقص وعدم الرضا مجدداً.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يستمر البحث عن سلعة جديدة توفر متعة أكبر، لكن—وكما سبق الذكر—تزول المتعة مجدداً بنهاية الأمر. ويستمر الأمر إلى ما لانهاية، كما لو كنا ضمن دورة أبدية للاستهلاك، وفي كل عملية بحث عن سلعة جديدة ترتفع توقعاتنا بفرصة الحصول على السعادة، لنسقط داخل دائرة مفرغة متكررة من التوقعات وخيبات الأمل وعدم الرضا. ما يحصل بشكل عام أننا نشعر بزيادة الرغبة بالشراء واقتناء الأشياء أو إنفاق المزيد من المال.

الشعور بانعدام الثقة والأمان

شعور المستهلكين حيال أنفسهم يملي عليهم أنماطاً معينة من الاستهلاك، فالكثير من الأفراد الماديين يميلون إلى تقييم ممتلكاتهم على أنها باهظة الثمن وذات قيمة عالية يسهل تمييزها وملاحظتها من قبل الآخرين لأنها تثير انتباههم. السبب في ذلك يعود إلى ارتباط المادية بالاستخفاف بتقدير الذات. لذا، يزيد الشعور بانعدام الثقة وبقلقهم حيال نظرة الآخرين إليهم، ما يؤدي إلى احتمالية استجداء الإطراء ولفت أنظار الآخرين عبر اقتناء المنتجات المرغوبة من قبل الجميع.

هذا الشعور بفقدان الثقة بالنفس يعود في معظم الأحيان إلى نوعية الألعاب التي اقتنيناها في مرحلة الطفولة. فعلى سبيل المثال، تترك دمى ”الباربي“ لدى الفتيات انطباعاً مزيفاً حول المرأة وشكلها وكيف يُفترض بها أن تكون، وهذا الانطباع المزيف قد يتجسد لاحقاً في مرحلة الرشد.

تقارير حديثة أظهرت بأن حوالي 40% من الفتيات والشابات يعانين من عدم الرضا وفقدان الثقة بمظهرهن الخارجي، وللتخفيف من إحساسهن بخيبة الأمل حيال مظهرهن ولتعزيز ثقتهن بأنفسهن غالباً ما يهرعن إلى اقتناء المنتجات التي يعتقدن أنها ستجعلهن أكثر جاذبية.

رجل يسوق سيارة

إضافةً إلى ذلك، يلعب الإعلام دوراً كبيراً في زعزعة الشعور بالثقة بالنفس لدى الناس، فالمجلات النسائية مصممة خصيصاً لتشجيعهن على شراء الملابس باهظة الثمن ومستحضرات التجميل والإكسسوارات العصرية للتخفيف من هذا الشعور عند مقارنة أنفسهن بعارضات الأزياء والمشاهير.

يتأثر الرجال أيضا بالإعلام، فالمجلات تغري الكثير من الرجال لاقتناء الملابس والسلع التي تزيد من أناقتهم. فعندما يترسّخ هذا الشعور بانعدام الثقة والأمان لدى الناس، يزيد الإقبال على الاستهلاك، ما يعني أن الناس يُسارعون لاقتناء أي شيء يخفف من هذا الشعور السيء حيال أنفسهم.

الأمر ليس بهذا السوء

على الرغم من أن الاستهلاك لن يبدو مرادفاً للسعادة ومرتبطاً بها، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فالبيئة التي نعيش فيها والعلاقات الاجتماعية المتينة التي نحظى بها من أهم العوامل المؤثرة على صحتنا النفسية. فسعينا المتواصل لامتلاك السلع والماديات يُؤدّي بنا إلى إهمال جوانب أساسية في حياتنا مثل الحفاظ على شبكة العلاقات الإجتماعية مع الأصدقاء.

من جهة أُخرى، قد تكون تجربة شراء السلع وسيلة لتحسين العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، قد يبدو الأمر متناقضاً مع ما ذُكر سابقاً، لكنه ممكن في بعض الحالات. فشراء الأدوات التي نستخدمها في تمضية العطل مع الآخرين كالتزلج والرحلات الترفيهية تزيد من شعورنا بالسعادة والرضا. هذا الشعور لا علاقة له بالسلعة التي اشتريناها بل يعود إلى الأحاسيس الإيجابية التي تقاسمناها مع أشخاص آخرين وساهمت في تعزيز تواصلنا معهم.

المتعة في هذه التجربة غالباً ما تكون شخصية ومتفاوتة من شخص لآخر، فالسعادة التي نشعر بها عند اقتناء هاتف محمول جديد قد لا يشعر بها آخرون. كما قد نمر بتجربة سيئة ونعتقد أنها الأسوأ على الإطلاق مقارنة بتجارب الغير.

ربما إذاً، علينا أن نسأل أنفسنا: هل يتعلق الأمر بما نقتنيه من سلع لإشباع رغباتنا في صرف الأموال والسعي الأعمى وراء الماديات؟

في كل مرة تقرر بها النزول إلى الأسواق في المواسم و الأعياد والمناسبات السنوية، فكر فيما إذا كان ما ستقتنيه سيمنحك السعادة التي تطمح إليها، أم أن الوقت قد حان لحجز بطاقاتٍ لحفلٍ موسيقي أو عرضٍ مسرحي تدعو إليه الأصدقاء وتعزز علاقتك الاجتماعية بهم.

هذا المقال مترجم من المصدر.

المصادر

عدد القراءات: 1٬759

تدقيق لغوي: ابتسام فاطمة ابراهيم.