أقصوصة

بين جسور الفراغ والجحيم

صورة لـErik Parker
صورة لـErik Parker

ومن الجحيم إلى الجحيم، أتذرّع دروبَ الوحدة، بظلّ حصانٍ وخيط إبرة. أدهسُ الخطوط الفاصلة بين حجارة الرصيف دون خوفٍ من هزيمة، وأتوقف عن رؤية وجوه المشاهير أثناء الصلاة فوق بلاط الغرفة اللامع، أراقب حركة المارّة داخل سوقٍ شعبيٍّ قديم، وأمسح قناع الرهبة عن عيون المتعبين من مُلتحفي السماء — إذ تلطأ لهم الكوارث.

بلا عَلمٍ أُلفُّ به، أغادر هذا البؤس الكبير نحو راحتي الأبديّة. أمضي على نُسغ الأرض مع عشرات الغارقين، أنتشلُ خُطايَ المُجهدة منه، ثمّ أصعدُ تلّةً على منحوت درجٍ لؤلؤيّ، آخره ضوءٌ وساقُ سنبلة.

أقابلُ الله في حقلٍ فسيحٍ من البرقوق، أقطفُ شتلتي يانسون بالقرب من صخرةٍ غائرة، ثم أرتب ياقتي وأدنو بجذلٍ وعاطفة، أمدّ يدي إليه وفيها القَطف — كقربان مغفرة، يمزق عينيّ الكليلتين بنظرة، ويرميني بعيداً في بيوت النعيم.

أطوف غريباً في سُحب البياض الكثيف لتبدأ أغاني الحب بالصدوح، أُنصت لخطا المتعبين الراقصة ثمّ أمضي كفيفاً بين جسور الفراغ والفراغ، أسمع رنين نخوب التمرّد والعصيان المُحلّل. ويصفِرُ بوقُ السماء العظيم في قصد التجمع، توزّع دُثر الأعمال على المدعوين بالاسم، ويهمسُ لي أعمىً آخر : هاهم المذنبون، يتساقطون غيمةً وراء غيمة.

– الخطيئةُ.. يعلو الصوت؛ الغفرانُ والمحبةُ أوسع، يجيبُ المدعوون.

– الفراق؛ الشكُّ والتفكيرُ أضنى.

– الكذب؛ ملحُ الحياة وجوهرُ الزوجيّة.

– والسرقة؛ الجوع أمَرّ وأصعب.

– الغيبة؛ لسان الحال أطول.

– والقتل؟؛ أمّا هذا فلا طاقة لنا به، لطلبِ رحمةٍ أو مغفرة.

يشتد القيظُ فجأة، وفجأة تبدأ النساء بالعويل كالذئاب المسعورة، يُعادُ إليَ بصري ببطءٍ شديد، فأرى جموع النسوة يمزقن ثيابهن ويجعلن قواطع أسنانهن تنتش حلمات الأثداء الطريّة، المالحة، أينما وجدت. يبحثن عن الحليب الراكد في الصدور، حتى يقتلهنّ العطش وتشجّ أكبادهنّ الغيرة، يفتحن خزائن قلوبهنّ بمدية، وأُذوب أنا — جمعا — مع حشود الغارقين. تبصقنا السماء كحبّات المطر، أعود مجدّداً إلى ذات النسغ، أغرق، أُحرق، أُعمى، أرقص، أُلامس الصراخ، أرى، أذوبُ وأُبصق.

عدد القراءات: 443