أقصوصة

ما بين الأرض والسماء

ما بين الأرض والسماء

المجهول:

طلب مني أستاذ في اللغة العربية ذات مرة تعريف كلمة المجهول، صمتّ قليلاً، وغرقت ذاكرتي في أيام الطفولة، عندما كانت كلمة المجهول عندي تعني السماء أو بالتحديد ما وراء السماء. كان أصدقائي يحدقون بالغبار الأبيض، يتنافسون على من يكتشف شكل الغيمة أولا، هذه حجرة وهذه على شكل فيل وتلك تشبه الديناصور، تبا لبراءتهم.

كنت أحسد تلك الأشكال على قربها مما اسميته المجهول. فكم تمنّيت ان اكون غيمة ليوم واحد او عصفوراً على الأقل يستطيع الاقتراب متى يشاء، أو حتى حبة غبار تتمايل مع كل نسمة وأيّ نسمة قد توصلها إلى ذلك المجهول، مجهول الملامح.

لماذا كانت أمي تخاف عليّ؟ أمن ذلك الشيء وراء السماء؟ جميع الأطفال لدينا عليهم اللّعب بالكرة أو ببعض الأشكال البلاستيكية، أو أن يمارسوا بعض المغامرات في الوديان وقطف البعض من الزّعتر الفرنجي والقليل من السّكوكع.

أمي كانت تخاف علي لأني كنت استثنائيا، فهل كنت أعتبر تلك الأشياء سخافة ونوعا من التخدير الفكري؟ أم أن حبي للمجهول قد جعلني أشعر بالاستثنائية وأبعدني عن رائحة السّكوكع ومغامرة الزّعتر الفرنجي؟

أسئلة كثيرة تدور في ذهني، فلماذا أنا مختلف عن البقية؟

الاختلاف:

أن تكون مختلفاً فأنت شخص غريب الأطوار، لا يعرف كيف يمارس الحياة، مغرور، والكثير من الاسقاطات البشرية اللامتناهية. أما الإسقاط الأروع فقد كان عندما ينادني أحدهم بالمجهول، عندها يكون سمعي ضعيفاً، فأسعى لأن أسمع الكلمة أكثر من مرة للشعور ببعض من النشوة الروحية لعلّني أصل الى ذلك الشيء وراء السماء، أو عسى أن أكون قريباً منه للحظة، لحظة تغيّرني، تغيّر نظرتي، نعم فلحظة قد تغيّر العالم.

أثناء عودتي من المدرسة ذات مرة، كانت عيناي غارقتين في السّماء، أراقب أمطار كانون الثّاني تتساقط ببطء. تسقط واحدة على الشارع، تتناثر أشلائها، لترسم بقعة المرور، نعم لقد مرّت قطرة من هنا، لقد سقطت من المجهول والآن أصبحت موجودة.

كم نحن بحاجة لأن نكون كأمطار كانون. نحن كل يوم نمرّ من الشارع، لا نترك سوى بقع عجلات السيارات والكثير من غبارها. وللأسف هذه البقع تدل على مرور السيارة لا على وجودنا، نعم فجميع الأشياء تعرف السبيل للوجود، إلا البشر.

ولحسن الحظ، وفي نفس اليوم كادت واحدة من تلك العجلات أن تدوسني وترجعني إلى البداية، إلى ما وراء السماء. أحسست لبضع ثواني أن روحي معلقة ما بين الأرض والسّماء، وأني أصبحت قريبا للوصول الى ذلك الحلم، نعم أنا أمشي على طريق الوصول، فهل الموت طريق الوصول للمجهول؟ أم أنه المجهول؟

تمنيّت لو توقف الزمن لبضع ثوان أخرى ولكن محكوم على الزمن بالجريان كما حكم علينا بالحياة. وبعد أن عدت للأرض وجدت الناس ينظرون إلي، أحدهم بخوف والآخر بتعجب، لم أفهم، لماذا الناس تخاف من المجهول ولقد سقطوا منه؟ ولم تمر سوى دقيقة، حتى عاد العالم طبيعياً كما كان.

أمنيتي الثانية كانت ان تدوسني تلك العجلات بشكل كامل، لينظر إليّ البشر أكثر، فأهرب حينها من مجهول الأرض وأعود إلى مسقط رأسي، مجهول ما وراء السماء.

استيقظت ذاكرتي من الغرق، وعدت للواقع، رأيت المعلم والتلاميذ يصفّقون، سعدت لأني هربت من المجهول الأرضي للحظة، ولكنّي علمت أن اللحظات لا تتوقف وأني سأعود مجهولاً كما كنت، وأتمنى أن تدوسني عجلة سيارة مجدداً، لتصبح روحي معلقة ما بين الأرض والسماء.

عدد القراءات: 661