أقصوصة

ولأن ”شرفهم العربي“ أهم من حياتي.. قتلوني

قتلوني
صورة للمصور Mostafa Heravi
mm

قتلتُموني يا أمي، قتلتُموني لأني أحببت، لأني كنتُ إنسانة لديها مشاعرا.. كيف سوّلت لكم نفسكم؟ ألم تحبّوني؟ ألأنني أحببتُ قتلتِني معهم؟ ألم تحبي أنتِ أيضا يا أمي في صباك؟

كنّا عائلةً تقليدية كباقي العائلات في المجتمع العربي وكان أخي يسهر ويحب ويعشق وكان والدي يفخر به أكثر وأكثر.. وفي يوم من الأيام كنتُ أتكلّم مع هادي؛ شاب أحبه ألتقي به في الحديقة. كان يعانقني وأنا أقبّله عندما رآني أخي يومها، أذكر صياحه ونظراته المليئة بالكراهية، وهل أنسى يديه كيف جرّني بهما على الأرض أمام الجميع قائلاً ”يا فلتانة يا وسخة يا بلا كرامة يا قليلة الشرف“..

أذكر كيف اقتادني إلى البيت غاضباً وهو يضربني، كم كانت لكماته مؤلمة، وكيف خلع حزامه وهربتُ منه ثم اختبئت خلف الكرسي الصغير وأنا أتضرّع الرحمة والمغفرة منه ”والله هاي آخر مرة، سامحني الله يخليك“ ولكنّه لم يأبه ورمى الكرسي بعيداً وشدّني بشعري.. أحسستُ بحزامه يلسعُ جلدي ضربةً وراء ضربة، ضربني أمامك يا أمي ولكنّك لم توقفيه إلّا بعد أن قلتِ له ”خلص تعلمت درسها“ وأمام أبي الذي لم ينفك يقول له ويشجّعه ”هيدي شرفك برافو عليك بابا“ ولم تحزنوا حين رأيتم الدماء تسيل من فمي وعينيّ وجسمي المتورّم..

صورة لغلاف فلم حادثة شرف

صورة لغلاف فلم حادثة شرف

منعني من مغادرة غرفتي ولم تعارضيه يا أمي بل وقفتِ بعيداً وأنا أنظر إليكِ وأبكي.. بدأ حينها بمراقبة كل خطوة أقوم بها كالمترصّد القاتل، فمنعني من الذهاب إلى الجامعة وأراد أن يزوّجني بحجّة حماية ”شرفه وعرضه“ خوفاً من أن أقوم بعمل مشين آخر قد يدمّر سمعتكم في المجتمع..

أتذكرين حين عارضتُ هذا الزواج وحاولتُ الهرب من المنزل لأرى هادي وأودّعه فعرف أخي بذلك؟ أذكر حينها كم استشاط غضباً عندما اكتشف. انتظرَ عودتي كالمجنون، كان غاضباً جداً مني لأنّني أجلب العار للعائلة دائماً كما كان يقول.. فأقفلَ الباب عليّ وبدأ يضربني ويضربني بوحشية ولكنّك لم توقفيه هذه المرة بل وقفتِ متفرجة عليه وأنتِ تسمعين صراخي الذي ملأ كل الدنيا يومها..

ضربني بحذائه وحزامه وبكلّ شيء استطاع أن يطاله بيديه حتى صبّ كل غضبه عليّ وقتلني يا أمي، سلبني حياتي بحجة ”شرفه“.. تركني أخي جثة هامدة مشوهة ملطّخة بالدماء على الأرض يا أمي.. أهذا شرفكم؟ قتلي؟ أنه يحق لأخي ما لا يحق لي؟ كم فرحتِ حين رأيتني ممددة لا أتحرك؟ ابنتكِ الوحيدة ماتت يا أمي.. كم فرحَ أبي حين اخبرتِه؟ تربّون شبابكم منذ صغرهم أنهم الوحيدون الذين يحق لهم أن يحبّوا وأن يقتلوني بوحشية إذا عانقتُ أو قبّلتُ أو ”والعياذ بالله“ فعلتُ ما هو أسوأ كما تسمحون لأخي..

قتلتُموني بجريمة شرف فقط بحجّة أنّني إنسانة فاجرة لطّخت سمعتكم وأهنت كرامتكم في المجتمع.. لم تقيموا لي دفناً حتى، وحين يسألكم أحدٌ عنّي تقولون له ”الأعمار بإيد الله“.. كل هذا بسبب قوانين مجتمع تضعونها وتعلّمونها لشبابكم فيربون عليها فقط لتمنعوني أن أحب وأعشق كأخي، وتفرضون عليه قتلي لكي يحافظ على ”ماء وجهه“ أمام الناس..

ليتكم تفهمون أنّ شرف الإنسان بأخلاقه وأعماله الحسنة وليس بامتلاكي وبحرية قتلي تحت غطاء العار يا أمي. كلّكم قاتلون يا أمي، أنتم والمسمّى ”شرفكم“ الذي يبيح للرجل العربي أن يفعل ما يشاء وأن يقتلني بدماء باردة إذا تجرّأتُ وأحببتُ كما يحق له..

هنيئاً لكم، كسبتم احترام مجتمعكم المنافق العربي يا أمي، وابنتُك الوحيدة ماتت يا أمي.

عدد القراءات: 28٬870