أقصوصة

يقظة حالم

أقف على حافة سطح أطول برج في المدينة: لا خوف يعتريني ولا فزع من المجهول يخالجني، بل إنني متأهب وكأنني في زيارة لصديق، تداهمني نسمة منعشة تربُتُ مواسيةً على وجهي وكأنها أتت لتعوضني حرمان أيادي الأحبة التي قصَّرت في مواساتي. القمر غائب على غير عادته، أين القمر؟ يبدو أنه متهرب من لحظة الوداع!

الوداع، ومن يطيق لحظة الوداع؟ هذا ما جعل السماء مظلمة وكأنها في حدادٍ علي، مكفهر لونها بالكاد ترى من خلالها النجوم التي بالكاد تبدو كشذرات مبعثرة، أو بالأحرى كأحلامي المتناثرة التي لم أستطع لها جمعاً.

أُطالع السيارات والناس من أسفلي وهم يهيمون، وأعلم جيداً أن رغم الضآلة والتقزم التي يبدون عليها من هذا العلو الشاهق، إلا أن في داخل كل منهم رغبة في العيش تفوق مقاييسها حدود هذا الوجود يعيشون وكأن ليس للموت يوم موعود.

إن أعظم مخدر تعاطاه الإنسان في هذه الحياة هو وهم الخلود، وبينما أحاول أن أقطع حبل أفكاري الذي لم أعرف له سوى طرف واحد، ليتسنح لي القفز فأضع حداً لهذه المعاناة التي أبت أن يكون نصيب مكوثها معي أقل من قريني؛ اجتاحت أذاني صرخة من الخلف انتشر صداها إلى أبعد مدى من حولي مفادها ”انتظر“.

رددت بدون حتى أن ألتفت: عبثاً تحاول يا هذا، فأنا قد عزمت على إنهاء حياتي فلا تضيع وقتك معي. فأجاب: لست هنا بصدد إنقاذك، كل ما أريده منك هو أن تحدثني عن سبب تخليك عن هذه الحياة لكي أحتاط من تلك الأسباب وأجتنبها! لا تحاول خداعي، أعلم جيداً ما تصبوا إليه، ومع هذا سأجيبك ولكن إذا ما شعرت بأنك تحركت قيد أنملة باتجاهي لن أتردد لحظة في إلقاء نفسي.

في الحقيقة هذه ليست المرة الأولى التي أُقدِم فيها على الانتحار، لكن السبب في هذه المرة مختلف تماماً. فلطالما كان دافعي لذلك هو الهروب من الحياة، أما هذه المرة فجاذبي هو الاشتياق للموت! ولا أخفيك أني قضيت جل حياتي في صراع دائر بين ما حوته ذاتي من نقائض؛ صراع بين الإرادة والتكاسل، الجرأة والجزع، اليأس والأمل.

قتلني هذا الحياد وفرغ هويتي من مضمونها، جعلني معلقاً فلست أنا بالحي ولا بالميت، ولا أنا بذاك الشخص الناجح ولا بالفاشل، لست قديساً ولا إبليساً، ولا أنا بوثيق الإيمان ولا بشديد الإلحاد، وإنما على حافة الشك أقف تماماً كما هي وقفتي على حافة سطح هذه البناية، والتي تمثل مسيرة عجزي وتخبطي بين أن أكون أو لا أكون، وهذا ما جعلني فريسة سهلة لشبح الاكتئاب السادي فقد أغتال كل تصور جميل عن الوجود من حولي.

تفنن في إجهاض كل أحلامي وكفنها بعويل رضيع ابْيٓضّ شعر لحيته من كثرة الوجع، مخاطباً إياي: ”ما فائدة أن تحقق هدفاً والعدم ملاقيك؟ وما جدوى سعيٍ مصيره الاندثار؟“ ومن ثم أردفت قائلاً ”هل رأيت يا هذا من قبل أي من الحوادث الكارثية التي تحدث في بعض البنايات، حيث تندلع النيران في إحدى الشقق القابعة في الطوابق العالية فتحاصر ألسنة اللهب ماكثيها، فلا يجدوا لأنفسهم مخرجاً؟ تقترب منهم النار رويداً رويداً فيشتد ألمهم فلا تعد لهم طاقة على الاحتمال، وإذ بهم يقفزون من النوافذ هرباً من سطوة المعاناة. صحيح أن ألم التهشم الذي سيلاقونه حين يلامسون الأرض ليس بالهين، لكنهم ما فعلوا ذلك إلا هروباً من معاناة إلى معاناة أقل وطأة، وهذا ما يحصل معي.“

إلا أنه بطريقة معاكسة؛ ففي الوقت الذي تلسعهم فيه النار من الخارج تضطرم النار في داخلي وما أن أكملت حديثي حتى شعرت بيده على كتفي التفت للخلف فلم أجد على السطح أحداً سواي، انتابني الفزع من هول الموقف هل كنت في هلوسة مع نفسي أم هي بوادر انفصام تزيد تعميق الهوة بيني وبين ذاتي؟

وبدون تفكير أو إعادة حساب ألقيت بنفسي من الهاوية وإذ بي خاراً وفي تسارع هبوطي لم يمر علي شريط حياتي كما أدعى بعض الناجين من شفير الموت أنه حصل معهم، أو ربما خجلت خلايا عقلي وأشفقت علي من عرض مشاهد لحياة خالية من الحياة.

اقتربت النهاية وقاربت مسرحية حياتي الهزلية على إسدال ستارها، وها أنا أخيراً أرتطم بالأرض طارقاً على الموت أبوابه وإذ بالعدم يفتح لي الباب مُرحباً، وما أن احتضنني حتى أظلم الوجود من حولي لبرهة ثم رجع الضياء فجأة وإذ بي على فراش غرفتي مستلقيا.

حلم؟ أيعقل هذا!؟ ما شككت لحظة أن ما كنت فيه ليس بالحقيقي، رغم أن بعض الأفكار التي راودتني أثناءه كانت مخالفة لقناعاتي إلا أنني أحسست بإيماني الشديد بها، فبالنسبة للموت فقد تصالحت معه منذ زمن بل ووجدت فيه جانباً إيجابياً، ففكرة أن هناك موت معزية بالنسبة لي، فكل هذه الآلام التي تتكبدها البشرية لها يوم وتنتهي. وأيضاً أعطاني جرأة المغامرة فأصبحت قادراً على المجازفة واتخاذ القرارات التي تكون على هيئة مقامرة، فلا خوف من النتائج طالما أن النتيجة النهائية ستكون واحدة.

قمت من فراشي مصاباً بالذهول، غسلت وجهي وانطلقت للمطبخ لكي أمارس طقسي اليومي، فحضرت كوب القهوة وفي أثناء تحريكي له ليبرد قليلاً تشكلت دوامة في المنتصف غصت معها في تفكير عميق، فالحيرة لازالت تلازمني… كيف لحلم أن يكون بهذه الدقة والوضوح؟ إن حالة الوعي التي عايشتها مطابقة تماماً لحياتي اليومية، كانت المشاعر أيضا قوية ونابضة وكل هذا كان وهما؟

انبثق تساؤل كبير في عقلي، إذاً وما مدى مصداقية هذا الوعي الذي أعيش الآن؟ تشابكت علي الأفكار والرؤى وأرتطم منطقي الفضولي بحائط الجهل، فقررت زيارة صديقي يوسف الذي أثق بعلمه وعمق فلسفته لكي أتناقش معه الأمر.

وصلت إليه والحماس يشتد بي، فأشد ما أستمتع به في هذه الحياة شيئان: قراءة كتاب استثنائي أو النقاش مع عقل عظيم. رحب يوسف كثيراً وأكرم ضيافتي كعادته وتبادلنا أطراف الحديث، ومن أكثر الأشياء تشويقاً التي أطلعني عليها هو مرض عصبي يدعى سينستيزيا، العجيب في هذا المرض أنه يجعل مراكز الإحساس في تداخل، فإذا سمع المصاب صوتاً معيناً تظهر له ألوان؛ بل وأن هناك أشياء لو رآها لأستطعم مذاق طعام ما تماماً وكأنه يأكله، وإن رأى شخصاً يحك رأسه ففوراً يبدأ الإحساس بالهرش في رأسه.

غريب هو هذا المرض، فإن ما نستنتجه منه أن ليس للواقع الخارجي حقيقة موضوعية تماماً كمقدرتنا على التخيل أشياء بكامل ألوانها رغم أننا مغمضين العينين، وهذا ما طرح سؤالا أكبر وأهم: فماذا لو طور العلم آلية لتحفيز مراكز الإحساس في عقولنا بشكل معين بحيث نعايش أحداثاً ونخوض تجارب حياتية ونحن مستلقين في فراشنا؟

ختم يوسف الحديث قاصاً لي عن تجربته في معايشة حلم داخل حلم وأردف قائلاً ”إنها ورطة وجودية يا صديق، الحلم هو أحد أشهر الامثولات لدى الغزالي وديكارت في التشكيك في مصداقية العقل والوعي بشكل عام، الحلم داخل حلم تجربة جميلة ومرعبة في آن واحد فهي تطرح سؤالا مريبا للغاية ألا وهو ’إذا كان هناك حلم داخل حلم فهل هناك يقظة خارج ما نعتقده يقظة؟‘ وهذا ما يزعمه الفكر الصوفي والفلسفة الهندية، والذين يطلقون على بعد الوعي الذي نعيش اسم مايا؛ أي الوهم بالسنسكريتية، ولديهم في ذلك قصة عن رجل حلم يوماً بأنه فراشة، وأثناء حلمه عرض عليه تساؤل يقول فيه هل أنا إنسان أحلم بأني فراشة أم أنا فراشة كنت أحلم بأني إنسان؟ على قدر جاذبية وسحر الفكرة إلا أنها ترعب كل من يتمسك بمفهوم الحقيقة المطلقة لأنها تنسف جل ما هو يقيني بالنسبة له“.

استمتعت جداً بالحوار مع صديقي وطلبت منه الإذن بالرحيل فالساعة قاربت منتصف الليل، سلمت عليه وانطلقت متجها إلى منزلي وأنا في طريقي إذ بشاحنة تخترق الحاجز الفاصل بيني وبين الطريق المجاور تتجه نحوي بسرعة هائلة أعمى ضوؤها ناظري، وما هي إلا ثوان حتى اصطدمت بسيارتي لتلقي بي في قارعة الطريق أشلاء.

اللعنة أنا في فراشي للمرة الثانية، صعقت وكاد عقلي أن يطيش، هل كنت أحلم بأنني أحلم؟ هل تلك الزيارة لصديقي وكل ذلك الحوار ما كان إلا حلماً يحمل في باطنه حلم؟

فقدت ثقتي بكل المجريات وتذكرت القول الشهير للإمام علي ”الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا“، قررت أن أشارك تجربتي مع من يشاركني هذا الحقل من الوعي… أمسكت جوالي أكتب هذه الكلمات لعلها تزيح عنهم ثقلاً أو تعطيهم أملاً وعزاء لواقع مرير لطالما تمنوا أن يكون حلماً.

عدد القراءات: 606