اجتماعيات

الله يعطيك!

الله يعطيك

كنت في يوم من الأيام أستند على إحدى السيارات الفارهة، على باب السائق تحديدا، لمحت فجأة شخصا رث الثياب تبدو عليه علامات التسول، قال لي بنبرة تملق: لو سمحت يا أستاذ… لم يستطع إكمال حديثه لأنني أجبته فورا: الله يعطيك! لكنه أكمل سريعا ما أبتداه وقال باقتضاب: الله يعطيك أنت يا أخ، ابتعد فهذه سيارتي أريد أن أركب!

حسنا، كنت لأصبر قليلا حتى يكمل ذاك الرجل حديثة الذي ابتداه بـ”لوسمحت“ لولا أن الصورة النمطية التي تشكلت في ذهني مسبقا عن ملاك السيارات الفارهة الذين نراهم في الإعلانات، فهي من دفعت السيالات العصبية في دماغي لتلك الاستجابة السريعة حين قلت له: الله يعطيك.

الله يعطيك؟!

5362-1

نعم الله يعطيك، الله يعطيك ربطة عنق وبدلة انيقة على النحو الذي نراه في الإعلانات حتى لا يقع غيري في مثل هذه المواقف المحرجه مجددا.

في الواقع ان هنالك اليوم أمورا كثيرة في حياتنا تشبه إلى حد كبير ما حدث معي، فالكثير منا تواجة سيالاتة العصبية مشاكلا كبيرة في الإستجابة لكثير من الأمور، القوالب النمطية التي ادرجناها في قواميس عقولنا مسبقا مشكلة حقيقية، وغالبا ما سوف تدفعنا لمواقف محرجة إذا لم نراجعها.

الكثير الكثير من ضحايا التنميط والكثير ممن أدركوا هذه الحقيقة وشرعوا بتسويق ذواتهم وقولبتها على النمط الذي صوره الناس في عقولهم وألبسوه صفة العمومية، فمثلا ذاك الناقص يدرك أن البعض ينظر لأصحاب ربطات العنق بنظرة من الاحترام والتقدير اعتقادا منهم أن النمط الذي يظهرون علية اصحاب ربطات العنق ينم عن الفهم والمعرفة والاستاذية! فراح يستعرض ما ليس فيه، وغدا متأنقا من هذا المنطلق!

وذاك السياسي يدرك أن الجمهور يتأثر بطريقة الكتابة المنمقة والانشائية، اعتقادا منه أن ذلك معيارا لمدى الإدراك والوعي السياسي، فيباشر بتسويق مقالات محشوه بكم هائل من المصطلحات والجمل الانشائية البديعة ليداعب من خلالها تصورات الجمهور البسيط، الأمر الذي يمكن من خلاله تمرير أفكار مغلوطة وغير موضوعية وفي كثير من الاحيان هدامه.

أذكر موقفا طريفا حدث مع أحد الاصدقاء الأعزاء وحيث كنا في غمرة النقاش عن بعض السياسيين الذين يروجون بذات الطريقة المذكورة آنفا، قلت له: المشكلة في الصورة النمطية التي كونها الناس عنهم وليس فيهم، فهم ”على باب الله“ لا أكثر ولا أقل.
فقاطعني وقال بتهكم: نمطيه! دعك من هذه المصطلحات، هم يمارسون مغالطاتهم عبرها فلا تكن واحد منهم!

الجدير بالذكر أن صديقي كان يتفق معي، لكنه سخر من هؤلاء الساسة برده الذكي الذي وضح من خلاله مدى استغلالهم للمفردات الجاده وتمييعها، وهذا ما التمسته من مزاج العامه مؤخرا، فالمعايير الذي كانت حجة لهؤلاء الساسة أصبحت حجة عليهم وهذا مايضحك في حقيقة الامر!

كنا نرى أناسا كثر يخوضون في الشأن السياسي والاجتماعي بلا أي قيمة معرفيه حقيقية، كل مافي الأمر أنهم تشكلوا على الهيئة التي رآها ضحايا التنميط بمثابة رخصة، فتسنى لهؤلاء عبرها الحديث في أمر العامه، وفي الحقيقة أن ذلك لم يعدو تجسيدا واقعيا للحادثة التي ذكرتها في البداية، فالأيام اخبرتنا بأنهم—ورغم الأناقة التي كانوا يبدون عليها—كانوا يستندون على مفاهيم وقيم ومبادئ ليست ملكهم في الأساس، ولم نكن لنعلم بذلك لولا أن شاءت الأحداث أن تخرج أناسا آخرين قاموا بتفنيد ادعائاتهم وتعريتهم أمام العامة في مشهد مماثل لما ذكرته في بداية المقال.

ملاحظة: هذا ما دفعني لإختيار صورتي هذه وارفاقها في المقال! ولكن ياترى، هل سوف تتفقون معي في مضمون المقال بعد ماورد في هذه الملاحظة؟!

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

عدد القراءات: 1٬327