شخصيات

دخلك بتعرف حمورابي البابلي صاحب أشهر قانون في التاريخ؟

حمورابي

من مِنّا لم يتبادر إلى مسامعه اسم حمورابي وبابل على الرغم من مرور آلاف السنين على أفول تلك الحضارة العريقة؟

تقع أطلال بابل اليوم على بعد 90 كم جنوب العاصمة العراقيّة بغداد، تسمية بابل بهذا الاسم قديمة قِدم التاريخ؛ ويعتقد بعض العوام أنَّ هذه التسمية مشتقة من التوراة؛ حيث بلبَلَ الله ألسنة أهالي بابل، إلا أن لعلماء الآثار واللغات القديمة رأياً أكثر منطقيّة حيال التسمية؛ حيث يفترضون بأن الاسم يتألف من شقيّن: ”باب“ و”إيل“ أي باب الإله؛ إلا أن تلك تبقى فرضيات غير مؤكدة.

خارطة لأهم المواقع الأثرية خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد؛ يظهر على الخريطة موقع بابل.

خارطة لأهم المواقع الأثرية خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد؛ يظهر على الخريطة موقع بابل.

كانت مناطق بابل مركز دولتين شهيرتين: الأولى هي الدولة البابلية القديمة والتي ازدهرت خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، ومن أشهر ملوكها حمورابي البابلي، وبعد سقوط تلك السلالة خضعت بابل لاحتلال القبائل الكاشيّة الأجنبية.

الدولة الثانية هي الدولة البابليّة الحديثة التي ازدهرت خلال النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد، والتي ساهمت في إسقاط مراكز الدولة الآشوريّة الحديثة، أشهر ملوكها نابوكودريّآصر والمعروف في الأوساط الحديثة باسم (نبوخذ نصّر). مما تجدر الإشارة إليه إلى أن كِلا الدولتين لا تنتميان إلى ذات السلالة؛ وأن معظم أطلال مدينة بابل اليوم تعود إلى عصر الدولة البابليّة الحديثة، أما معظم معلوماتنا عن الدولة البابليّة القديمة لم تأتي من بابل نفسها بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفيّة في الموقع، الأمر الذي حرمنا من الوصول إلى السويات التي تضم بقايا الدولة البابليّة القديمة.

نستقي معلوماتنا عن بابل من مواقع أخرى مثل ”ماري“ على الفرات الأوسط، حيث ورد ذكر بابل في كثير من نصوصها، وسوسة في إيران الحاليّة، حيث قام أحد الملوك العيلامين والمدعو ”شوتوركناخونتيه“ بقيادة حملة عسكريّة إلى مناطق بلاد ما بين النهرين المركزيّة خلال القرن الثاني عشر ونهب كل ما وقعت عليه يداه من كنوز، وكان من بينها نصب القانون الشهير الموجود حالياً في متحف اللوفر الفرنسيّ.

أطلال مدينة بابل اليوم

أطلال مدينة بابل اليوم

يرجع مؤسسي الدولة البابليّة القديمة في أصولهم إلى العموريّين؛ وهم قبائل بدويّة اعتمدت في معيشتها على التنقل والترحال مع قطعانها عبر البوادي والسهوب. ورد أقدم ذِكر لهم في النصوص العائدة إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد؛ وقد أطلق الأكاديون القدماء (2340-2200 ق.م.) في نصوصهم على هذه القبائل اسم ”أمورو“ والذي يعني الغرب؛ في إشارة منهم إلى مكان وقوع المناطق الأم التي قَدِم منها أولئك الرُحل غربي بلاد ما بين النهرين.

بدأت هجرات الأموريين من مناطقهم تأخذ منحنياً جدياً، وبدأت أعدادهم تتزايد في مراكز المدن القديمة خلال نهاية الألف الثالث قبل الميلاد؛ وبدأوا باستثمار ثرواتهم والاستيطان في المدن شيئاً فشيئاً.

تصفهم إحدى القصائد السومريّة المنقوشة على رقيم طيني عائد لنهاية الألف الثالث قبل الميلاد كما يلي:

”العموريّ يلبس جلد الغنم، يعيش في الخيام في الريح والمطر، يأكل اللحم النيء، يعيش حياته بدون بيت، وعندما يموت لا يدفن“.

استولى الأموريون على بعض مراكز المدن بعد حصول فراغ سياسي في السُلطة في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد؛ ولا سيما في بابل؛ كما وتبنوا كل السمات الحضارية في بلاد بابل كالاستمرار في استخدام اللغة الأكديّة والسومريّة.

أسس السلالة الحاكمة في بابل الحاكم المدعو ”سومو لا إيل“ ووصل إلى الحكم في حوالي (1880-1845 ق.م.)، توالى على الحكم بعد ذلك عدة حكام، وهم: ”سابيئوم“ (1844-1831ق.م.)، و”إيبيل سين“ (1830-1813ق.م.)، و”سين موباليط“ (1812-1793 ق. م)، وبعد ذلك وصل إلى سدة الحكم الملك حمورابي (1792-1750ق.م.)، والذي أًصبح بعد ذلك من أشهر ملوك التاريخ.

كانت الفترة التي وصل فيها حمورابي للحكم حساسة للغاية، فقد شهدت ظهور بعض الدول القوية ذات الأطماع التوسعية! مثل: دولة ”شمشي أدد“ (1807-1775 ق.م.) الذي احتل آشور الشماليّة ومناطق شمال غرب سورية؛ بالإضافة إلى ظهور ملك آخر قوي يدعى ”ريم سين“ (1822-1763 ق.م.) حاكم ممكلة لارسا التي تقع أطلالها اليوم في تل ”السنكرة“ في أقصى جنوب العراق.

أمام هذه التحديات، لم يكن أمام حمورابي سوى اتباع سياسة الهدنة وإظهار الطاعة والولاء للحاكميّن القويين ولا سيما ”شمشي أدد“.

صبّ الملك حمورابي جلّ اهتمامه في البداية على الإصلاحات الداخليّة في بلاده فقام بحفر القنوات وتحصين المدن، إلا أن سياسة الهدنة لم تدم وقتاً طويلا؛ فما أن مات ”شمشي أدد“: حاكم آشور القوي، وصار ”ريم سين“ كهلاً حتى بدأ حمورابي بقيادة حملاته العسكرية الكاسحة، وتمكن خلال الفترة ما بين 1766-1761 ق.م. من فرض سيطرته الكاملة على جنوبي العراق حاليا! ثم هاجم حمورابي بلاد ”عيلام“ الواقعة في إيران الحالية ومناطق الفرات الأوسط الواقعة في سورية الحالية، ولا سيما مملكة ماري بالقرب من بلدة ”البوكمال“ على الحدود السورية-العراقيّة اليوم.

خارطة توضح حجم توسع مملكة حمورابي خلال سنوات حكمه.

خارطة توضح حجم توسع مملكة حمورابي خلال سنوات حكمه.

ما من شك أن حمورابي يعتبر حاكماً دبلوماسياً ومن دهاة عصره سياسياً؛ فقد استعان بحلفاء كثر ولاسيما مملكة ماري لتوسيع سلطانه على مناطق العراق الجنوبية، إلا أنه وما أن شعر بقوته حتى انقضّ على حلفاء الأمس واحتل مدنهم، لا بل ودمرها وأوّلها ”ماري“ الحليفة السابقة.

بعد سلسلة الانتصارات هذه؛ لقّب حمورابي نفسه بالملك الذي خضعت لطاعته جهات العالم الأربعة.

لعل أكثر ما ميّز حمورابي وجعله الأكثر شهرة عبر التاريخ هو القانون الذي سنّه؛ والذي يعتبر من أعظم القوانين في التاريخ. كتب حمورابي في قانونه قائلاً:

”أنا في الحقيقة الراعي الذي يجلب السلام، صاحب الصولجان العادل، ظِل خيري انتشر عبر مدينتي، أضم شعب أرضيّ سومر وأكاد في حضني بأمان“.

نُقش النص على مسلّة بازلتية عثرت عليها بعثة تنقيب فرنسيّة في العام 1901 في سوسة الإيرانيّة. يظهر حمورابي شخصياً في قمة النصب مُقدماً فروض الطاعة وواقفاً أمام إله الشمس “شمش” الذي يعطي حمورابي العصا والصولجان رمز السلطة.

حمورابي يحيّ الإله ”شمش“ إله الشمس ويستلم منه العصا والصولجان رمز السلطة.

حمورابي يحيّ الإله ”شمش“ إله الشمس ويستلم منه العصا والصولجان رمز السلطة.

يتضمن هذا النقش، فضلاً عن المقدمة والخاتمة،حوالي 282 نصاً قانونيا تبدأ جميعها بكلمة: إذا…، فإنَّ…

تناولت قوانين حمورابي أموراً شتى فيما يتعلق بالقضاء، وإدارة الحقول، والسرقة، والبيع والشراء، والتجارة، وشؤون العائلة، والمهر والتبني بالإضافة إلى أمور أخرى، كما وتنوعت العقوبات فكان بعضها قاسياً جداً كالإعدام والحرق والقذف في الماء وقطع الآذان والأيدي أو دفع تعويض مادي، كما أنه لم يساو بين الأسياد الأحرار والعبيد من ناحية قساوة العقوبة! بكل الأحوال فإن هذا القانون كُتب بالخط المسماري وباللغة الأكديّة.

أعرض عليكم الآن كوكبة مختارة من بنود هذا القانون:

– إذا أدلى أحدهم بشهادة كاذبة ضمن دعوى ولم تثبت صحة أقواله فإن كانت هذه الدعوة تتعلق بدعوى حياة؛ فإن ذلك السيد يعدم (أي من شهد زوراً في المحكمة).

– إذا سرق سيد ثروة تعود للإله أو القصر، فإن ذلك الشخص يعدم.

– إذا سرق سيد وقُبض عليه أثناء السرقة، فإن ذلك السيد يعدم.

– إذا شبت النار في بيت سيد وذهب سيد (آخر) لإطفائها فوضع عينه على أموال صاحب البيت، فإن هذا السيد (أي السارق) يلقى في هذه النار.

– إذا استأجر سيد حقلاً لزرعه لكنه لم يزرع الحقل حباً وثبت أنه لم يحرث الحقل، فإن عليه أن يدفع غلة لصاحب الحقل.

– إذا قطع سيد شجرة من بستان سيد آخر من دون موافقة صاحب البستان، فإن عليه أن يدفع له نصف ماناً من الفضة (المان وحدة قياس بابليّة).

نصب حمورابي كاملاً مع القوانين المنقوشة بالخط المسماري باللغة الأكديّة.

نصب حمورابي كاملاً مع القوانين المنقوشة بالخط المسماري باللغة الأكديّة.

– إذا تجمع متآمرون في حانة لبائعة خمر ولم تلق القبض على أولئك المتآمرين ولم تجلبهم إلى القصر، فإن بائعة الخمر هذه تعدم.

– إذا تم إلقاء القبض على سيدة تعاشر سيداً آخراً، فإن عليهم رميها في الماء، ويمكن لزوج المرأة أن يبقي زوجته على قيد الحياة إن رغب في ذلك.

– إذا اغتصب شخص زوجة سيد آخر ونام في حضنها وقبض عليه أثناء ذلك، فإن الرجل يقتل وهذه المرأة تترك.

– إذا وجهت الأصبع (اتهمت) إلى زوجة سيد بسبب رجل آخر ولكن لم يقبض عليها أثناء مضاجعة الرجل الآخر، فعليها أن تلقي بنفسها في النهر من أجل زوجها.

– إذا تم أسر سيد وكان في بيته أكل فيجب على زوجته (ألا تترك بيتها وأن تحافظ على نفسها) بعدم دخولها بيت سيد آخر.

– إذا لم تحافظ تلك المرأة على نفسها ودخلت بيت شخص آخر فعليهم أن يثبتوا ذلك على المرأة وأن يلقونها في الماء.

– إذا أسر سيد ولم يكن في بيته أكل ثم ذهبت زوجته إلى بيت سيد آخر فإن هذه المرأة لا ذنب لها.

– إذا أراد رجل أن يطلق زوجته التي لم تلد له أطفالاً فيجب أن يعطيها دارهماً بقدر المهر ويعطيها الأغراض التي جلبتها من بيت أبيها وعندئذ يطلقها.

– إذا كرهت امرأة زوجها فيجب عرض قضيتها في المجلس فإن كانت لم ترتكب خطأ وكان زوجها يحط من قدرها فإنه ليس لهذه المرآة ذنب ويجب أن تأخذ حقها وتذهب إلى بيت أبيها، أما إذا لم تكن متحفّظة وتحط من شرف زوجها فيجب أن يلقوا تلك المرأة في الماء.

– إذا تزوج سيد امرأة ومرضت وأراد أن يتزوج ثانية فله ذلك، ولكن لا يجوز أن يطلّق التي مرضت وتسكن في البيت الذي بناه عليها ويجب أن يعيلها طالما كانت على قيد الحياة، أما إذا لم ترد أن تعيش في بيت زوجها فيعطيها كامل جهازها الذي جلبته من بيت أبيها ولها أن تذهب.

– إذا تسببت امرأة بموت زوجها بسبب رجل آخر فعليهم أن يوتدوا تلك المرأة.

– إذا اختار سيد عروساً لابنه ودخل عليها الابن، ثم قام بعد ذلك بالنوم في حجرها (أي الوالد) وقبضوا عليه، فيجب أن يوثقوا ذلك ويرموا الرجل في الماء.

– إذا نام رجل في حجر أمه بعد والده (بعد موته) فعليهم أن يحرقوا كليهما.

– إذا ضرب ولد والده فعليهم أن يقطعوا يده.

– إذا فقأ سيد عين ابن أحد الأشراف فعليهم أن يفقأوا عينه، وإذا كسر عظم سيد آخر فعليهم أن يكسروا عظمه.

– إذا فقأ سيد عين رقيق (عبد) سيد أو كسر عظمه فعليه أن يدفع نصف قيمته.

– إذا قلع سيد سن سيد من طبقته فعليهم أن يقلعوا سنه.

– إذا قام رقيق (عبد) سيد بصفع خد أحد الأشراف تقطع أذنه.

– إذا ضرب سيد بنت سيد (آخر) وسبب لها الإجهاض فعليه أن يدفع عشرة شيقلات (وحدة وزن بابليّة) من الفضة، أما إذا ماتت تلك المرأة فيجب إعدام ابنته.

– إذا أجرى طبيب عملية خطيرة لسيدة وسبب موتها فعليهم أن يقطعوا يده.

– إذا قال رقيق (عبد) لسيده أنت لست سيدي وثبت أنه رق (أي عبد) فعلى سيده أن يقص أذنه.

توفي حمورابي في حوالي 1750 قبل الميلاد، وخلفه على قيادة العرش عدد من الملوك حتى العام 1595 ق.م. حيث غزت القبائل ”الحثيّة“، القادمة من مناطق الأناضول، بلاد ما بين النهرين وتسببت بتدمير وتخريب عدد من مراكز المدن ومن بينها بابل.

مما تجدر الإشارة إليه، أن حمورابي لم يكن صاحب أول قانون في التاريخ كما هو شائع؛ فقد سبقه إلى ذلك الملك السومريّ ”أورنمو“ (2110-2093 ق.م.) حاكم مدينة ”أور“ وباني زقورتها الشهيرة الواقعة اليوم في تل ”المقيّر“ في أقصى جنوبيّ العراق.

كما أن حاكماً آخراً سنّ قانوناً قبل حمورابي وهو ”ليبيت عشتار“ (1936-1926 ق.م) حاكم دولة ”أيسن“ الواقعة اليوم في أطلال ”إيشان“ البحرية في جنوب العراق.