عند ذكر المقولة الشهيرة ”الغاية تبرر الوسيلة“ سرعان ما يذهب التفكير إلى بعض أشنع الأفكار والأحداث في التاريخ، ففي وقت ما كان الشعار ذاته موجوداً بأفكار أشخاص من نوع هتلر الذي قتل ملايين اليهود لتحقيق غايته بدوبة ذات ”عرق صافي“، أو ستالين الذي ذهب بأرواح الملايين أيضاً لتحقيق الغاية القصوى المتمثلة بالمجتمع المثالي.

عدا عن أن المقولة الأصلية ليست ما قاله ميكافيلي (الذي يشيطن كثيراً نتيجة ربط المقولة به) فميكافيلي تحدث عن كون الناس ينظرون إلى أهداف القائد لا إلى أفعاله التي يقوم بها في ذلك السبيل. على أي حال فالمقولة هذه ليست بالسوء الذي يتم تصويرها فيه عادة كما لو أنها سبيل لتبرير أي تصرفات.

الغاية تبرر الوسيلة في المجتمع

الممر الرئيسي في سجن

غاية الحفاظ على المجتمع بوضعه الآمن تبرر وسائل من نوع السجن والنفي والإعدام حتى.

عند التفكير بالعقد الاجتماعي الذي يقوم على أساسه أي مجتمع أو أي جماعة بشرية ولو على المستوى القبلي، فالعقد الاجتماعي يحدد بصراحة حالة أن الغاية تبرر الوسيلة، فأي مجتمع مهما كان بدائياً يتضمن قانوناً أو على الأقل تشريعاً غير محكي يتضمن قطعاً قانون عقوبات  يربط تصرفات معينة بعقوبات تتراوح من الغرامات إلى السجن او النفي او حتى القتل.

عند النظر إلى هذه العقوبات بشكل مجرد فهي بدون شك وسائل وحشية وسيئة بالمطلق، فعقوبة الإعدام مثلاً أو حتى السجن يمكن وصفها بأنها ”غير إنسانية“—مع التحفظ على مصطلح ”إنسانية“—لكن هذه العقوبات والوسائل السيئة تمر على المجتمع دون ملاحظتها أو الاعتراض عليها لسبب بسيط: الغاية القصوى من الموضوع—الحفاظ على فعالية المجتمع—”نبيلة“ بما يكفي ليتم التغاضي عن الأساليب السيئة.

كيفية تطبيق المبدأ في الحياة اليومية

صياد أمريكي مع ضحيته

الصيد لأجل المتعة كان مقبولاً للغاية في الأوقات الماضية، لكنه اليوم يعتبر تصرفاً سيئاً في نظر معظم الناس.

تضج الشبكة العنكبوتية كل فترة بأخبار متشابهة تتحدث عن أشخاص أغنياء يلتقطون صوراً تذكارية بجانب حيوانات برية قامو بصيدها، هذه التصرفات تلاقي استهجاناً كبيراً من قبل معظم الناس مع العديد من رسائل وتعليقات الاستهجان الغاضبة من هكذا تصرف بلا أي غاية سوى المتعة فقط.

المثير للاهتمام أن الأشخاص نفسهم الذين يدينون هذه التصرفات، غالباً ما يكونون من متناولي اللحوم الحيوانية عادة! كيف يمكن لمن يستهجن قتل حيوان في مكان ما أن يتناول لحوم الحيوانات أصلاً؟ الجواب بسيط: الفرق هو الغاية فقط، ففي حالة صيد الأسود مثلاً فالغاية هنا هي فقط متعة الصياد، وهذه الغاية ليست نبيلة أو مهمة كفاية لتبرر الوسيلة التي تتضمن قتل الحيوان بطلق ناري. بينما في الحالة الثانية فالغاية هي الطعا والتي تعد مهمة بشكلٍ كاف ليتغاضى الشخص عن الوسائل المتبعة لتحقيق ذلك (تربية الحيوانات في الحظائر وذبحها يعد عملاً أشد وطأة من صيدها في البرية إذا ما نظر إليه بشكل مجرد عن الغاية المقصودة).

هناك العديد من الأمثلة في حياتنا اليومية عن الغايات التي تبرر الوسائل، فالأهل مثلاً قد يحرمون أطفالهم الحلوى أو المصروف (وسيلة سيئة) ليتعلموا أخلاقاً معينة (غاية مهمة كفاية ليتم التغاضي عن الوسيلة). والعديدون مثلاً يبررون الرشاوى التي يتقاضاها الموظفون الحكوميون (وسيلة سيئة) لأن الغاية هي تأمين حياة أفضل من المعايير المتدنية التي يوفرها الراتب الحكومي (غاية أهم من الوسيلة لدى البعض).

لماذا يرتبط القول بالمعاني السلبية عادة

كما أسلفت في المقدمة، فمقولة ”الغاية تبرر الوسيلة“ تربط عادة بأشياء سلبية وتصرفات إجرامية حتى. هناك عدة أسباب تقع خلف ذلك في الواقع:

1. المعايير الأخلاقية المتغيرة عبر الزمن:

أب يصفع ابنه

ربما ما يزال ”الضرب“ مقبولاً في معظم مناطق الشرق الأوسط، لكنه أصبح يعد جريمة في البلدان الغربية.

لو سألت عينة من الأشخاص عن موقفها من تأديب الأطفال باستخدام الضرب عام 1900 مثلاً، فالغالبية العظمى من الردود ستكون مؤيدة لهذه العملية. لو أعدت السؤال على أشخاص من الوقت الحاضر في بلد أوروبي غربي مثلاً، فالإجابات ستكون مختلفة تماماً عن السابق. فالضرب الذي كان منذ زمن يعتبر وسيلة سيئة، أصبح يعد أكثر سوءاً في العديد من المجتمعات اليوم بشكلٍ كافٍ حيث لم تعد الغاية (التأديب) كافية لتبريره.

2. العنصرية:

عائلة من الأفارقة المستعبدين في الولايات المتحدة الأمريكية.

العبودية كانت مبررة في الأيام الخوالي بشكل كافٍ لتشرعها معظم الأديان الكبرى المنتشرة اليوم.

أحد الأوجه الأبرز للعنصرية هي اعتبار أعراق أو أجناس أخرى أدنى من مرتبة الشخص، ففي أوج الموجة القومية الأوروبية نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كان الأوروبيون البيض يرون نفسهم كائنات أعلى مرتبة من سواهم، وكذلك طوال مدة طويلة من التاريخ رأى الأمريكيون البض أنفسهم أعلى مرتبة من أولئك السود من أصول أفريقية.

هذه الفوقية ورؤية الآخرين ككائنات أدنى تجعل استغلالهم عملاً أقل شناعةً ومن الممكن تبريره بغايات بسيطة. ففي ظل العبودية رأى السادة من العرب (في فترة حكم دول الخلافة الاسلامية) والأوروبيون (في فترة اكتشاف واستعمار القارة الأمريكية) مثلاً أنفسهم أعلى من العبيد الذين جلبوهم من أفريقيا فكانت غاية الكسب المالي والرخاء أهم من الوسيلة التي تضمنت استخدام الأفارقة كعبيد.

3. الارتباط القوي بالقضايا:

المقصلة التي كانت تستخدم للاعدام في فرنسا.

الثورة الفرنسية التي تعد مثالاً للنضال نحو الحرية، كانت أشد فظاعة من معظم أفلام الرعب والتشويق التي تعرض اليوم.

عبر التاريخ، ارتكب مناصرو القضايا المختلفة فظائع كثيرة وبرروها بغاياتهم التي رأوها سامية. فالقوميون الألمان قتلوا اليهود لأجل قضيتهم ومثلهم فعل اليهود عند احتلالهم لفلسطين وكذلك يفعل بعض الفلسطينيين اليوم بهجماتهم ضد المدنيين، فالغاية الكبرى هنا المتمثلة في نصر القضية تكون أعلى من الوسائل الشنيعة المتبعة لأجل ذلك.

يمكن رؤية الأمثلة الأسوأ على تبرير الوسائل الشنيعة في حالات الثورات، فالثورة الفرنسية التي يمجدها الكثيرون اليوم استخدمت وسائل وحشية بكل ما تعنيه الكلمة، وعلى خطاها سارت العديد من الثورات من البلشفية إلى الكوبية حتى الحركات الانفصالية كما في الباسك باسبانيا وحركة نمور التاميل في سريلانكا.

معظم الأشخاص الذين يعتبرون أبطالاً تاريخيين اليوم سيكونون مجرمين لو نظر إلى الموضوع بحيادية، فهتلر نفسه يعد بطلاً في عيون العنصريين البيض والنازيين الجدد تماماً كما هو تشي جيفارا في عيون اليساريين المتطرفين وكما هو خالد بن الوليد في نظر المسلمين السنة مثلاً. كل من السابق ذكرهم ارتكب جرائم كافية لاعتباره من أسوأ الشخصيات في التاريخ، لكنه يغدو بطلاً في عيون مناصري القضية التابع لها كون جرائمه وسائل لتحقيق غايات أسمى وأنبل.

4. التقدم الاقتصادي والعلمي:

جراح من الوحدة 741 في الحرب اليابانية الصينية خلال الحرب العالمية الثانية

المعايير العالية للتجارب السرسرية على البشر ليست قديمة، فهي حديثة جداً لا يتجاوز عمرها بضعة عقود فقط.

عند التفكير بطريقة براغماتية مجردة، فمصلحة الجماعة دائماً ما تفضل على مصالح الأفراد أو الجماعات الأصغر، ومن هذا المنطلق حدثت العديد من الكوارث لأن التقدم يتطلب وسائل تعتبر شنيعة جداً. فكلٌ من جوزف ستالين وماو تسي تونغ جوع شعبه وقتل الملايين في مجاعات لتحقيق غاية التقدم الاقتصادي نحو مجتمع شيوعي مثالي.

من الجهة الأخرى يمكن النظر إلى المخابر التي بناها اليابانيون في الصين خلال الحرب العالمية الثانية كواحدة من أبشع الطرق التي تم فيها استخدام التقدم العلمي كغاية لتبرير وسائل وحشية تضمنت التجارب على البشر (هنا يمكن النظر إلى نقطة العنصرية، فاليابانيون كان يرون أنفسهم كجنس اعلى من سواهم بمراحل وكل من هو سواهم لا يرقى لأن يكون بمستواهم).

في النهاية، جميعنا نستخدم مبدأ ”الغاية تبرر الوسيلة“ بشكل متكرر عبر حياتنا اليومية ويتم تطبيقه من حولنا في كل الوقت دون أن نلاحظه إلا في الحالات التي تختلف فيها أهمية الغايات بالنسبة لنا عن اهميتها لدى غيرنا. فكون القيام بعمل سيء لتحقيق نتيجة جيدة يتبع لمدى أهمية النتيجة ومدى سوء العمل (فإذا كانت النتيجة جيدة بشكل أكبر مما هو العمل سيء يتم تبرير الموضوع) وهذه الأمور شخصية لا موضوعية وتتبع لاختلاف تفكير الأشخاص سيبقى الخلاف قائماً حول أي غايات تبرر أي وسائل وبالنتيجة لن نتذكر إلا الحالات التي نرى الغاية فيها غير كافية لتبرير الوسيلة وستبقى المقولة غالباً مطبوعة بطابع سيء.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن