أقصوصة

نعم، لقد وجدتها!

نعم، لقد وجدتها

ها أنا الرجل الخمسيني الذي ومنذ خمس وعشرين سنة قد تخرجت من جامعتي كمهندس حاز على الدكتوراه في الهندسة الإلكترونية، ولم أكن طبعاً طيلة هذه المدة قد توظفت بوظيفة تليق بهذه الشهادة اللعينة.

كنت دائماً ما أشغل وقت فراغي في المقام الأول، على روتين الحياة اللانهائي، مثل تأمين المياه، وإصلاح شريط كهرباء مقطوع، والوقوف على طوابير الخبز والمحروقات… وكما كنت أشغل وقت فراغي هذا أيضاً بإتمام ما بدأتُ به منذ عدة سنوات.

أعلم أن مجرد طرح فكرة ”آلة سفر عبر الزمن“ على أصدقائي وحتى أهلي، سيجعلني أتعرض للسخرية من الجميع. أعلم أني لو كنت عاكفاً على تأليف رواية تتكلم عن خيانة حبيب أو كنت عاكفاً على تلقي العلوم الدينية، فأني سألاقي استحسان ودعم أكثر.

لكن ما دفعني للاستمرار في هذه الفكرة المجنونة هو كرهي للحياة، وكم كنت أريد لو كان لي الخيار في مسألة إيجادي في هذه الحياة، حينها طبعاً كنت سأرفض إيجاد نفس بشرية إضافية على كوكب يحتضر، هو، وموارده، ومنظومة الأخلاق لدى قاطنيه، كل شيء يحتضر على هذا الكوكب فلما نقوم بتعذيب نفس بشرية إضافية!

طبعا اختراعي الذي مازلت محافظا على سريته والذي ما زال طور الإنشاء، هو لنقلي عبر الزمن للحظة التي بدأت رحلتي من كوني نطفة ذكرية ستتحول لكائن بشري بعد تسعة أشهر، لعلي أستطيع أن أحدث أمراً يوقف ذلك…

في تلك الليلة كنت أشاهد فيلماً وثائقياً يتحدث عن المجاعات التي أنهكت البشرية في معظم قارات هذا الكوكب.. عندما فجأة لمعت في رأسي فكرة مذهلة، نعم لقد وجدتها! ركضت نحو بهو منزلي، نحو اختراعي المركون في إحدى زوايا البهو والذي لم يكتمل للآن، ولكنني لابد أني قد حللت المعضلة وسيعمل هذا الشيء الآن، خمس ساعات من العمل المتواصل قد أنهت ما بدأت به منذ سنين، نعم سأتمكن الآن من منع إيجادي على هذه الحياة، أدر المسنن الكبير نحو اليمين، أرجع المقبس الأحمر للوراء، اضغط الزر الأخضر.. ها قد بدأت تعمل آلتي تلك، عودي بي للوراء، للوراء، للوراء أيضاً، يا إلهي لقد سقطت بي أريكتي، والتلفاز يعرض ذلك البرنامج الوثائقي عن المجاعات! آه، يا له من كابوس رائع.

مقال من إعداد

mm

عبد الباسط ناعورة

من سوريا، طالب هندسة حواسيب، عملت بتدريس اللغة الإنكليزية وعملت بمجال الدعم النفسي وحماية الطفل.

عدد القراءات: 1٬839