علوم

لماذا يصاب البعض بالـ”قشعريرة“ عند استماعهم للموسيقى؟

جلد بشري في حالة قشعريرة

الموسيقى غذاء الروح لأنَّها تستقر في مشاعرك أكثر من استقرارها في تلافيف دماغك، وذلك بالنسبة للجميع ما عدا المختصين الذين يميزون النغمات والعلامات وطبقات الصوت وغيرها من مفاهيم اللغة الموسيقية، لكن أنت كمستمع عادي تهاجم الموسيقى شعورك وروحك، وينعكس ذلك على ملامحك وخلاياك الحسية، لذلك في بعض الأحيان قد تستمع إلى مقطوعة موسيقية تتسبب لك ببرود في عمودك الفقري، أو دغدغة في يديك وكتفيك إثر صرخة مغنٍّ، أو نغمة عالية الحساسية من آلة موسيقية، وها نحن هنا أتينا لك بأسباب ذلك.

يطلق على هذه التجربة اسم Frisson، وهو مصطلح فرنسي يعني حرفيا القشعريرة، وهو الشعور وكأن موجات من المتعة تعبر الجلد، حتى أن بعض الباحثين أطلقوا عليها اسم ”النشوة الجنسية للجلد“.

وتُعد الموسيقى هي المُشَغِّل الرئيسي لهذه الخاصية في الجلد، لكن البعض تنتابه القشعريرة حتى عند النظر إلى عمل فني أو مشهد سينمائي، أو الاتصال الجسدي بشخص آخر، ومن خلال العمل في مختبر أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة واشنطن الشرقية (أماني العلايلي)، تم اتخاذ القرار بمعرفة السبب الكامن وراء شعور بعض الناس بالقشعريرة دون آخرين.

ما الذي يسبب القشعريرة عقب التشويق؟

في حين أن العلماء ما زالوا يفكون ألغاز هذه الرعشة الجنسية للجلد، تتبع عدد كبير من الباحثين مصدر هذه الرعشات وربطها باستجابتنا لمحفزات غريبة في محيطنا المألوف، خاصة الموسيقية منها، فتتسبب بعض المقطوعات الموسيقية لنا بالشعور بالقشعريرة لأنها تفاجئ توقعاتنا بشكل إيجابي، كما حصل مع سوزان بويل عام 2009 في آدائها الأول ضمن برنامج المواهب البريطاني.

إذا كان عازف كمان منفرد يعزف قطعة موسيقية على مستوى عالٍ من الروعة، فقد يولد للمستمع لحظات حاسمة مشحونة عاطفيَّاً ويجعله يشعر بتشويق كبير.

مازال العلماء يحاولون فهم السبب الذي يجعل ذلك التشويق يُحدث انتصابا على مستوى شعيرات الجلد، وهو الذي يعد هاجسهم الأول، وقد اقترح بعضهم بأن هذا خاصية تطورية ورثناها عن أسلافنا الذين حافظوا على اعتدال درجة حرارة جلودهم من خلال طبقة ماصة للحرارة تحت شعيرات الجلد، وإذا أجرينا اختبارا لانتصاب الشعيرات بعد تغير سريع في درجة الحرارة مثل تعريض الجلد في يوم مشمس لنسيم بارد مفاجئ، فنلاحظ بأن تلك الشعيرات ترتفع مؤقتاً ثم تنخفض لأن الطبقة الدافئة قد أعادت ضبط حرارة الجلد، ومنذ أن اخترعنا الملابس أصبحنا أقل حاجة لتلك الطبقة الضابطة للحرارة مع أن تركيبها الفيزيولوجي لا يزال قائماً، لكنها قد تكون أعيدت برمجتها لتفعيل ذلك الشعور بالرعشة الجميلة كاستجابة لمحفز عاطفي.

رصد كيفية استجابة الجلد للموسيقى:

لقد توقع العلماء أنه كلما كان الشخص أكثر انغماساً في الموسيقى كان أكثر عرضة ”للرعشة الجنسية الجلدية“ نتيجة تركيز انتباهه على المحفزات، كما أنهم شككوا بأن شخصية الشخص لها دور في تأثُّره.

وللتأكد من صحة هذه الشكوك تم إحضار أشخاص إلى المختبر وتم وصل مقياس الاستجابة الجلدية الكهربائية لقياس تغير المقاومة الكهربائية على جلد كل منهم عندما تتم إثارتهم فيزيولوجياً، ثم تم دعوة المشاركين لسماع العديد من المقاطع الموسيقية، حيث راقب مساعدو المختبر ردود أفعالهم على الموسيقى بتوقيت دقيق، وتتضمن أمثلة القطع الموسيقية المستخدمة في الدراسة ما يلي:

  • أول دقيقتين و11 ثانية من معزوفة (باخ) بعنوان: القديس يوحنا باش، Part 1 – Herr, unser Herrscher
  • أول دقيقتين و 18 ثانية من معزوفة: Chopin’s Piano Concerto No. 1: II
  • أول 53 ثانية من معزوفة: Air Supply’s Making Love Out of Nothing At All
  • أول ثلاث دقائق و 21 ثانية من معزوفة: of Vangelis’ Mythodea: Movement 6
  • أول دقيقتين من معزوفة: Hans Zimmer’s Oogway Ascends

تحتوي كل قطعة من هذه القطع الموسيقية على لحظة مثيرة واحدة على الأقل يعتقد أنها تثير الرعشة الجنسية الجلدية، -تم استخدام العديد منها في دراسات سابقة- مثلاً في جزء (باخ) من الاختبار تم اختيار المقطع المتوتر الذي عزفته الجوقة لعرضه على المشاركين في الاختبار خلال الـ80 ثانية الأخيرة لتكون لحظات مشحونة تولِّد لديهم القشعريرة، وبينما كان المشاركون يستمعون إلى الموسيقى طلب منهم المخبريون إخبارهم عن التجربة من خلال الضغط على زر صغير مما ساعد على تكوين سجل زمني لكل جلسة استماع.

من خلال مقارنة هذه المعطيات مع التدابير الفيزيولوجية واختبار الشخصية الذي أكمله المشاركون، تمكن الباحثون لأول مرة من استخلاص بعض الاستنتاجات الفريدة حول السبب الذي قد يُحدث القشعريرة في كثير من الأحيان بالنسبة لبعض المستمعين أكثر من غيرهم.

رسم بياني

رسم بياني يوضح تفاصيل ونتائج التجربة

يمثل هذا الرسم البياني ردود أفعال مستمع واحد في المختبر، حيث نلاحظ عند قمة كل سطر اللحظات التي كان فيها للمشارك إدراك عاطفي موسيقي، حيث تزامنت العاطفة الموسيقية مع حالة القشعريرة في هذه القمم البيانية، كما أن هذا المشارك سجل علامة عالية في سمة من سمات الشخصية يطلق عليها بـ(الانفتاح على التجربة).

دور الشخصية:

سجلت التجربة أيضاً أن المشاركين الذين وصلوا لمرحلة الرعشة الجنسية الجلدية، سجلوا علامات عالية في صفة ”الانفتاح على التجربة“ التي تندرج ضمن صفات الشخصية، وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يمتلكون هذه السمات لديهم خيال نشط بشكل غير عادي، ويقدرون الجمال والطبيعة، ويبحثون عن تجارب جديدة، وغالبًا ما يتأملون بعمق في مشاعرهم، ويكرهون الحياة الرتيبة ويميلون للتنوع، وبعض هذه السمات عاطفي بطبيعته ”حب التنوع، تقدير الجمال“، وبعضها الآخر فكري ”الخيال، الفضول الفكري“.

في حين ربطت البحوث السابقة صفة الانفتاح على التجربة بالوصول إلى الرعشة الجنسية الجلدية، توصل معظم الباحثين إلى أن المستمعين كانوا يشعرون بهذه الرعشة الجلدية نتيجة تفاعلهم العاطفي العميق مع الموسيقى، في المقابل تظهر نتائج دراستنا أن المكونات المعرفية لـ”الانفتاح على التجربة“ مثل إجراء تنبؤات عقلية حول كيف ستكون النغمة الموسيقية، أو الانغماس في الصور الموسيقية ”الإستماع للموسيقى ورؤية أحلام اليقظة في آن واحد“ كانت مرتبطة بالرعشة الجنسية الجلدية بدرجة أكبر من المكونات العاطفية، وتشير هذه النتائج، التي نُشرت مؤخراً في مجلة Psychology of Music إلى أن أولئك الذين يسبحون في الموسيقى قد يحسون بالرعشة الجنسية الجلدية في كثير من الأحيان وأكثر كثافة من الآخرين.

المصادر

عدد القراءات: 2٬411