علوم

لماذا لم نتوصّل بعد لعلاج السرطان؟

باحثة مخبرية في حيرة من أمرها

وفقا للجمعية الأمريكية لأمراض السرطان، سيصاب من ثلث إلى نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية بأحد أشكال السرطانات خلال فترة حياتهم، لذا تجد العلماء والأطباء والكثير من المنظمات التي تمول أبحاثهم متحمسين ويسابقون الزمن من أجل علاج لهذا المرض المستعصي، وهو الأمر الذي لم يفلحوا فيه حتى الساعة للأسف الشديد.

قام العلماء والباحثون في المخابر حول العالم بإجراء التجارب والاختبارات على العديد من الأدوية والعلاجات الموجهة لعلاج السرطان، وكانت هذه العلاجات في بعض الأحيان تأتي بنتائج لدى بعض المرضى وتساعد كثيرا في شفائهم منه، بينما يبدو عليها أنها عديمة النفع لدى البعض الآخر، على الرغم من أن السرطان في كلتا الحالتين من نوع واحد. لذا يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: بعد عقود طويلة وإنفاق مليارات الدولارات، لماذا لم نتوصل بعد إلى علاج ينهي معاناة البشرية مع مرض السرطان؟ لكنّا قد وجدنا هذا العلاج والرصاصة السحرية التي قد تنهي المرض نهائيا لو كان كل ورم سرطاني يتخذ نفس الشكل وينتهج نفس السلوك.

لم تتمكن البشرية من تطوير علاج واحد ضد السرطان ذلك أنه ليس مرضا واحدا، بل هو عبارة عن العديد من الأمراض ”السرطانية“ المختلفة والمتنوعة ولكل منها خصائصه الخاصة، فإن كنا سنقوم بربح المعركة ضدها سيتعين علينا أن نحارب كل واحد من هذه السرطانات على حدىً.

لخوض التحديات علينا الانطلاق من الأساسيات، وأولها فهم واضح لماهية السرطان:

نحن نميل إلى الحديث عن السرطان على أنه مرض واحد لأننا لا نملك كلمة واحدة تعبر عن كل أنواعه، ومنه فإن كلمة ”سرطان“ يشار بها في الحقيقة إلى العديد من الحالات المرضية المختلفة التي لا تتشابه فيما بينها إلا في نقاط قليلة فقط.

الشيء الوحيد المشترك بين جميع أنواع السرطانات هو أن لديها جميعها انقسام خلوي خارج عن السيطرة، هذا النمو المفرط والخارج عن السيطرة الذي يبدأ عادة بتغير مفاجئ على مستوى مجموعة صغيرة من الجينات في الجسم.

انقسام الخلايا السرطانية

مهما كان السبب الذي يؤدي إلى حصول هذه التغيرات الجينية المفاجئة، فهي دائما ما تقود إلى نفس النتائج: كتلة من الخلايا تنمو دون توقف خارجة تماما عن السيطرة، كما تقوم باجتياح وغزو الأنسجة السليمة الأخرى، وهو الأمر الذي يعتبر سيئا جدا بالنسبة للجسم.

لكن بالنظر إلى داخل كل سرطان على حدى نجده يعمل بشكل مختلف تماما: فهو عمليا مرض مختلف في كل مرة وفي كل شكل يتخذه، كما لا يتطور كل نوع من أنواع السرطانات بنفس الطريقة والشكل والترتيب، ويكون هذا غالبا بسبب كون كل نوع متفرق من السرطان يأتي نتيجة طفرات جينية مختلفة.

لنفهم قليلا مفهوم الطفرة الجينية:

تتكون الجينات من سلاسل من الحمض النووي، وكل سلسلة تعتبر مجموعة من القواعد الكيميائية التي يطلق عليها اسم (النيوكليوتيدات)، وتكون مرتبة في ترتيب محدد بدقة، ومع بعضها البعض تصدر هذه النيوكليوتيدات إشارات للخلية تعلمها فيها كيف تقوم بإنتاج البروتينات –التي يتكون منها كل كائن حي–، وبكلمات أخرى فهي تصدر لها تعليمات عن الكيفية التي تبني بها أجسامنا.

تؤدي الطفرات إلى تغيير هذه التعليمات التي تصل إلى الخلايا، وهنا تبدأ الأمور في اتخاذ منحى خاطئ.

الآن بتنا نعلم من هذه النقطة أن السرطانات تأتي نتيجة لطفرات على مستوى الجينات، هذه الطفرات التي تأتي هي الأخرى في تركيبة نوعين اثنين من الجينات، يطلق على النوع الأول اسم (الجينات الورمية) Oncogenes والنوع الثاني اسم (كابحة الأورام) Tumor Supressors.

يكون الجين الورمي في بداياته جينا عاديا يشفّر البروتينات التي تبعث بإشارات النمو إلى الخلايا، وغالبا ما يمضي معظم فترة حياته خامدا، لأن النمو أمر جيد في العادة، لكن الخلايا لا يجب أن تستمر في النمو معظم الوقت دون توقف.

وطفرة واحدة على مستوى هذا الجين تكون في العادة كافية لجعله ينتقل إلى السرعات التالية، ثم يصبح إيقاف تشغيله بعد ذلك أمرا مستحيلا تماما، وهنا يتحول هذا الجين إلى ”جين ورمي“، فيخبر بذلك الخلية بأن تستمر في النمو والانقسام مرار وتكرارا حتى عندما لا يتعين عليها كذلك، وهذا أمر خطير للغاية.

مسار تحول الجين الطبيعي إلى جين ورمي

مسار تحول الجين الطبيعي إلى جين ورمي

يعتبر جينا الـRAS، والـMYC من أكثر أنواع الجينات الورمية المعروفة –وهي المشتبه فيها عادة في التسبب بحدوث الأورام السرطانية–، وهي جينات قوية بشكل خاص تظهر غالبا في جميع أنواع السرطانات.

في معظم الأوقات تحدث الطفرات على مستوى جين الـRAS، وهو الأمر الذي يحدث تغييرات على أشكال البروتينات التي ينتجها، ثم يعلق البروتين المشوه في وضعية لا يتوقف فيها عن إرسال الإشارات إلى الخلية بأن تواصل النمو والانقسام، سواء كان عليها ذلك أم لا.

ومع هذا الشكل الجديد للبروتين، تصبح العديد من البروتينات الأخرى –التي تعمل عادة على إيقاف تشغيل بروتين جين الـRAS قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة– غير قادرة على التعرف على ما يجب عليها استهدافه وإيقاف تشغيله، ثم لا تتوقف الخلية أبدا عن تلقي إشارة النمو والانقسام، وتتحول تدريجيا إلى ورم.

ننتقل الآن إلى الجينات ”الكابحة للأورام“، وهي نوع آخر من الجينات المسببة للسرطانات التي تعمل عادة عكس ما تعمله الجينات الورمية، ومثلما يوحي به اسمها، تعمل الجينات الكابحة للأورام على وقف نمو الخلايا، إلا إن كانت الظروف جيدة تماما.

مثلما هو الحال بالنسبة لجميع الجينات في جسمك، لدى كل خلية نسختان من جين كبح الأورام، لذا من الصعب جدا تعطيله، فحتى لو حدثت طفرة على مستوى نسخة واحدة منها، تبقى النسخة الأخرى تشتغل بشكل عادي.

توجد نسختان من الجينات الكابحة للأورام في كل خلية

توجد نسختان من الجينات الكابحة للأورام في كل خلية

لكن السرطان بطبعه يميل دائما إلى إيجاد طريقة أخرى لتجاوز كل أنواع الحماية التي يصادفها لدى غزوه للجسم، فغالبا تحدث طفرة في جين كبح الأورام على مستوى كروموزوم واحد في نقطة يتوقف فيها عن العمل تماما، ثم تفقد الخلية معظم معلومات الحمض النووي التي تحتوي على النسخة الثانية.

مع وجود طفرة على مستوى نسخة واحدة وحذف النسخة الثانية تماما من سجلات الخلية، تصبح الخلية الآن خالية من جين كبح الأورام ليوقفها عندما تبدأ بالنمو والانقسام بشكل مفرط. كما قد تحدث هذه الطفرات وفقا للعديد من الطرائق، ومع العديد من هذه التركيبات المحتملة أصبح من غير الممكن لنا صناعة دواء لمنع حدوث الطفرات على مستوى جينات كبح الأورام.

عندما تصبح الأورام أكبر حجما تحدث طفرات أكثر على مستوى أعداد أكبر من الجينات، التي يتسبب بعضها في جعل السرطان أكثر بشاعة وفتكا وأكثر عدوانية.

تتنوع الأسباب التي تتحكم في السرعة التي يحدث وفقا لها السيناريو الذي سبق ذكره: مع اختلاف وتيرة العديد من العوامل لدى كل نوع مختلف من أنواع السرطانات. كما أنه قد تكون هناك آلاف الطفرات المحتملة التي تحدث على مستوى الخلية، وهو أحد الأسباب الذي يجعل الدواء يعمل لصالح مريض ما ولا يجدي أي نفع مع مريض آخر، حتى عندما يتعلق الأمر بنفس نوع السرطان، وحتى لو أٌثبت أن ذلك الدواء فعال للغاية ضد ذلك النوع من السرطان بالضبط.

لذا، حتى لو تعلق الأمر بورم واحد، سيميل هذا الورم إلى اتخاذ سبيل جيني مختلف، مما يصعّب على الأطباء وصنّاع الأدوية معرفة ما عليهم استهدافه.

كيف تتمكن من القضاء على خلية سرطانية إن كنت تجهل أيا واحدة من عشرات الجينات المسببة للمشاكل التي تجعلها تنمو بهذا الشكل؟

أكثر طريقة واضحة لعلاج الورم هي بحمل سكين واستئصاله تماما من الجسم، ويطلق على نوع العلاج هذا اسم الاستئصال بالجراحة، لكن هذه الطريقة ليست دائما ممكنة، وحتى عندما تكون متاحة تعاود الأورام النمو في بعض الأحيان. هنا يأتي دور الخطة البديلة: وهي استعمال وسيلة قوية لسحقه، والتحلي بالأمل.

لمدة طويلة من الزمن، كانت أفضل العلاجات التي اتخذها البشر عندما يتعلق الأمر بالأورام السرطانية هو إرسال عقار سام للغاية لمهاجمة كل الخلايا التي تنقسم بوتيرة سريعة في الجسم البشري دون استثناء، وتنقسم هذه العلاجات إلى نوعين: العلاج الكيميائي، والعلاج بالإشعاعات.

تعتبر الإشعاعات ”المؤينة“ أو ”الأيونية“ أكثر أنواع العلاجات الإشعاعية فعالية، وهو نوع العلاج الذي بإمكان الطاقة الصادرة عنه تأيين الذرات، وتعتبر هذه العلاجات فعالة ببساطة لكونها قادرة على سحق الحمض النووي وتفكيكه إلى أجزاء صغيرة متفرقة، بمجرد أن يتمزق الحمض النووي الخاص بالخلايا السرطانية ويصبح غير مقروء؛ لا يمكن التعرف عليه، وتصبح الخلايا عاجزة عن صنع نسخ عن نفسها أو الانقسام مجددا.

لكن هذا النوع من العلاجات بإمكانه بالطبع إحداث الضرر كذلك بالحمض النووي للخلايا السليمة القريبة من الورم السرطاني، لذا تجد الأطباء يحاولون بأقصى جهد تركيز هذه الإشعاعات على الورم فقط، بهدف تعريض أقل قدر ممكن من الأنسجة السليمة لها.

أما العلاج الكيميائي فهو مجموعة من الأدوية والعقاقير التي تعمل وفقا للعديد من الطرائق، وبسبب كونها تسري في مجرى الدم في الجسم فهي تميل إلى التأثير على الجسم كله.

العلاج الكيميائي ضد السرطان

تعمل بعض أنواع العلاجات الكيميائية على تقليد لبنات بناء الحمض النووي حتى تنخدع الخلايا السرطانية وتحاول إدخالها في كروموزوماتها الخاصة، دون معرفتها بكونها عديمة الفائدة.

تستهدف أنواع أخرى من العلاجات الكيميائية الهيكل الخلوي الخاص بالخلية –وهي تركيبتها الداخلية– حتى لا تتمكن من الانقسام والنمو بشكل مفرط، وتستطيع أنواع العلاجات الكيميائية هذه إيقاف انقسام الخلايا السرطانية وغير السرطانية.

لكن الجسم يحوي على الكثير من الخلايا السليمة التي تحتاج إلى الانقسام والنمو بوتيرة سريعة وتعيقها عن ذلك هذه الأدوية والعقاقير، مثل خلايا الشعر وبطانة المعدة والأمعاء التي تحتاج إلى التجدد بشكل دائم ومستمر بفعل الضرر الذي تحدثه بها الأحماض القاسية التي تحتوي عليها، لهذا تتسبب العلاجات الكيميائية في فقدان الشعر وحدوث بعض أعراض المشاكل الهضمية –ناهيك عن عدد من الأعراض المقلقة الأخرى– فهي قد تتمكن من تثبيط نمو السرطان أو حتى القضاء عليه، لكنها ليست جيدة على جميع الأصعدة.

الأعراض الجانبية للعلاجات الكيميائية

لحسن حظنا، هناك بدائل علاجية جديدة:

واحد من أحدث الأسلحة في المعركة ضد مرض السرطان هو ما كان خبراء البيولوجيا يعملون على تطويره وتحسينه منذ عقود، والذي يعرف باسم: ”تسلسل الجينوم“ الذي يعتبر حلا أسرع وأرخص ثمنا من أي دواء كان متاحا منذ عشرة سنوات في الماضي.

بإمكان العلماء الآن، وفي غضون أيام قليلة، ترتيب الكثير من الخلايا السرطانية لأنواع مختلفة من السرطانات، من أجل معرفة كيف وأين حدثت الطفرات على مستوى جيناتها بالتحديد.

وباستعمال هذه المعلومات، بإمكان العلماء كذلك توقع أنواع الأدوية والعلاجات التي تكون فعالة ضد هذه الأنواع المعينة من السرطانات، لذا بدل استعمال عقاقير قاسية تتسبب في قتل كل شيء تحتك به تقريبا، أصبح بإمكاننا تطوير طرائق مستحدثة ومحسنة أكثر في سبيل علاج نوع محدد من السرطان عند نوع معين من الأشخاص من خلال دواء وعلاج شخصي معين كذلك.

يوجد مشروعان عملاقان في ريادة هذه المقاربة الجديدة، يطلق على المشروع الأول اسم (مشروع جينوم السرطان) Cancer Genome Project، والمشروع الثاني (موسوعة خط الخلية السرطانية) Cancer Cell Line Encyclopedia، اللذان عملا على إجراء التجارب والاختبارات على العديد من الخلايا السرطانية للعديد من أنواع السرطانات، وكذا العديد من الأدوية على نطاق واسع.

في كلتا الحالتين، أكد الباحثون على أن أنواعا معينة من الأدوية أثبتت نفسها فعالة أكثر ضد أنواع محددة من السرطانات، فقد تكون على سبيل المثال أدوية معينة فعالة ضد سرطان الدماغ أكثر من سرطان المعدة. كما اكتشفوا أنه بإمكانهم توقع فعالية نوع معين من الأدوية بناء على الطفرات التي قد يعثرون عليها في مجموعة معينة من الخلايا السرطانية، ومنه لم يعد اختيار الأدوية الأنسب لعلاج نوع معين من السرطان اختيارا احترازيا يجرى في الظلام بعد الآن –على الأقل نظريا–.

إلا أن هذه المشاريع الواعدة لم تخلُ من بعض المشاكل هي الأخرى، فقد عمدت دراسة ثالثة إلى مقارنة النتائج التي توصل إليها المشروعان لدى إجرائهما لنفس التجارب على نفس الخلايا السرطانية والأدوية، ووجدت أنهما توصلا إلى استنتاجات مختلفة تماما. ومنه، حتى عندما يتم استهداف نفس النوع من الخلايا السرطانية بنفس النوع من الأدوية، تستجيب تلك السرطانات بشكل مختلف في كلتا الحالتين، وحتى عندما اتفق المشروعان على أن دواء معينا كان فعالا في كلتا الحالتين في علاج نوع محدد من السرطانات، لم يتفقا حول الجرعة الأنسب التقيد بها حتى يكون العلاج فعالا.

لذا، لن نكون قادرين على الاعتماد على الأدوية والعلاجات الشخصية في علاج السرطان حتى يتوصل العلماء إلى طرائق أكثر فعالية في إجراء التجارب على هذه الأدوية، والطريقة المثلى لاستعمالها على البشر. لكن على الرغم من كل تلك المشاكل، إلا أن هذين المشروعين يبقيان تقدما واعدا أحرزته البشرية في معركتها ضد السرطان.

ومنه فإن سؤال: ”لماذا لم نتوصل بعد إلى علاج للسرطان“، هو سؤال خاطئ في طبيعته، ذلك أنه لا يوجد سرطان واحد يتطلب علاجا واحدا، وفي القريب العاجل، ستكون هناك أدوية متعددة بعدد مرضى السرطان، ولكل مريض نوع دوائه الخاص به.

عدد القراءات: 1٬943