اجتماعيات

متى ولماذا يصبح الناس لادينيين وملحدين؟ دراسة جديدة تجيب على هذا التساؤل

طفل في المسجد

في سنة 2009، اقترح (جوزيف هينريك)، بروفيسور في قسميّ علم النفس وعلوم الاقتصاد في جامعة (بريتيش كولومبيا) —الآن في جامعة هارفرد—، فكرة «عروض تعزيز المصداقية» Credibility Enhancing Displays أو باختصار CREDs، ولقد كان يبحث عن مصطلح للدلالة على الأشخاص الذين ”ينقلون تمثيلا ذهنيا معيناً لكنهم في الواقع يؤمنون بأمر مختلف“، أي أنهم في كل الأحوال يلفقون مستوى التزامهم بما يظهرونه.

قام (هينريك) بصياغة هذا المصطلح من أجل منح معنى للمراوغة والأشخاص المتلاعبين خاصة فيما يتعلق الأمر بالمعتقدات الدينية، بينما كان تركيزه على التعلم الثقافي خلال التاريخ التطوري، فإن استقراء عروض تعزيز المصداقية على السياسة ليس بالأمر العسير فهمه واستيعابه ولا بالأمر الغريب، بل في الواقع يجادل (هينريك) أن هذه العروض مركب أساسي للعشائرية (القبلية)، فهي تساعد على تحديد هوية الفرد ضمن المجموعة وتقوي روابطه مع أفراد مجموعته.

على مر التاريخ، كانت تلك أداة ذات منفعة كبيرة جدا، لكن البيولوجيا التطورية لم تتنبأ بتطور مجتمعات تتضمن مئات الملايين من الأفراد، فقد تكون أدمغتنا تتحرك ملايين الكيلومترات في الساعة لكن العادات المغروسة داخلها عميقا لا تفعل ذلك. من أجل بناء حجته، حوّل (هينريك) اهتمامه إلى ”المسرح الشعائري“ —ممارسة الشعائر أمام الجميع—، مثل المشي على النار بالنسبة لبعض المجتمعات والتضحية بالحيوانات بالنسبة لمجتمعات أخرى. تلك عروض مكلّفة يقول عنها (هينريك) بأنها: ”تعمل على نقل مستويات عالية من الالتزام بالمعتقد ومنه تعزز تعاون الفرد مع أفراد مجموعته أو مؤسسته ونجاحه في المنافسات التي تجري ضمنها“، وكلما كان العرض جريئا أكثر كلما اقتنع به الناس أكثر، حتى لو كان مؤديه مركزا بشكل أكبر على إقناعك به أكثر من تركيزه عليه في حد ذاته.

على الرغم من أنه بإمكاننا تحرير صفحات طويلة في تطبيقنا لمبدأ «عروض تعزيز المصداقية» هذه على الانتخابات وسيرها، لكننا بدل ذلك سنحول اهتمامنا إلى (جوزيف لانغستون) الذي قام مؤخرا بتطبيقها على مستهل الإلحاد –النقطة التي يتحول فيها الفرد من مؤمن إلى ملحد–. فبعد كل شيء، تتشارك السياسة والدين في الكثير من الخصائص المشتركة.

سنّ الإلحاد:

رغب (لانغستون)، طالب دكتوراه في جامعة (فيكتوريا) في نيوزيلندا وباحث لدى معهد Atheiste Research Collaborative، في معرفة متى يصبح الناس ملحدين، وأدرك بأن «عروض تعزيز المصداقية» مثلت وسيلة جيدة لقياس هذا الأمر: وفقا لدراسته الجديدة التي قام بنشرها في مجلة «الدين، الدماغ والسلوك»، يبدو أن الأهالي الذين يحدّثون أبناءهم عن الدين لكنهم لا يمارسونه كانوا أكثر احتمالا في إنتاج أبناء لادينيين وملحدين.

لا تستوي «عروض تعزيز المصداقية» والمعتقدات بالماورائيات على درجة واحدة، حيث أن معرفة أي الأمور مسموح أكلها وأي الأمور محرمة يقع في خانة اختصاصها، أي من اختصاص المعتقد الديني، وما كان (هينريك) قد فهمه وما أعاد (لانغستون) تكراره هو أن هذه العروض أداة مفيدة جدا على المستوى الاجتماعي، لكنها في نفس الوقت قابلة للتطويع بما فيه الكفاية ليستغلها الساسة ورجال الدين وكل شخص متلاعب لأغراضهم الشخصية.

طبعا تكون المعتقدات في غالب الأمر صادقة، مع أنه عندما يكون عرض شعائري ما يجري أمام الناس، فهو يكون عبارة عن مسرحية كبيرة يؤديها هؤلاء المتلاعبون السابق ذكرهم، وهدفها الأسمى هو استمالة الأفراد المؤمنين أكثر وتأمين استثمارهم الشخصي في إيمانهم بهم.

يشير (لانغستون) في دراسته هذه إلى أبحاث سابقة وضعت «عروض تعزيز المصداقية» على أنها ذات تأثير نسبي في انتقال المعتقد الديني بين الأجيال من جيل إلى جيل، مما جعله يظن أنها قد تعطيه فكرة عن السنّ الذي يصبح فيه المرء ملحدا. يمنح (لانغستون) في نفس الوقت اهتماما أكثر في بعد المسافة بين حرية الاختيار الديني والتضارب الديني، في المجتمعات التي تلت الثورة الصناعية حيث أصبح الأمن الوجودي أمرا شائعاً ومتاحاً؛ كان الأهالي أقل اعتمادا على الماورائيات والدين في نجاتهم واستمرارهم —على الرغم من أن الولايات المتحدة تشكل استثناء مثيراً للاهتمام في هذا الجانب—.

وكتب (لانغستون) أن حرية الاختيار الديني كان عاملاً على احتمال أكبر في أن يفضي إلى عدد أكبر من الملحدين في الأجيال القادمة، مع ذلك فإن التسلط الأبوي يخلق أيضا ميولا إلى التحول إلى الإلحاد من خلال ما أسماه: ”العزل، وخيبة الأمل الشخصية، والتمرد“، وبدا له أن عدم منح حرية الاختيار الديني للأبناء يذكي فيهم الميل إلى اللادينية ونفي الدين.

الدراسة:

من أجل إعداد هذه الدراسة، قام (لانغستون) باستجواب 5153 شخصاً لادينياً على محوري معايير أساسيين، أولا رغب (لانغستون) في معرفة ما إذا كانت العلاقة بين «عروض تعزيز المصداقية» والإلحاد مدفوعة أو محفزة من قبل الأهمية الدينية، وحرية اختيار الدين، والتضارب الديني. ثانيا قام بتوسيع بوتقة الاستبيان من خلال تضمين تلقي ونقل المعتقدات الدينية من خلال دراسة متغيرات أخرى اجتماعية ودينية، وتضمنت هذه الأخيرة أسئلة على غرار: ”أثناء نشأتك، هل تصف والدك/والدتك بأنه كان: (1) سهلا التحدث معه، (2) صارماً، (3) دافئاً ومحباً؟“.

اكتشف (لانغستون) أن الأهمية الدينية ساهمت في تأخير السنّ الذي يتحول فيه الناس إلى لادينيين، بينما عمل كل من حرية اختيار الدين والتضارب الديني على تسريع العملية، وتماما مثلما توقّع في بادئ الأمر؛ أدت «عروض تعزيز المصداقية» في نهاية المطاف إلى التحول إلى اللادينية في وقت أبكر. عندما يستمع الأطفال إلى أهاليهم يتحدثون حول الدين لكنهم لا يمارسونه، فإنهم ينتهي بهم المطاف إلى نفيه ورفضه.

يجد البعض أنه من الصعب التفكير في المعتقد على أنه سيل ودفق مستمر ومتواصل، ومع ذلك فالبشر قابلون للتضليل بسهولة، حيث أنشئت الثقافة من خلال طبقات من «عروض تعزيز المصداقية» المترابطة ببعضها البعض، ولو كان الأمر على غير هذه الحال لكان الإجماع في الرأي والنقاط المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد غير موجود، وبينما يوجد هناك ميل عام إلى فصل المعتقد الديني عن كل المعايير الاجتماعية الأخرى، فلا يوجد هناك أي أمر مقدس أو عالمي حول أي معتقد، فهي كلها مركبة ومفتوحة على التأويلات.

القيود:

في حوار معه، اعترف (لانغستون) بعدة قيود حدّت دراسته هذه، على رأسها كان عدم تضمنها على أشخاص مؤمنين، حيث قال: ”إذا كنا لنصمم دراسة أفضل من دراستنا هذه، كنا لنجمع عينة أكبر من الأشخاص المتطوعين التي تتضمن كلا من المؤمنين وغير المؤمنين، من هناك سنكون قادرين على المقارنة بين هاتين المجموعتين.“

الصلاة الدينية

بصفة عامة، لا يرى (لانغستون) في هذا الأمر على أنه مشكلة، بل محفزا آخرا فقط للقيام بأعمال بحثية [التي هو بصدد القيام بها حالياً] متقدمة. في المستقبل، يرغب (لانغستون) في معرفة ما إذا كانت المعالم اللادينية يتم نقلها ونشرها من طرف العائلات العلمانية عمداً، وإن كان الأمر كذلك، ما هو نوع «عروض تعزيز المصداقية» التي تستخدمه في ذلك، وكذلك ما إذا كان المؤمنون يختبرون مستويات مختلفة من حرية اختيار الدين والتضارب الديني مما يختبره اللادينيون، وما إذا كان العزل التسلطي الذي يمارسه الأهالي المتدينون والمتشددون يتسبب بشكل غير مقصود في تحول أبنائهم إلى نفي الدين والإلحاد في نهاية المطاف.

يقول (ديريك بيريس)، محرر لدى موقع Big Think: ”بعد مدة وجيزة من تحصلي على شهادتي في الدراسات العليا في تخصص الدراسات الدينية، كنت أتمشى على جسر (بروكلين) مع والدي، في تلك النقطة كنت قد تحولت إلى اللادينية، لقد درست الدين لأنني كنت مهتما بالسبب الذي يجعل الناس يؤمنون به وليس ما الذي يؤمنون به، ثم سألت والدي لماذا تربيت على اللادينية، وكان جوابه على الفور: ’لأنني تربيت على الكثير من الدين‘. لقد رفض أبي واقعاً فُرض عليه في طفولته وهو اضطراره للذهاب إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية المحلية في كل يوم أحد بينما بقي والداه في المنزل“، يضيف الكاتب: ”عندما كنت أدرس في الصف السادس، أخبرت والديّ أنني لم أعد أرغب في الذهاب إلى المدرسة الكاثوليكية بعد الآن، تلقى والدي قراري هذا بصدر رحب وبدا وكأنهما لم يواجها مشكلة في ذلك، كما أن ذلك الصف الأسبوعي كان يتعلق بالنشاطات الاجتماعية أكثر من الدينية منها في كل الأحوال“.

يختتم (بيريس) قائلا: ”أنا لست متأكدا أي «عروض تعزيز المصداقية» التي تلقيتها في أيام طفولتي، لكن أمرا واحدا أنا متأكد منه من بحوث (لانغستون) وهو: أن المنافقين نادرا ما يصلون إلى النتائج التي ينشدونها؛ قد تنطلي الحيل المسرحية التي يأدونها في بادئ الأمر، لكن المخدر يزول في نهاية المطاف.“

عدد القراءات: 2٬443