in

ما الذي يجعل من بعض الأسلحة ”غير إنسانية“

احتل اختراع الأسلحة وتطويرها حيزاً كبيراً من تاريخ الجنس البشري، فعلى مدار آلاف السنين من الحروب والقتل، استمرت البشرية في ابتكار طرق جديدة لإبادة بعضها البعض بطرق وحشية. بدأ الأمر بالهراوة ثم الرمح ثم القوس ثم المنجنيق ثم البنادق وصولاً إلى تلك الأسلحة النووية التي أبادت مدناً بحالها!

كان الغرض الوحيد من جميع هذه الأسلحة هو القتل، ثم ظهرت بعض الأسلحة التي عُقدت اتفاقات دولية لحظر استخدامها لكونها أسلحة غير إنسانية، ولكن إن كان الغرض الوحيد من هذه الأسلحة هو قتل العدو، فما الذي جعل منها أسلحة غير إنسانية!

1. الرصاص المسموم

الحروب خلال القرن السابع عشر
الحروب خلال القرن السابع عشر.

كان السلاح المُستخدم خلال الصراعات العسكرية التي نشبت في منتصف القرن السابع عشر هو البنادق القديمة وغير الدقيقة، فكانت إصابة العدو إصابة قاتلة أمرًا بعيد المنال، لذا لجأت بعض الجهات إلى غمس الرصاصات داخل الجثث المتعفنة أو داخل حفر المراحيض من أجل تلويثها، وهكذا ما إن تصيبك الرصاصة حتى وإن كانت الإصابة غير بليغة، فإنها ستنقل لك عدوى تموت على إثرها في ببطء خلال عدة أيام.

في عام 1675، عُقد اتفاق (ستراسبورغ) الدولي الذي يحظر تخزين الرصاص في المواد السامة أو المعدية، وهو أول اتفاق دولي يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية خلال الصراعات العسكرية. السبب في حظر استخدام هذه الرصاصات لقتل العدو لكونها لا تتماشى مع مبادئ الحروب المتحضرة.

2. حرب الغازات

الجنود الألمان وهم يطلقون غاز الكلور باتجاه خنادق الفرنسيين.
الجنود الألمان وهم يطلقون غاز الكلور باتجاه خنادق الفرنسيين. صورة: rferl

دعونا نتقدم بالزمن سريعاً إلى تاريخ 22 أبريل عام 1915، حيث شهدت معركة (إيبر) الثانية في بلجيكا خلال الحرب العالمية الأولى أول استخدام للغاز السام عندما أطلق الجيش الألماني 171 طنًا من غاز الكلور على امتداد 6.5 كيلومتر تقريباً.

يعتبر غاز الكلور من الغازات السامة جداً، حيث يسبب التهيج في العينين والجلد، كما أنه يسبب امتلاء الرئتين بالسوائل في حال استنشاقه بكميات كبيرة. كان غاز الكلور اختراعًا حديثًا في مجال الأسلحة، وكانت الوسائل التي استخدمها الألمان لإطلاقه بدائية للغاية، حيث قاموا بتعبئته داخل 6000 أسطوانة تزن كل أسطوانة 41 كغ، وحملوها إلى الخطوط الأمامية.

كانت هذه الأسطوانات تُفتح يدوياً وبمجرد تحول الرياح باتجاه الفرنسيين كانت تنطلق كتلة من الغازات الضارة باتجاههم. عانى الألمان أيضاً من إصابات بالغة ووفيات من غازهم، حيث كان من المستحيل السيطرة على الغاز بمجرد خروجه من الأسطوانات.

عندما وصل غاز الكلور إلى صفوف الفرنسيين بغضون 10 دقائق، مات 6000 جندي بسبب الاختناق وتلف الأنسجة في الرئتين، كما أنه تغلغل داخل خنادق الفرنسيين لكونه أكثر كثافة من الهواء، مما تسبب بخروجهم من مخابئهم ليواجهوا إطلاق نار كثيف من جانب الألمان.

استمر استخدام غاز الكلور والعديد من المواد الكيميائية السامة الأخرى طوال فترة الحرب، ووقع ضحيتها أكثر من 1.2 مليون جندي، وفي ضوء هذه الأحداث انعقد مؤتمر جنيف لعام 1925 الذي حظر استخدام الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية أثناء الحروب.

إن بروتوكول جنيف هو معاهدة تحظر استخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية في النزاعات الدولية المسلحة، وهو لا يختلف عن اتفاقية (ستراسبورغ) التي تحدثنا عنها منذ قليل، حيث كان الرأي العالمي العام في كليهما أن هذه الأسلحة الكيميائية تسبب ألمًا ومعاناة للضحايا، وكذلك تتسبب صدمة نفسية وعاطفية كبيرة.

3. الأسلحة النووية والفخاخ

أحد الفخاخ اليابانية. صورة: charleyvalera
أحد الفخاخ اليابانية. صورة: charleyvalera

بعد عدة سنوات، اندلعت الحرب العالمية الثانية وظهرت مجموعة جديدة من الأسلحة التي استخدمها اليابانيون، كالفخاخ الدفاعية. نصب اليابانيون العديد من هذه الفخاخ التي كانت عبارة عن حفر ضخمة مغطاة بأوراق الشجر ومليئة بقضبان الخيزران المدببة والحادة، وبمجرد أن يعبر الجنود من فوقها يسقطون فيها ليلاقوا مصيرًا سيئا للغاية.

كانت هذه الفخاخ مليئة بالبراز البشري أو الحيواني لضمان إصابة الجنود العالقين فيها بالعدوى، وقد تسببت في مقتل وتشويه الآلاف من الجنود طوال فترة الحرب.

كان لدى الأمريكيين أسلحتهم الخاصة، فمن منا لم يسمع بالهجوم الذري على مدينتي هيروشيما وناكازاكي أثناء الحرب العالمية الثانية! كما كانت هناك قنابل النابالم الحارقة.

رأس نووي ينطلق من غواصة.
رأس نووي ينطلق من غواصة. صورة: popularmechanics

كان النابالم من الأسلحة المثالية التي استخدمها الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية وذلك بسبب سهولة إنتاجه وتكلفته البسيطة، وقد تسببت قنابل النابالم بموت أعداد كبيرة في صفوف الجنود والمدنيين اليابانيين.

4. الأسلحة الحارقة

قاذف اللهب الشهير، الذي شاع استخدامه كثيرا خلال حرب فيتنام
قاذف اللهب الشهير، الذي شاع استخدامه كثيرا خلال حرب فيتنام. صورة: nationalinterest

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تمتعت أمريكا بفترة سلام إلى أن اندلعت حرب فيتنام الكارثية. لم تكن هذه الحرب كباقي الحروب نظراً لكثافة الغابات في الفيتنام، لذلك كان على الأمريكيين استخدام وسائل قتل جديدة. لم يعثر الأمريكيون على سلاح أفضل من قاذف اللهب لحرق الغابات وطرد العدو من مخابئه.

استخدم قاذف اللهب على نطاق واسع في كلا الحربين العالميتين وأثبت فعاليته في إحراق قرى بأكملها وحث العدو على الخروج من مخابئه. استخدمت قنابل النابالم أيضاً أثناء الحرب الفيتنامية، حيث أفادت التقارير أن الولايات المتحدة أسقطت حوالي 388 ألف طن من هذه القنابل على مدار الحرب، على وجه المقارنة، استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى كلها 16.500 طن من النابالم.

لم تحظ حرب الفيتنام بتأييد الشعب الأمريكي لاعتباره أن استخدام هذه الأسلحة النارية أمر قاسي وغير إنساني. وفي 10 أكتوبر من عام 1980، عقدت منظمة الأمم المتحدة اتفاقية بشأن بعض الأسلحة التي حظرت استخدام العديد منها، حيث منعت استخدام الأسلحة الحارقة في حال وجود المدنيين تحت ما يشار إليه بالبروتوكول 3.

الأمر المثير للاهتمام هو أن قنابل النابالم لم تحظر تماماً، أي يمكن استخدامها في مناطق الغابات التي يختبئ بها العدو، ولكن يحظر استخدامها في المناطق المأهولة. تم حظر الأسلحة الغازية، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، ولكن لا يزال يُسمح استخدامه أثناء أعمال الشغب المحلية. كما مُنع استخدام الفخاخ كالتي استخدمها اليابانيون، وأي سلاح يترك شظايا في جسم الإنسان لا يمكن اكتشافها بالأشعة السينية، بالإضافة للألغام غير القابلة للتدمير أو التعطيل الذاتي، كما يجب إزالة هذه الألغام عند انتهاء الحرب. وأخيراً، يُمنع استخدام الأسلحة التي تسبب العمى الدائم للخصم في ساحات المعركة كالأسلحة الليزرية.

ماذا نستنتج من هذه القائمة؟ ما الشيء الذي جعل كل هذه الأسلحة مناهضة للإنسانية أكثر من الحربة أو مدفع رشاش عيار 50 ملم؟ بالطبع الغرض الرئيسي هنا حماية السكان المدنيين من أي ضرر قد ينشأ عن الاستخدام العشوائي لهذه الأسلحة، أي أن هذه البروتوكولات الصارمة تحظر استخدام الأسلحة التي لا تسبب الأذى للقوات المعادية فقط، ومن بينها القنابل العنقودية والقنابل النووية والأسلحة المخفية كالألغام والفخاخ المتفجرة.

كما اتفق الرأي العام بالإجماع على حقيقة أن موت الجندي في ساحة المعركة أمر محتوم للأسف، ولكن لا أحد يستحق أن يعاني قبل موته.

لا يمكننا تخيل مستقبل الحروب مع التقدم التكنولوجي الذي يشهده كوكبنا، ربما لاحقاً قد يتفق العالم على إبعاد البشر عن ساحات المعارك نهائيًا وترك الأمر بيد الطائرات بدون طيار والروبوتات وتحويلها لحروب تكنولوجية بحتة! لا نعلم كم من الوقت سيستغرق منا الوصول إلى هذه المرحلة ولكنها قادمة بلا شك.