in

دخلك بتعرف تاريخ بندقية الـM-16 والسبب الذي جعلها مشهورة؟

تصنع البنادق التقليدية من الفولاذ والخشب، ومهمتها التي صنعت لأجلها هي قتل هدف بطلقة واحدة مصوبة بشكل جيد، غير أنها على الرغم من نجاعتها وعلى الرغم من كونها مميتة للغاية، فإنها مع كل طلقة تطلقها ترتد مثل ركلة حصان هائج.. لكن هذه البندقية التي سنسرد عليك تاريخها مختلفة بشكل كبير عن البنادق التقليدية.

إن بندقية M16 تعتبر إلى حد كبير السلاح النهائي الأمريكي، الذي تجرأ على تحدي التقاليد وكسرها في وجه الحروب الحديثة.

في بداياتها الأولى، كانت هذه البندقية مصدر جدل كبير، غير أنها تمكنت من تجاوز سمعتها السيئة التي حصدتها في سنواتها الأولى، وأصبحت خيار الجيش الأمريكي الأول في الحروب.

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..
البنادق التي كان الجيش الأمريكي يستخدمها في الحرب العالمية الثانية.
بنادق M1 carbine التي كان الجيش الأمريكي يستخدمها في الحرب العالمية الثانية. صورة: Wikimedia Commons

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، سنلقي الضوء على الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تتخلى عن تقليدها الراسخ في استعمالها لبنادق عيارات 30 ميليمتر واستبدالها بالـM16، كما سنستعرض المشاكل التي واجهتها هذه البندقية الجديدة، والسبل التي شقتها في سبيل نيل لقب ”البندقية السوداء الأفضل على الإطلاق“.

الحرب العالمية الثانية:

غيرت الحرب العالمية الثانية كل شيء كان معروفا في الحروب، حيث ثبت فيها كون التكتيكات الحربية التقليدية قديمة وغير صالحة، وأصبح القتال أسرع وعلى مسافات أقرب، وقد كان هذا يعني أن المعارك لم تعد تُربح بالقدرة على التصويب والتسديد والإطلاق، وبدل ذلك ارتبطت الانتصارات بالحجم الكبير والهائل للمقذوفات التي يتم إمطار العدو بها.

تم تأسيس شركة Armalite لصناعة الأسلحة سنة 1954 لتكون فرعًا لشركة Fairchild Aircraft، وتولى قسم التصميم في الشركة مصمم الأسلحة الصغيرة الأمريكي (يوجين ستونر).

استجابة لحاجة الولايات المتحدة الأمريكية لبندقية معيارية جديدة، تم تطوير بندقية AR-10: التي أفسحت المجال أمام استخدام أكثر حرية للمواد الحديثة للخروج بتصميم ذا وزن خفيف لرشاش أوتوماتيكي.

أسس تزويد هذه البندقية بألياف الزجاج الجوفاء والألومنيوم لقاعدة أكثر حداثة في صناعة الرشاشات الحربية، وقد حافظ المصمم على استخدام خراطيش وينشستر 0.308 التي كانت تستخدم في تصاميم تقليدية أكثر، لكن على الرغم من التحكم الممتاز في الارتداد، فإن هذه الخرطوشة القوية لم تكن مناسبة جدا لرشاش أوتوماتيكي بوزن خفيف مثل رشاش AR-10، ومنه أصبحت الحاجة لخراطيش أصغر حجما واضحة جدا.

عيارات NATO 5.56mm
عيارات NATO 5.56mm. صورة: Wikimedia Commons

بذلك خرجت للنور رصاصات NATO 5.56mm، التي تم فيها زيادة نسبة المسحوق من أجل استيفاء شروط التسارع وقدرة الاختراق المطلوبين منها. سمحت هذه العيارات بأحجامها الجديدة للجنود بحمل ضعف الذخيرة بنفس الوزن، وعلى الرغم من كون هذه الرصاصات صغيرة الحجم قليلاً، فإن آثارها تبقى مثيرة للاهتمام بفعل دورانها وتشظيها داخل جسم ضحيتها.

تم تكييف بندقية AR-10 من إنتاج شركة Armalite من أجل إطلاق هذا النوع الجديد من العيارات النارية، وأطلق على البندقية الجديدة التي نتجت عن ذلك اسم AR-15.

بندقية AR-15 الأمريكية.
بندقية AR-15 الأمريكية من إنتاج شركة Armalite. صورة: Wikimedia Commons

حرب فيتنام:

لاحقًا، بيعت حقوق التصميم للشركة الأمريكية لصناعة الأسلحة Colt في سنة 1959 بالضبط، وتحت إدارة الشركة الجديدة، تم تبني بندقية AR-15 من طرف الجيش الأمريكي في سنة 1962.

بهذا الدور الجديد لهذه البندقية جاءت تسمية جديدة وهي M16، ولم يمض وقت طويل حتى قرر الجيش استخدام وتجربة البندقية في المعارك الفعلية، وكان ذلك تحت الظروف السياسية المضطربة لحقبة الستينيات الماضية، فتم تزويد الجنود الأمريكيين بهذه البندقية الجديدة في خضم حرب فيتنام المثيرة للجدل.

لم تلق هذه البندقية ترحيبا واسعًا بين الجنود الأمريكيين، الذين أطلقوا عليها الكثير من الألقاب الساخرة بسبب وزنها الخفيف وحجمها الصغير ما قاد إلى مقارنتها بـ”البندقية اللعبة“، كما أن العيارات النارية الأصغر حجما التي كانت تطلقها جعلت الكثيرين يشكون في قدرتها على القتل.

جندي أمريكي يستخدم بندقية M16 خلال حرب فيتنام.
جندي أمريكي يستخدم بندقية M16 خلال حرب فيتنام. صورة: historynet

غير أن العيب الأعظم والأكثر وخامة كان سوء موثوقية البندقية في ساحة المعركة، فقد أثر تغيير نوع المسحوق داخل العيارات النارية التي تطلقها ضغط الذخيرة، مما قاد إلى وقوع خلل متكرر في البندقية عندما يتعلق الأمر باستخراج العيارات العالقة.

ومن العيوب الأولى التي ظهرت على البندقية أيضًا هو أن إصداراتها الأولى كان ينقصها التجويف المبطن بمادة الكروم، وبمزاوجة هذا العيب مع الظروف الرطبة التي اتسمت بها أدغال فيتنام، وكذا مع الصيانة المتهاونة التي قاد إليها الاعتقاد السائد بأن البندقية كانت ذاتية التنظيف، نالت بندقية M16 سمعة سيئة للغاية في وقت قياسي.

كان فشلها ذريعًا وعلى نطاق واسع، حيث أفاد ما ينوف عن 80 في المائة من الجنود بوقوع مشاكل انسدادات وتوقف فجائي عن الإطلاق، وهي أزمة لم يكن أي أحد في حاجة إليها في ذلك الوقت على وجه الخصوص، وفي زمن كانت فيه المعارضة الشعبية للحرب في أوجها، لا عجب أن صناعة الأسلحة الأمريكية اتخذت رد فعل سريع للغاية، حيث لم يمض وقت طويل قبل إدخال بندقية M16A1 في سنة 1967، والتي جاء معها حل جميع المشكلات السابقة لسلفها، مما ساعد على استعادة البندقية لسمعتها وثقة الجنود فيها.

بندقية M16A1 الأصلية.
بندقية M16A1 الأصلية. صورة: gunauction

بحلول سنة 1968، كان تقريبا جميع من يستخدمون البندقية معجبين بها إلى حد بعيد، وعلى الرغم من بداياتها المترنحة، لا يحمل الجميع تقريبا أي ضغينة تجاهها اليوم.

بخفة وزنها وسهولة استعمالها ودقتها في التصويب باستخدام عيارات نارية تتعدى قدراتها حجمها الصغير، وضعت بندقية M16 معيارا جديدا للبنادق العسكرية الحديثة، وكنتيجة على ذلك، كان من السهل نسيان بدايتها السيئة.

لقد كانت في نفس الوقت منتوجاً في زمن السباق نحو الفضاء، فاستخدمت فيها مواد عالية الكفاءة، وكان لها مظهر حديث يبدو نابعا من أفلام الخيال العلمي آنذاك، دون أن ننسى لونها الأسود القاتم المميز.

أطلقت بندقية M16 موجة موضة جديدة كان على جميع البنادق العسكرية الأخرى اللحاق بركبها، وسرعان ما فقد استخدام الخشب مكانته في صناعة البنادق.

البندقية اليوم:

جندي أمريكي يستخدم بندقية M16 اليوم (2020).
جندي أمريكي يستخدم بندقية M16 اليوم (2020). صورة: armytimes

ظلت هذه البندقية الثورية في الخدمة لأزيد من 50 سنة، ومازالت قيد الاستعمال، ولا توجد هناك أي بندقية تبدو ”أمريكية“ أكثر من هذه القومية السوداء.

بسبب استخدامها الطويل من قبل واحد من أقوى جيوش العالم، صارت بندقية M16 منظرا شائعا في ألعاب الفيديو، وكلما حضرت القوات النظامية الأمريكية في لعبة ما تجد بندقية M16 مرافقة لها كالسلاح المعياري الخاص بها، على الأقل عندما لا يتم استخدام شقيقتها الصغرى الـM4.

غالبا ما يتم تصويرها على أنها سلاح يطلق وابلًا من ثلاثة عيارات متتالية، وليس سلاحًا أوتوماتيكيا، هذا على الرغم من أن بنادق M16 وM16A1 الأصلية كانت بنادق أوتوماتيكية بشكل كامل، إلى أن جاءت بندقية M16A2 التي استبدلتها وكانت بندقية تطلق وابلات من العيارات النارية الثلاثية المتعاقبة.

وقد جُعلت بهذه الخاصية من أجل مساعدة الجندي على الاقتصاد في الذخيرة، حيث كان من السهل في السابق إفراغ مخازن ذخيرتها بسرعة كبيرة في حالة عدم ضبط النفس بالشكل الملائم.

في ألعاب الفيديو، تساعد وابلات العيارات النارية الثلاثية على التفريق بين بنادق M16 من البنادق الأوتوماتيكية الأخرى.

إنها بندقية سهلة الاستعمال، ودقيقة التصويب، وتجعل الأهداف تسقط بطلقة واحدة مصوبة بدقة، وهي على الرغم من أنها تبلغ من العمر نصف قرن تقريبًا، فإن شعبيتها تزداد مع مرور الوقت: سواء في الاستخدام العسكري أو المدني.

وقفت هذه البندقية صامدة بثبات في وجه بديلاتها المحتملات، وربما لم تكن لها بداية جيدة، لكن ليس ذلك بالأمر الجلل. لم تكن بندقية M16 هي البندقية التي كانت أمريكا تريدها، بل كانت البندقية التي كانت أمريكا في حاجة لها، لقد تجرأت على تحدي التقاليد العسكرية، وأسست معايير جديدة للبنادق الهجومية العسكرية في خضم ذلك.