اجتماعيات

بعيداً عن العاطفة، ماذا بعد عاصفة ترامب؟

مخاوف المسلمين من فوز ترامب

صدمة وذهول، هذا ما بدا على وجه معظم المحللين السياسيين والمتابعين لانتخابات الرئاسة الأمريكية. فوز ترامب لم يكن وارداً، وقد بدا فوز هيلاري ومشاهدة أول رئيسة للولايات المتحدة الأمريكية بعد أول رئيس من أصول أفريقية شيئاً أقرب من ذي قبل، ولكن السياسة ودهاليزها وخفاياها كانت لها كلمة الحسم.

فوز ترامب جعل العالم كله في حالة من الذهول. كيف ذلك وهو رئيس القوة العظمى في العالم، فمن يعتقد أن الانتخابات الرئاسية لا تخصه يتوهم، فأصابع الولايات المتحدة الخفية موجودة خلف الكواليس في كل السياسات الدولية، وتأثيرها في الاقتصاد العالمي ونتائجه على نظام حياة كل شخص منا شيء لا يمكن إنكاره. هذا كله يجعل من شخص الرئيس في بلد يعتمد النظام الرئاسي المرتكز على منظومة الحزبين المتنافسين (الجمهوري والديمقراطي) أمراً جوهرياً. والآن بعد أن زال الذهول، وخف وطء الصدمة يبرز السؤال العميق ”ماذا بعد؟“ ومن هنا نبدأ.

ربيع العلاقات الأمريكية الروسية

عرفت العلاقة الأمريكية الروسية التوتر والعصبية مذ تولي ”فلاديمير بوتين“ دفة القيادة في روسيا. شيء يذكرنا بالحرب الباردة ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وإن كانت روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي. فروسيا اليوم مختلفة تماماً عن الاتحاد السوفييتي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وحتى إيديولوجياً. وإن كان ينظر لروسيا اليوم، كالقوة الإمبريالية الصاعدة التي ستنهي نظام القطب الواحد الذي سيطر على العالم منذ نهاية الحرب الباردة.

غزل دونالد ترامب المبطن بالرئيس الروسي بوتين، وتعبيره عن إعجابه بكيفية قيادته لروسيا، تمهد لعلاقة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا. تبدو كاريزما فلاديمير بوتين الشبيهة بعرابي العصابات الكبيرة والمافيا شيئاً مثيراً للرئيس الأمريكي الجديد. فهدوء الرئيس الروسي، الذي يخفي تحته جبالاً من القوة والصلابة الفولاذية، يلهم شخصاً مثل ترامب الذي يرتكز على الخطاب الشعبوي التعبوي الذي يخاطب الغريزة وحالة اليأس والقنوط التي يمر بها الأمريكي ”الأبيض“، الذي ينتمي للطبقة الوسطى والكادحة، والذي يحمل في داخله غضباً مبطناً يحتاج إلى تفريغه والتعبير عنه في أي شيء يشعر بأنه هو السبب.

شعار ”جعل أمريكا قوية من جديد“

شعار ”جعل أمريكا قوية من جديد“

ترامب لم يخفِ رغبته بتطوير العلاقات مع روسيا وفتح المجال للتعاون في شتى الشؤون، بل يبدو أن ترامب يرى في التجربة الروسية نموذجاً يمكن السير عليه لتحويل أمريكا من دولة تميل إلى الانفتاح بعض الشيء على العالم إلى جدار فولاذي بارد يدمر كل من يقترب منه. فبالنسبة لترامب ”اللعبة قد انتهت“ وثقافة ”أمريكا اللطيفة والمحبة للسلام“ شيء يجب تغييره بأسرع وقت ممكن. ومن هنا جاء شعار حملته ”جعل أمريكا قوية من جديد“.

المستقبل الذي لايمكن توقعه

يبدو ضرباً من المستحيل توقع المستقبل مع وجود ترامب في رئاسة الولايات المتحدة. الرجل لا يملك خبرة في السياسة، لا يبدو أنه مستقر على خط سياسي معين. كما لا تبدو أفكاره متناسقة في فكر إيديولوجي سياسي معين. فقد تنقل في الماضي بين الحزب الجمهوري والديمقراطي، عدا عن فترة قضاها مستقلاً سياسياً عن الحزبين.

فمن ناحية الفكر الاجتماعي الجمهوري التقليدي لا يبدو ترامب ذلك المسيحي المحافظ؛ إذ أن تاريخه مليء بالعلاقات الجنسية والمجون والفضائح بل وحتى التحرش. أما من ناحية الفكر الاقتصادي الديمقراطي التقليدي، يظهر ترامب بصورة رجل الأعمال الملياردير الباحث عن أي فرصة لجني الملايين، والذي لا يهتم بأمر الطبقات الوسطى والكادحة ما دام الأمر يعني جلب الملايين لجيبه.

هيلاري كلينتون كانت بالنسبة للأغلب امتداداً لفكر باراك أوباما في الإدارة الأمريكية. ربما هذا ما جعلها تخسر الانتخابات الرئاسية. إذ أن الأمريكان بعد ثمن سنوات من إدارة أوباما باتوا بحاجة لأي فكرة جديدة تشعرهم بأن المستقبل أفضل وأكثر راحة.

وإذا كان ترامب قد اعتمد على الخطاب الشعبوي اليميني، فالمرشح الديمقراطي لتمثيل الديمقراطيين في الرئاسة الأمريكية السيناتور ”بيرني ساندرز“ ارتكز على الخطاب اليساري الاشتراكي العمالي في حملته. منافسة بيرني القوية لهيلاري كيلنتون بدت مفاجئة للكثيرين في بلد يعتبر فيه مصطلح مثل ”الاشتراكية“ تابو سياسي نظراً لإرث الحرب الباردة. إلا أن بيرني تحدث بكل انفتاح حول فكرة ”الاشتراكية/الديمقراطية“ و”النموذج الاسكندنافي“ في دولة الرفاه والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، وهو ما دغدغ مشاعر الطبقات الدنيا والعاملة، بالأخص القادمة من أقليات ثقافية مختلفة، مما أعطى دفعة قوية لبيرني في انتخابات الحزب الديمقراطي جعلته ينافس هيلاري ويهزمها في عديد الولايات.

هذا كله يعطي فكرة عن أن الشعب الأمريكي وصل إلى طريق مسدود مع سياسات الحزبين التقليدية، وهو اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي جديد يثير فيه الحماس والأمل بمستقبل آخر.

التساؤلات التقليدية حول سياسات ترامب الخارجية والداخلية تبدو بلا إجابات حقيقة؛ لعدم وجود إرث سياسي وحزبي لترامب يمكن الارتكاز عليه في التحليل على العكس من هيلاري كلينتون. على الرغم من ذلك، الكل يعلم أن الرئيس وحده لا يحكم في الولايات المتحدة؛ فهناك كتلة كبيرة مشكلة من رجال الأعمال والشركات واللوبيات ورجال العصابات والقضاة والسياسيين الانتهازيين الذين يملكون مفاتيح البيت الأبيض، وهم أعلم بخفايا السياسة الأمريكية. فلا يبدو أن ترامب يملك مفاتيح كل القضايا السياسية وحده، فالقرار في نهاية الأمر بيد هذه الكتلة الكبيرة الوازنة والتي تحرك السياسة الأمريكية كيفما شاءت.

أوروبا.. أقصى اليمين واليمين الشعبوي

لا تنطبق الحالة الأمريكية على الشعب الأمريكي وحده. الأوروبيون يمرون بمرحلة مشابهة للأمريكان، ويبدو المستقبل في دول الاتحاد الأوروبي غامضاً. خروج بريطانيا لعب بمشاعر الشعوب وآثار فيهم حنيناً خفياً لماضٍ قومي، حيث كان الوطن وطناً بحدود مغلقة وسياسات حصرية للشعب المعني لاغيره، دون أن يشاركهم في صنع المستقبل أي أجنبي أو غريب. ومع التدفق الكبير للاجئين من مناطق الصراع في الشرق الأوسط، تبدو الأجواء في دول الاتحاد الأوروبي المستقبلة للاجئين أكثر توتراً.

الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها معظم الشعوب الأوروبية وحالة المنافسة في الوظائف وسوق العمل مع المهارات والأيدي العاملة القادمة من الخارج تثير النفور لدى الأوروبيين، وتغذي الوحش المختبئ منذ الحرب العالمية الثانية، والمتمثل بالشوفينية القومية والعنصرية ومعاداة كل ما هو أجنبي. لا يمكن لوم الطبقات العاملة على ذلك، فقد كان الاقتصاد دوماً فوق السياسة والمحرك الرئيسي لها. فإذا كان هنالك من متهم شرعي توجه له أصابع الاتهام فهو ”المنظومة الإقتصادية“ الحاكمة في العالم كله.

من نافلة القول أن فوز ترامب يفتح الأبواب مشرعة على أحزاب اليمين الشعبوية واليمين المتطرف في أوروبا لحصد المقاعد البرلمانية، والفوز بثقة الناس في العمل السياسي. وهذا شيء ممهد له حتى من قبل نجاح ترامب، إذ أن الأوضاع الإقتصادية والتضارب بين الثقافات المختلفة التي تعيش في أوروبا الآن صنع بيئة خصبة تزدهر فيها أحزاب أقصى اليمين. فشاهدنا نجاحات متوالية لمثل هذه الأحزاب في عدة دول، بل إن بعضها يشارك بالحكم. وليس من المستبعد رؤية مثل هذه الأحزاب وهي تحصد العديد من المقاعد البرلمانية في الإنتخابات القادمة، بل وأن تحكم منفردة في دول مثل فرنسا والنمسا والمجر.

الدول العربية.. رياح التغيير

فوز ترامب

مما لاشك فيه أن رياح التغيير ستهب على العلاقات بين الدول العربية والولايات المتحدة. قام بعض الزعماء العرب بتهنئة ترامب بمجرد إعلانه رئيساً، في تقليد قديم يهدف إلى التذكير بالوجود وبالحاجة المستمرة للتطمن من وجود الولايات المتحدة في صفهم.

إلا أن ترامب لا يبدي ذاك الحماس للعلاقات الأمريكية العربية. فالملياردير الصلف يؤمن بأمريكا المتغطرسة الغير عابئة بغيرها، والتي لا تنتظر أي منة من أية دولة عربية على شكل نفط أو غاز أو غير ذلك. وقد قام ترامب في حملته الانتخابية بضرب الحائط بكل العلاقات الدافئة التي نسجها الرؤساء السابقين مع دول الخليج، فهو يطالب بكل وضوح بأن تدفع هذه الدول ثمن الحماية التي قدمتها لها الولايات المتحدة في الماضي، باعتبار أن النفط والغاز وغيره من الثروات حق مشروع للولايات المتحدة بالأساس.

لا تبدو الأمور واضحة بشأن ماهية مستقبل العلاقة بين ترامب ومواطنيه من الأقليات العربية، وإن كان معظم المواطنين الأمريكان من أصول عربية متشائماً ويرى أن العنصرية وثقافة الكراهية ستجد لها بيئة خصبة في فترة حكم ترامب. ويبدو أن التساؤلات حول المسألة العرقية وتعامل المجتمع الأمريكي معها ستكبر في فترة حكم ترامب، خصوصاً مع وجود مخاوف من تكاثر جرائم الكراهية وتوفر الظروف الموضوعية المناسبة لنشأة ردة فعل عنيفة من قبل الأقليات العرقية، ينشأ عنها مشاكل وتوترات عرقية تقسم المجتمع الأمريكي.

علاقة ترامب وإسرائيل تبدو امتداداً للعلاقات السابقة بين أمريكا وإسرائيل. فلا يبدو أن ترامب سيغير في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع إسرائيل كشريك استراتيجي في الشرق الأوسط، واللعب على وتر مبدأ ”الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط“. وقد أكد ترامب في عدة مرات على دعمه لإسرائيل وحقها في الوجود كدولة ذات سيادة في الشرق الأوسط وعاصمتها القدس. أما عن الفلسطينيين، فيبدو أن ترامب ليس لديه أدنى فكرة عن الوجود الفلسطيني، ومعلوماته عنه لا تتعدى القليل من المعلومات النمطية المستقاة من وسائل الاعلام الأمريكية التقليدية. على أية حال، فالفلسطينيون لم يكونوا يتوقعون الأفضل في حالة فوز هيلاري كلينتون.

الغضب يولد الخوف، والخوف يولد الكراهية

تبدو هذه مجرد توقعات مبدئية عن المستقبل السياسي في العالم تحت إدارة ترامب للولايات المتحدة. وإن كانت العديد من الملفات الخارجية والداخلية مرتهنة بآراء المستشارين السياسيين والإقتصاديين وفريق العمل الإستشاري الذي سيوجه ترامب.

فترامب وحده لا يملك القدرة ولا الخبرة الكافية لفرض رأيه، وإتخاذ القرار الحاسم بشأن العديد من الأمور، فالفريق الرئاسي هو المؤثر الرئيسي على قرارات الرئيس. على كل حال تبقى فكرة وجود شيفرة استخدام الأسلحة النووية مع رجل من طينة ترامب مدعاة للفزع والسخرية السوداء في الوقت ذاته.

إن حالة الغضب، واليأس الإقتصادي، والضغوط الاجتماعية، والتوتر النفسي، والقلق الذي يعصف برأس أغلب البشر في العالم هي سمة هذا العصر. وحالة العزلة التي يلجأ لها الإنسان في القرن الواحد العشرين نتيجة لهذا كله تولد لدى الإنسان المعاصر مشاعر الخوف. هذا الخوف الذي يوصف بالخوف من المجهول يتفاعل مع أي خطاب محفز من نوعية خطابات ترامب الإنتخابية، وينتج عن ذلك خليط من مشاعر الكراهية والعنف تجاه أي عنصر مختلف خارج الخلفية الثقافية التي ينتمي لها هذا الإنسان المعاصر.

ومن هنا تبدو تجربة نجاح ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، وقيادته للقوة العظمى في العالم نتيجة مباشرة لكل هذه العوامل سوية (الغضب، والخوف، والكراهية). من هنا يمكن تماماً فهم دعابة يلقيها مواطن بريطاني على نادلة بولندية في مقهى في لندن في اليوم التالي لإستفتاء خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي ”هل لازلت هنا؟!“. وإن كانت هذه مجرد دعابة ممزوجة بالسواد في الوقت الحاضر، فإنها مع الزمن ستتحول لمشاعر من الكراهية والعنف للآخر ولكل ما هو مختلف وغريب. من هنا يمكننا أن نتذكر المشاعر المسيطرة في المجتمعات حول العالم في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وإن كانت الظروف اليوم مختلفة.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف.

عدد القراءات: 1٬560