اجتماعيات

ما أحوجنا إلى احتجاجات ونحن عراة في وطننا العربي… ليعم السلام!

احتجاجات عراة

يمكنني استقراء معالم السخرية والتعجب التي ارتسمت على وجهك عند قراءة عنوان هذه المقالة، والتي لم يكن بالتأكيد سببها الاحتجاجات والمظاهرات المكونة من مجموعة عراة في شوارع الوطن العربي، والتي أشرت بأننا بحاجة إليها، بل السبب عبارة ”ليعم السلام!“.

كيف يعم السلام وسط هذه الظلمة الحالكة، كيف يعم السلام في بلاد أناسها ملامحهم الافتراضية الصمت والتعاسة، صمتهم يعبر عن صرخة تتحدث عن نفسها بوضوح.

في بلاد السلطات فيها منحرفة، يمارسون القمع بشتى صوره: من انعدام حرية الرأي ومنع الكتب، وسجون ملؤها سجناء الرأي والسياسة، بل وتسعى تلك النخبات السياسية الحاكمة لتبرير مصادرة حق التعبير عن الرأي بحجج واهية.

تجمعت هذه العوامل والظروف، بجانب الحروب والمجاعات والصراعات الداخلية (والتي تشكل الشرط الأساسي لوجود أي دولة عربية)، لتلقي بحمولة نتائجها على الناس في العالم العربي، مسببة لهم خيبة آمال، والإحساس باللاجدوى واليأس، وانعدام الاستقلالية والخصوصية.

أصبحنا نتبع أسلوب النمط الواحد، لا يوجد اختلافات بين الآخرين، نخاف الخروج عن القطيع، نسعى دائما لتوحيد أشكالنا وأنماط معيشتنا، وإذا اجتمعنا على فكرة موحدة، تكون فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد.

لكن تبقى هناك تلك الفئة، والتي ترفض الخضوع والامتثال لسخرية الواقع، تنتفض بنفسها ومن معها لتغير مجريات الأحداث، تسعى لإزاحة الحق في البقاء والذي يعد فوق كل اعتبار وأسمى غاية في بلادها؛ ليحل محله الحق في الحرية، تسعى لنشر السلام في ربوع الوطن، لم تيأس بعد ولن تفعل، للوصول لمستقبل أفضل لبلادها والذي تبدو معالمه غابرة حتى هذه اللحظة.

تعددت طرق التعبير عن الرأي و هدفها واحد، يختار الشخص طرقا للتعبير تتناسب وقدراته الفردية، ليستطيع إيصال أفكاره لأكبر شريحة مستهدفة وبالطريقة المرجوة؛ منعا لتشكل أي ضباب فكري يحول دون فهم المضمون المراد إيصاله، ولكن هناك طرق للتعبير يمكن للأشخاص مهما تباينت قدراتهم أن يمارسوها، وتزداد مفعولها بزيادة عدد الأفراد المشاركين، إحدى هذه الطرق الاحتجاج أو المظاهرات بأجساد عارية.

ارتأيت أن أبدأ هذه المقالة بأيقونة التظاهر العاري، المصور العالمي (سبينسر تونيك).

المصور سبينسر تونيك

المصور سبينسر تونيك

المصور سبينسير تونك لم يكن غريباً البتة وجود الطابع الجريء الغالب على معظم أعماله والمستفزة أحيانا لبعض الفئات المحافظة، ركز في مسيرته المهنية على تصوير التجمعات والمظاهرات لمحتجين عراة من كلا الجنسين والتي تكون في أماكن عامة من مختلف دول العالم، وكان في أغلب الأحيان هو من يشرف على تجميع الأفراد.

أعماله الفنية من الصور، عبارة عن كتل من الأجساد البشرية متجمعة كأنها تحفة جغرافية احترافية الصنع نحتتها عوامل التعرية بإبداع على مر العصور، وبمعالم وتضاريس بعيدة أشد البعد عن كونها مجموعة بشرية، لا يستطيع المشاهد للصورة للوهلة الأولى تميز وجود أجساد بشرية إلا بعد التمعن في النظر، ولهذا يجدر بنا التوقف لدراسة الإبداع والاحترافية في التصوير المختص لهذه الظاهرة من هذا المصور الظاهرة.

احتجاجات عراة

احتجاجات عراة

وعلى الصعيد الفني، في البداية اعتبرت أعمال سبينسير تونيك التي تشمل عنصر التعري، مجرد تحديث لعنصر فني تقليدي موجود في أعمال فنانين سابقين ، فقد استخدم الكثير من الرسامين عنصر التعري في لوحاتهم الفنية، لكن صوره التي التقطها في الفترة الأخير، تشير إلى نقلة نوعية كبيرة في هذا الوسط، حيث أضحت الأجساد العارية تشير إلى رمز كفاح أو دليل على الاحتجاج، بدل من أن يكون مجرد عنصر طبيعي أو عنصر فني يشكله الفنان حسب رغبته الشخصية.

مثال يحتذى به من كولومبيا…

احتجاجات عراة

يسعى المصور سبينسير تونيك دائما للفت أنظار الشعوب لقضايا تشغل حيز كبير في حياتهم، لكن هم يحتاجون القليل التشجيع والتعاون، فيكون سبينسير خير رجل للقيام بتلك المهمة.

آخر تتبعات المصور سبينسير حملته على الذهاب إلى كولمبيا، هناك حيث أراد سبينسير لفت الأنظار للحرب الأهلية والتي كانت من أطول الحروب في العالم، أدت إلى تفرقة الشعب الكولومبي وأذاقته شتى أنواع العذاب، فكان هدف سبينسير توحيد شطري الصراع.

الصراع الكولومبي والذي بدأ بعد انتفاضة الفلاحين في ستينيات القرن الماضي، أدى إلى مقتل أكثر من 250.000 شخص وتشريد أكثر من 6,6 مليون كولومبي على مدار نصف قرن كامل. يقول سبينسير:

أنه لشرف لي أن أكون هنا، والحياة تكون قد تغيرت للأفضل، متأملين أن يتم توقيع معاهدة السلام ليعم الخير والأمان على الشعب الكولومبي.

نادى المصور سبينسير في الشعب الكولومبي ليجتمعوا في ميدان بوليفار الموجود في العاصمة الكولومبية بوغاتا ليأخذ صور جماعية لاحتجاجهم وايصال صوتهم لقادة الحكم هناك. تشجع أكثر من 6000 متطوع عراة من مختلف الأعمار والأجناس من شطري الصراع، ملبين نداء سبينسير للمشاركة في المظاهرة.

أحد المشتركين في هذا الاحتجاج (ويلسون باريتو)، ضابط شرطة سابق، فقد بصره عندما كان عمره 19 عاما إثر تعرضه لانفجار قذيفة ألقتها القوات الثورية أثناء الحرب الأهلية. يقول ويلسون:

بعد تعرضي للاصابة والتي أفقدتني بصري، كنت غاضبا جداً وأريد الثأر آنذاك، لكن اليوم أدركت أن كلنا قد كنا مخطئين، نحن شعب واحد، يجب أن نكون متحدين ونسامح بعضنا البعض.

ويضيف ويلسون قائلاً:

منذ مدة قصيرة، قابلت صديقي الرائع ”لويس“، كان أحد أعضاء الفرقة من القوات الثورية والتي نفذت الهجوم الذي أصبت به أنا، لكن اليوم أردت المشاركة في هذه المظاهرة، لأثبت للجميع، أنه يمكننا أن نسامح، يمكن أن يعم السلام بين الأطراف المتخاصمة مهما كانت أسباب الخصام.

أنا الآن مرتبط مع لويس في علاقة عاطفية، أنا الآن مرتبط مع من كان في يوم من الأيام عدواً لي، أسامحه، لأننا ببساطة أبناء وطن واحد.

بدأت التحضيرات واصطف المتطوعين، هادئين عراة متماسكين ومتحدين كانوا، لا يهمهم إذا كان عدو أو صديق من يقف بجانبهم في المظاهرة، فلقد تخطوا كل هذه الصراعات فيما بينهم آملين أن تفعل الحكومة هذا أيضا. ثم التقط سبينسر مجموعة رائعة من الصور لذلك الاحتجاج، بحضور صحفيين من مختلف وكالات الأنباء، لتغطية الحدث.

المتمعن في المشهد آنذاك يرى (كم كان هذا التجمع سهلا تكنيكيا، عميقا سياسياً!).

المصور سبينسير تونيك في البحر الميت

احتجاجات عراة في البخر الميت

في البحر الميت

وصل المصور سبينسير قبل نحو خمس سنوات إلى البحر الميت، لالتقاط صور لألف شخص عراة في البحر الميت، لرفع الوعي حول مخاطر الجفاف الذي تتعرض لها مياه البحر.

كان المشروع تحت اشراف وزارة السياحة الإسرائيلية في البداية، لكن قامت الوزارة بالانسحاب وإلغاء المشروع بعد ذلك، بحجة أنها غير معنية بأن يوثق الدمار الذي تلحقه الأضرار الطبيعية في البحر الميت.

لكن المصور سبينسير تونيك يعلم أن ما يؤثر على البحر الميت ليس فقط الأضرار الطبيعية، بل هناك عوامل بشرية كالصناعات هناك والتي تستهلك مياه البحر ومازالت حتى اللحظة، ناهيك عن الأباطرة الذين يستغلون الكنوز الطبيعية في تلك المنطقة لمصلحتهم، مما دفع المصور لتجميع المشتركين والذهاب إلى الموقع سرا لالتقاط الصور.

كان النتاج صوراً سريالية ورائعة، تصور المشتركين وهم عراة فوق الفجوات في البحر الميت مع الخلفية الجميلة للبحر الميت والجبال الصحراوية التي تحيط به.

علياء المهدي، نموذج للاحتجاج العاري من الوطن العربي

6778-4

أثارت قضية علياء المهدي جدلاً واسعا في الوطن العربي بين مؤيد ومعارض. علياء هي طالبة اعلام في الجامعة الامريكية وناشطة مصرية، نشرت في البداية صورها على مدونتها عارية احتجاجاً على ”مجتمع العنف والعنصرية والنفاق“ كما أسمته، ثم شاركت علياء متعرية مع ناشطات أخريات في احتجاج أمام السفارة المصرية في السويد؛ رفضا للدستور المصري الجديد آنذاك.

لم تكن دوافع علياء الشهرة كما ادعى البعض، بل انقلابا على تعاليم المجتمع السائد باعتبار المرأة أداة جنسية وللاستخدام المنزلي فقط، وعلى ظاهرة التحرش المتفشية بين ذكور بلادها، وأيضاً انتقدت نظرة مجتمعها للمثلين.

هي مجموعة دوافع حاربت علياء من أجلها، علمت أن صوتها لن يصل بطرق التعبير الاعتيادية، فرأت أن التعري سيجذب أنظار مجتمعها لتلك القضايا حتى لو سبب لها ذلك الاضطهاد والضرب، هذا ما حدث بالفعل بعد ذلك.

تعالت أصوات من قبل بعض التيارات المتطرفة، مطالبة بإقامة الحد الشرعي على علياء ، متناسين القضايا التي تحدثت عنها علياء، متمسكين بصورها العارية!!

ختاماً

اهترأت الأحبال الصوتية لمغني الأغاني الوطنية، جفت فرشاة ألوان من يرسم جمال طبيعة الوطن، أرهقت أيدي شعراء يكتبون متغنين بجمال السعي لوحدة الوطن العربي، طفحت شاشات التلفاز من كثرة إعلاميين ينتقدون سياسات وآخرين يدافعون عنها، جربنا جميع وسائل تعبير الرأي السلمية لنحاول تغير حال الوطن العربي، لنتعسعس نفثة من الحرية، لم تجدي أي وسيلة نفعاً في تغير الوضع، فالحروب قائمة ولا تزال، ومعضلات المجتمعات العربية في ازدياد، من يجد لديه وقت شاغر يفتعل صراع، وكأن الوطن العربي لم يتشبع بعد من الصراعات.

لنجرب وسائل احتجاج وتظاهر جديدة، لعل حكام عروبتنا تثار مشاعرهم عن رؤية أجسادنا! ويتوقفون عن التفكير في مصالحهم دقيقة، ويشفقون على من تبقى قابع في البلاد العربية. ولأكون أكثر واقعية، بالطبع لن تنتهي المشاكل بين ليلة وضحاها، لكن ربما حدتها تزول تدريجياً وتتوقف عملية افتعال أزمات جديدة.

عدد القراءات: 94٬388