اجتماعيات

رشاشات أمريكية تباع في سوريا على تطبيق المحادثات التابع لشركة (تيليغرام)

رشاش أم 16 يحمله رجل

انتهت بعض الأسلحة الأمريكية الصنع، التي منحتها الولايات المتحدة لحلفائها من المعتدلين في سوريا كجزء من مخطط دعم يهدف للقضاء على الجماعات الإرهابية في المنطقة، بين أيدي الجهاديين المتطرفين الذين صاروا يتداولونها فيما يشبه سوقا إلكترونيا على الإنترنيت في شمال البلاد، المنطقة التي تعتبر معقلا لجماعات تنظيم القاعدة.

في منحى مثير للاهتمام اتخذته النتائج الوخيمة والكارثية لمحاولات وطموحات الغرب التي دامت ستة سنوات في سوريا من أجل القضاء على الإرهاب، عُرض رشاش من نوع (أم 16) M16 -هذا الرشاش الذي يشير رقمه التسلسلي إلى أنه كان جزءا من إمدادات عسكرية كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدعم بها حلفاءها من الميليشيات والجماعات المسلحة للإطاحة بالمتطرفين في المنطقة- على شخصية تنكرية انتحلتها قناة الـ(سي آن آن) CNN من طرف أحد قاطني مدينة (إدلب) السورية، وذلك عبر تبادل رسائل مشفرة على تطبيق (تيليغرام).

إدعى بائع هذا السلاح بأنه كان ينتمي لإحدى أكثر العمليات الواعدة التي باءت بالفشل من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، الهادفة إلى مساعدة المعتدلين السوريين المتمردين في حربهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية وبعض الجماعات الجهادية المتطرفة الأخرى التي تتخذ المنطقة مأوى لها.

وفي محادثة تبادل رسائل على تطبيق (تيليغرام) تنكرت فيه قناة الـ(سي آن آن) في شخصية شاري أسلحة، قال البائع بأن مصدر السلاح كان ”الفصيلة 30“ -وهي جزء من مسعى بلغت تكاليفه 41 مليون دولار، اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تدريب وكذا تجهيز المتمردين لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وباقي الجهاديين في المنطقة.

أنتجت سلاح الـ(أم 16) شركة مقرها في (جنوب كارولاينا) في الولايات لمتحدة الأمريكية تحمل اسم FN Manuffacturing، كما كان السلاح يحمل رقما تسلسليا يقول عنه خبراء الأسلحة النارية الصغيرة أنه يطابق حزمة من الأسلحة يعتقد أنها مُنحت في الأصل كدعم إلى قوات الأمن العراقية من طرف الولايات المتحدة، في إطار برنامج بعث الأمن في المنطقة، لكنه عثر عليه في سنة 2014 بحوزة مقاتلين في صفوف الدولة الإسلامية.

تم تبادل الرسائل التالية بين شخصية الـ(سي آن آن) المتنكرة تحت صفة شاري أسلحة، وبائع الأسلحة الرشاشة السابق ذكرها:

– ”السلام عليكم، هل مازال رشاش الـ(أم 16) هذا معروضا للبيع؟“

– البائع: ”أجل إن هذا الرشاش للبيع، وسعره النهائي هو 850 دولار، لكنه مجهز بمخزن ذخيرة كما يمكنك رؤيته في الصورة“.

– ”هل تملك واحدا فقط؟“

– البائع: ”أجل، المخزن متصل بالرشاش، أملك واحدا فقط، والمخزن وحده يكلف 20 دولارا“.

– ”شكرا… هل أنت حاليا في مدينة (إدلب)؟“

– ”أجل.“

– ”سأعطيك جوابا قريبا إن شاء الله“.

– ”حسنا“.

– ”هل تملك ذخيرة رشاش الـ(أم 16) للبيع؟ لقد كنت أبحث عن رشاش (أم 16) مثل هذا من قبل، من أين حصلت عليه؟ من العراق؟“

– البائع: ”أنا لا أملك الذخيرة لكنها متوفرة بكثرة في السوق“.

– البائع: ”لا، الرشاش يحمل وسم ”الفصيلة 30““

– ”كيف اكتشفت أنه كان ملكا للفصيلة 30؟“

– البائع: ”لم أكن عضوا في الفصيلة لكن هذا ما سمعت به“.

– ”في أي فريق من الأخوة أنت؟ لربما كنا نعرف بعضنا البعض؟“

– البائع: ”لقد كنت جريح الحرب لمدة طويلة، أنا الآن مقيم في مدينة (إدلب)“.

بينما تبقى غير واضحة الجهة الأصلية التي تم منح السلاح ودعمها به، فإنه حاليا معروض للبيع مقابل مبلغ 850 دولار في قنوات الجهاديين على تطبيق (تيليغرام)، حيث يتم عرض عدد كبير جدا من الأسلحة للبيع من قبل سكان منطقة يقال أنها خاضعة لسيطرة أحد الناشطين في صفوف تنظيم القاعدة.

تظهر العديد من الأسلحة على قنوات الجهاديين في ذات التطبيق الآنف ذكره على غرار: قاذفات القنابل، والرشاشات الثقيلة، وعدسات القناص التي تعمل بالأشعة الحرارية، وكذا الدروع ومضادات الرصاص، كما تعرض ذات القنوات بعض النصائح حول تشفير الرسائل وطريقة تهريب البشر من وإلى داخل سوريا.

بينما لم يكن باستطاعة قناة الـ(سي آن آن) التحقق مما إذا كانت كل الأسلحة المعروضة للبيع موجودة بالفعل أو مطابقة للمعايير التي وصفت بها أم لا، فإن ازدهار هذا السوق الذي يتم عرضها للبيع عليه يقترح أن بعضا منها على الأقل قد يكون أصليا وحقيقيا.

رشاش الـ(أم 16) الذي كان معروضا للبيع

رشاش الـ(أم 16) الذي كان معروضا للبيع.

كان بائع رشاش الـ(أم 16) مستعدا كذلك لعرض العديد من الصور الخاصة بالسلاح من زوايا مختلفة، وهو الأمر الذي قام به بصدر رحب.

فشل مشروع هذه الفصيلة التي انحلت في نهاية المطاف، كما أنه في إحدى المرات، اعترض طريق قافلتها العسكرية المدججة بأنواع الأسلحة المتقدمة والحديثة الأمريكية المنشأ مجموعة من المتطرفين التي انطلقت بعد ذلك ناقلة ذات الأسلحة إلى داخل سوريا.

– الـ(سي آن آن): ”هل مازال السلاح للبيع؟“

– البائع: ”وعليكم السلام: أجل مازال للبيع“.

– ”أنا أبحث عن رشاش (أم 16) مثل هذا تماما، أين تمت صناعته؟“

– البائع: ”أمريكا“.

– ”هذا جيد، من الصعب العثور على هذا النوع من الأسلحة، هل بإمكانك إرسال صورة تبرز علامته وصانعه ورقمه التسلسلي؟ وما هو سعرك النهائي؟“

– البائع: ”السعر النهائي هو 775 دولارا“.

– ”هل بإمكانك أن ترسل لي صورة تبرز صانع السلاح وعلامته ورقمه التسلسلي؟ فالصور المرفوقة لم تكن واضحة“.

– البائع: ”أجل، إن شاء الله“.

– ”شكرا لك أخي“.

– الـ(سي آن آن): ”أين بإمكاننا أن نلتقي؟“

– ”في (إدلب)، في مسجد أبو النور“.

– ”أرغب في تجريب السلاح، لقد كنت أبحث عن سلاح من هذا النوع، من أين حصلت عليه؟ من العراق؟“

– [لم يجب البائع]

أمضى (داميان سبليترز)، وهو عضو في مجموعة (أبحاث تسليح الحروب) -وهي مجموعة تتعقب حركة الأسلحة غير الشرعية في المناطق المتنازع فيها- أشهرا عديدة يجمع ويتفحص الأسلحة الصغيرة التي كان يتم الاتجار بها في العراق وسوريا، وكان قد قال بأن الرقم التسلسلي الذي عرضه البائع، والذي يخص رشاش الـ(أم 16)، كان قريبا جدا من الرقم التسلسلي لسلاح مطابق له نجح في استعادته هو وفريقه في وقت سابق، حيث قال: ”ما تظهره خصائص هذا السلاح وعلاماته هو أنه صنع في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يبدو أن رقمه التسلسلي الخاص به قريب جدا من ذلك الذي يخص سلاحا آخرا مطابقا له تمت استعادته من قوات تنظيم الدزلة الإسلامية في شمالي سوريا، هذه القوات التي قد تكون سرقته من قوات الأمن العراقية في وقت سابق“، ويضيف: ”لا يعني هذا أن نفس الأمر كان قد حدث مع هذا السلاح، فقد يكون فقط يتشارك معه نفس المصدر الأمريكي“.

قد لا يعني هذا الاكتشاف بالضرورة أن البائع لا يملك السلاح الذي يعرضه للبيع، حيث أنه من الممكن أن يكون جزءا من ذات الحزمة التي استعملت لدعم وتموين مشروع ”الفصيلة 30“.

رفضت القيادة المركزية في الجيش الأمريكي، المسؤولة عن تموين ودعم المعتدلين السوريين بالأسلحة طلبا بالتعليق على الأمر.

أفادت منظمة الـ(تيليغرام) كذلك أنها تقوم بحجب وإيقاف محتويات من هذا النوع إذا ما تم رصدها أو التبليغ عنها.

– شخصية الـ(سي آن آن) المتنكرة: ”هل تملك سلاح (أم 4) M4 أمريكي للبيع؟“

– البائع: ”أجل إنه متوفر، سعره هو 1500 دولار“.

– ”هل يمكنك إرسال صورة الصانع والعلامة والرقم التسلسلي؟“

– البائع: ”أجل“.

– متى سأتوقع وصل الصور؟

– ”شكرا لك، ما هو سعرك النهائي؟“

– البائع: ”1450 دولارا، والسلاح مرفق بكل أجزائه وقطعه“.

– ”أين تتواجد أنت الآن؟“

– البائع: ”في (إدلب)، أنا أتواجد حاليا في (سلقين)“.

– ”متى تكون متاحا حتى يتسنى لي تجريب السلاح؟“

– البائع: ”أين أنت الآن؟“

– ”معيرة النعمان“

– البائع: ”هل ترغب في شراء السلاح أم لا؟ حتى لا أكون أهدر وقتي هباءً“.

– ”أجل يا أخي، أرغب في شراء هذا السلاح لكني أرغب في تجريبه أولا، لقد كنت أبحث عن سلاح مثل هذا منذ مدة، من أي حصلت عليه؟ من العراق؟“

– البائع: ”لا، من سوريا… أراك في (إدلب) يوم السبت“.

– ”هل تملك المزيد من الأسلحة مثل هذا؟ أنا رجل أعمال حر وأنا أبحث عن أسلحة مثل هذا النوع“.

– ”لا، لا أملك سلاحا آخرا مثل هذا، يوجد مسدس (بيريتا) إيطالي المنشأ، إنه جيد“.

– ”آسف لكنني أبحث عن أسلحة أمريكية“.

– البائع: ”للأسف، لا توجد“.

– ”سمعت أنه توجد أسلحة تتداول في السوق مصدرها ”الفصيلة 30“، هل رشاش الـ(أم 4) هذا واحد منها؟“

– البائع: ”أنا لست متأكدا من ذلك، لكن (إدلب) تحتوي على سوق أسلحة كبير جدا“.

إن منطقة (إدلب)، التي يبدو أن تجارة الأسلحة تجري فيها -حيث اقترح البائعون الالتقاء بشخصية الـ(سي آن آن) المتنكرة في أحد المساجد المحلية في اليوم التالي- تتعرض للقصف العنيف حاليا من طرف قوات النظام السوري، التي استهدفت الكثير من المدنيين.

في نفس الوقت، أصبحت المنطقة بمثابة مغناطيس يجذب مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامة الفارين، إلى جانب مقاتلي القاعدة، وهيئة تحرير الشام، التي تملك علاقات معقدة مع تنظيم القاعدة.

غير أن المسؤولين في الغرب كانوا قد انشغلوا كثيرا بحربهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية وعدد المقاتلين الأجانب الذين ينضمون إليه، وغفلوا عن هذه الجماعات الجهادية المتطرفة الثانوية، وعن كون حجمها وأعداد أفرادها آخذة في الارتفاع، ناهيك عن الأسلحة التي تتداولها وتستخدمها.

اتخذت هذه الأسلحة الأمريكية منعرجا خطيرا لم يكن يخطط لها سلوكه، وذلك بوصولها إلى أيدي تجار الأسلحة غير الشرعيين والجماعات الإرهابية والجهادية المتطرفة، وهو الأمر الذي يعتبر بدوره شهادة على فشل محاولات الغرب في دعم المعتدلين السوريين في هذه الحرب الأهلية التي تعاني منها البلاد.

المصادر

عدد القراءات: 4٬151